ترجمة معانى القرآن الكريم ضرورة دينية ، لابد منها
-١-
لقد أتحفتنا مجلة " المنهل " الغراء في عددها لربيع الاول ١٣٩١ ه بمقال كتبه الاستاذ محمد سليم شرباتي ، بعنوان : " دعوا ترجمة القرآن فانها مستحيلة " والمقال ينم عن اخلاص صاحبه وصدق نيته ، فما حمله على كتابة هذا المقال الا غيرته على قدسية القرآن الكريم وحب الاحتفاظ بمكانته في قلوب المؤمنين ، حتى لا تعبث به يد عابثة باسم الترجمة ، ولئلا تحل هذه الترجمات محل الكلام المنزل من الله فيحسبه الجاهل من الله وما هو من الله .
نية طيبة ، وقصد شريف ، وغيرة يغبط عليها ، هذه أولى انطباعات هذا المقال على قلبي . وعندما خبرت محتوى المقال قلت : ليت مخبر هذا المقال مطابق للمظهر ، فهناك فقدان غريب للتنسيق العملي والتركيز الموضوعي اللائق بمثل هذه البحوث : شواهد لا تؤيد الدعوى ، أخطاء مدهشة فى الاقتباسات ، تساؤلات ومخاوف تحتاج إلى اساس من الصحة ، افتراضات لا تقوم على شواهد علمية ، عدم استيعاب الكاتب الفاضل لما ينقد .
هذه ملاحظات لم أسرع الى نشرها الا بعدها انعمت النظر فى المقال وطبقت الشواهد على الاصول . وقد رأيت ضرورة التعقيب تبيانا للحق ، وتوضيحا للموضوع والله من وراء القصد .
يقتضي البحث ان أوجز الموضوع واذكر نقطة الخلاف بيني وبين الاستاذ الشرباتي . ثم أشرح بصورة ايجابية ، الفكرة التى أرى الصواب فيها . . وأخيرا استعرض تساؤلات الاستاذ الفاضل محمد سليم شرباتي مع نقدها ، وبيان الاخطاء التى صدرت بدون قصد منه ، ومعاذ الحق ان اتهمه بما لا يليق بمكانة المؤمن الحق .
موضوع البحث
هو : " هل تجوز ترجمة القرآن الكريم أم لا ؟ وعل تنفع هذه الترجمة أم لا ؟ وان ترجمت فهل تحل الترجمة محل القرآن الكريم ، لها ما له من احترام و تقديس ، و ثواب
على التلاوة ، وآداب مرعية واجبة على المسلمين عند لمسه أم لا ؟."
واني وغيرى من المسلمين لا نعارض فكرة الاستاذ الشرباتي ، فأقول ويقول كل من له أدنى المام بمكانة القرآن الكريم بالحرف الواحد :
ان ترجمة القرآن الكريم ترجمة حرفية بالمثل ، لتحل كلماتها محل كلمات القرآن ، وتراكيبها محل تراكيب القرآن ، لتحمل الترجمة ما يحمله النص القرآنى من المعانى محكمها ومتشابهها وتأثير بلاغتها المعجزة في القلوب - مستحيل عقلا ونقلا وشرعا . هذه نقطة لا خلاف فيها بيني وبين الاستاذ ، ولكن النقطة التى اعارضه فيها هى ما اختتم به مقاله قائلا " أها ترجمة القرآن او ترجمة معانيه ففي رأيي انها لا تفيد شيئا . "
فبينما ذكر ترجمة القرآن أرى ان ترجمة معانيه ممكنة ميسورة وهي ضرورة دينية لا بد منها . واثباتا لما أتبناه من الرأى ، ورفعا للالتباس في المعنى الذي يقع فيه بعض من ليس له سابقة فى هذا الموضوع.
أرى أن اعرض بصورة ايجابية معني الترجمة ومعنى ترجمة للمعاني . ولم صارت الاولى مستحيلة والثانية ممكنة . وضرورية ؟ وليعذرني القارئ ان احتجت الى تكرير بعض الجمل التى كتبتها آنفا .
معنى ترجمة لقرآن الكريم مع قسميها بالمثل وتغيير المثل
الترجمة الحرفية للقرآن وهي أن يترجم نظم القرآن في لغة أخرى فى المفردات والتراكيب والنسق والاسلوب لتقوم الترجمة مقام الاصل العربي ولتتحمل
الترجمة ما يحمل النص القرآنى من المعاني بحكمها ومتشابهها ، وتأثير بلاغتها المعجز في القلوب . وهذا النوع من الترجمة مستحيل عقلا وشرعا . أما عقلا فلأن التجارب العلمية برهنت على ان نقل كلام من لغة إلى اخرى بكل ما فى الاصل من المعاني وملامح وظلال اللفظ واشارات التراكيب وجمال الاسلوب وروعة البيان - مستحيل حتى في كلام البشر ، فما اكثر
ما ترجم أدباء العرب تمثيليات شكسبير وما اكثر ما ترجم الانكليز رويات الف ليلة وليلة . وما أكثر ما ترجم أدباء العرب والغرب رباعيات الخيام إلى لغاتهم ولكن ما أبعد هذه الترجمات من الروعة التى توجد في الاصول المترجمة والمعاني التى توحى بها كلماتها فحسب بل تركيبها في الجمل حتى مجرد علامات التعجب والوقف احيانا تحدث معاني بعيدة لن تسعها الترجمات فى حال من الإحوال .
هذا في كلام البشر فكيف به فى كلام الله المعجز؟ واما شرعا فانه مستحيل ايضا ، لان معناه : الاتيان بقرآن مماثل بلغة أخرى وهذا أمر لن يقدر عليه انس ولا جان ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .
أما الترجمة الحرفية لغير المثل ومعناها ان يترجم الاصل بقدر طاقة المترجم وها تسعه لغته . فهذا جائز ممكن في كلام البشر . وتجارب الامم تشهد بذلك .
فالآلاف من الكتب والمقالات في العلوم والآداب نقلت وتنقل على مر الايام من لغة الى أخرى . ولا تستغني أمة راقية أونامية من الاستفادة من الترجمات . وقد حاول المستشرقون ترجمة القرآن الكريم بهذا النوع . واقتفى اثارهم عدد من المسلمين
كذلك بدون وعي منهم حيال هذا العمل . ويرى علماء الاسلام ان هذا الاسلوب من الترجمة غير جائز بالنسبة للقرآن الكريم لان فيه اهدارا لبلاغته وسوء ادب لنظمه (١ ) وبالجملة ان استحالة ترجمة القرآن معلومة بالبداهة ، والكلام فيه والتدليل عليه من قبيل تحصيل الحاصل . ولسنا نحن الذين ادركنا هذه الحقيقة فحسب ، بل سبقنا عدد كبير أدركها قبلنا حتى ان بعض المستشرقين عرفوا هذا السر واعترفوا به . ومثال ذلك ان البروفيسور آربرى ، رئيس قسم الدراسات الاسلامية والعربية بجامعة كمبردج سابقا ( م ١٩٦٨ ) قد اسمى ترجمته القرآنية :
THE KORAN INTERPRETED أى " القرآن المعبر عنه " أو " المعبر عن القرآن "
ويقول ناشر هذه الترجمة : Professor Arberry in calling this work " THE KORAN - INTERPRETED " concedes the point that no fully and adequate translation of the Koran is possible " (٢)
أى ان البروفيسور آريرى في تسمية عمله هذا يذعن للواقع انه لا يمكن ترجمة القرآن ترجمة كاملة شاملة ( ٢ )
معنى ترجمة معانى القرآن الكريم
ان ترجمة معاني القرآن الكريم عبارة عن تفسير موجز للقرآن فى لغة اجنبية ويقال لها : الترجمة التفسيرية كذلك ( ٤ ) . ومعناها نقل مدلول الآيات القرآنية إلى لغة اخرى بقدر طاقة المترجم ، وما تسعه لغته ، وبدون الالتزام بالمحافظة على اسلوب الاصيل وبدون المحافظة على جمع المعاني المرادة منه ، ونظرا الى انه قد التبس الامر على كثير من الناس فأصبحوا لا يدركون الفرق بين ترجمة القرآن ، وترجمة معاني القرآن ارى أن أتناول هذه النقطة بشئ من البسط.
فقد انعقد اجماع علماء الاسلام على أن نزول القرآن الكريم كان لغرضين اساسيين : أولهما : أن يكون آية دالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه . وبذلك يكون القرآن معجزا البشر .
ثانيهما : هداية الناس لما فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم ، وأن يكون القرآن الكريم نظام حياة متكاملا للفرد والمجتمع .
أما الغرض الاول وهو كونه آية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن تأديته بالترجمة اتفاقا ، فان القرآن وان
بالغيب ، واستيفاء تشريع لا يعتريه خلل ، وغير ذلك مما عد من وجوه الاعجاز . . فانما يدور الاعجاز السارى فى كل آية منه على ما فيه من خواص بلاغية جاءت لمقضيات معينة - وهذه لا يمكن نقلها الى اللغات الأخرى ، اتفاقا ، فان اللغات الراقية وان كانت لها بلاغة ولكن لكل لغة خواصها لا يشاركها فيها غيرها من اللغات ، واذن فلو ترجم القرآن ترجمة حرفية - وهذا محال - لضاعت خواص القرآن البلاغية ( ٦ ) ، ومما تختص به العربية فى بلاغتها بين اللغات الاخرى فن الايجاز ، ويبلغ هذا الايجاز في بلاغة القرآن ذروة في الاعجاز ، ومن المستحيل تأدية المعانى المستوحاة من كلماته الموجزة من الترجمة اللفظية .
أما الغرض الثاني وهو كون القرأن الاصل الاول للشريعة الاسلامية ، ونظام حياة للفرد والمجتمع ، وهداية للناس إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة فهذا يرجع الى المعاني الاصلية التى يشترك فى تفهمها وادائها جميع الناس . وتقوى عليه جميع اللغات ، وهذا النوع من المعاني يمكن ترجمته لاستفادة الاحكام والنظام لمن لا يعرف العربية من المسلمين
مدى حاجة المسلمين الى الاستعانة بالترجمات
القرآن الكريم كتاب هداية ونظام حياة والمصدر الاول لشريعة الاسلام بجانب كونه كتابا مقدسا لا يمسه الا المطهرون . تلاوته
عبادة والاستشفاء به جائز مباح . والمسلمون في العالم عربهم وعجمهم يتلون كتاب الله ، متعبدين محتسبين . يرجون ثواب الله ورضوانه ، سواء أفهموا ! معناه أم لم يفهموه . ومنهم طبقة - لا يحصى عددها كثرة - تريد أن تتدبر فى كلام الله ، وتعرف معناه ، وهي تجهل العربية . فليس امامها الا احد الطريقين :
أولهما : أن تتعلم العربية صرفها ونحوها ، وبلاغتها فتتشبع بروح اللغة العربية لتدرس القرآن الكريم دراسة فهم ووعي مباشرة بدون واسطة الترجمات ،
ثانيهما : ان يستعين بترجمة معاني القرآن بلغته ممن كتبها عالم موثوق به في علمه وتقواه وفهمه العربية .
أما الطريق الاول وهو تعلم العربية فليس بميسور في عالم الواقع لكل فرد من أفراد الامة الاسلامية المنتشرة فى جميع أنحاء العالم ، من تشجع منهم فتعلم العربية فلا يرجى عنه أن يبلغ المستوى العالى فى العربية حتى يدرك وجوه الاعجاز ويتذوق حلاوة البيان . الامر الذي يتقاصر عن ادراكه عامة العرب ، ولا يدركه الا المثقفون الذين يعتنون الاعتناء الخاص بالقرآن وأدبه وبلاغته ، فهذه الاسفار الضخمة للتفاسير ، و مئات الكتب والمقالات فى بلاغة القرآن ووجوه الاعجاز فيه خير دليل على أن العربى المسلم الذي يتلقى لغته منذ الصغر ويعرفها بسليقته قد يعجز عن فهم المعنى المراد من بعض الآيات ، فضلا عن البلاغة ووجوه الاعجاز فكيف يرجى ذلك ممن درس العربية في بيئة غير عربية ؟
ولكن لا يمنع ذلك دعوتنا المسلمين كلهم أن يتعلموا العربية . بل ويجعلوها لغة رسمية فى بلدانهم ، ويفرضوها اجباريا على كل طفل مسلم . حتى يأتى زمان لا يحتاج فيه المسلم الى الاستعانة بالترجمات . لا بأس بهذه الدعوة . ولكن يجب علينا أن نكون " واقعيين " شأننا فى أمور دنيانا.
اما الطريق الثاني وهو ضرورة الاستعانة بالترجمات وذلك ليعلم المسلم الذى لم يمكنه جهله بالعربية من فهم معنى القرآن فهما مباشرا لما في الكتاب الكريم من الاوامر والنواهي والحلال والحرام ، ومعنى
التوحيد والأشراك بالله . وقصص الامم التى كفرت بأنعم الله فاذاقها الله وبال أمرها . وما كتبه الله للمحسنين عن الثواب ونعيم الجنة ، وما انذر به المجرمين والكفار من العذاب ونار الجحيم ، وكيف عارض القرآن الكفار والمشركين واليهود والنصارى المعارضة الحكيمة . فلو اغلقنا دون هذا المسلم باب الاستفادة من القرآن الكريم بوساطة الترجمات لتركناه في جهل وظلام
( للبحث صلة )
