... من حسن الصدف (*) ان يكون معنا اليوم اخوان من الجزائر ومن المغرب جاءوا للاطلاع والمشاركة فى اشغال ملتقاكم . تعلمون انه على مستوى الدول الثلاث هناك تعاون فى جميع المجالات خاصة فى الميدان الثقافى وميدان الاذاعة والتلفزة . وهذا التعاون سيزداد باذن الله سنة بعد سنة خدمة للثقافة المغربية التى نريد دعمها وتنميتها وغرسها فى جميع الاوساط فى الدول الثلاث والمحافظة على الشخصية المغربية التى تبرز المغرب العربى فى المجال الدولى ، هذه فرصة اذن لشكر وتحية الاخوان المغاربة والجزائريين مع رجائى ان تكون المساهمة المغربية والجزائرية فى المستقبل فى جميع الميادين الثقافية مساهمة ايجابية لخير شعوبنا الثلاثة . تعلمون ان الاذاعة هى التى تنظم هذا الملتقى منذ وجد وتعلمون ايضا العطف الذى يكنه المجاهد الاكبر لهواة الادب وقد اشرف بنفسه وفى قصره سنوات عديدة على ملتقياتكم السابقة وساهم فى النقاش والتوجيه وبسط لكم نظرياته فى الثقافة والادب التى استخلصها من تجربته الفذة التى دامت حوالى خمسين سنة فى الكفاح لفائدة تحرير الوطن التونسى من السيطرة الاجنبية .
ان اكبر دليل على اهتمام الحكومة بنشر العلم والثقافة فى جميع الاوساط هو تلك الاموال التى بذلت بسخاء سواء فى ميادين المسرح والموسيقى والفنون او فى غيرها كدور الشعب ودور الشباب ودور الثقافة . وقد حققت هذه المؤسسات نتائج ايجابية لا بأس بها الا اننا ما زلنا نعتبر انفسنا فى البداية ، بداية الثورة الكبرى من اجل رفع مستوى الانسان المادى والروحى . انها ثورة شاملة لميادين الاقتصاد والتربية والتعليم والثقافة والرياضة والشباب والمرأة - لاننا نعتقد انه لا معنى للنمو الاقتصادى اذا لم يواكبه نمو اجتماعى وثقافى يرفع من مستوى المواطنين وينفعهم مهما كان مستواهم
الثقافى ومهما كانت درجة تعليمهم لان الثقافة فى تونس ليست حكرا على عدد قليل من الشعب بل يريد الحزب وتريد الحكومة ان تشع بنورها على كل فرد من افراد هذا الشعب فى اى مكان من الجمهورية وقد رأيتم عناية الحكومة بالمهرجانات الثقافية الصيفية والندوات التى تعنى بالثقافة زيادة عن اهتمامها بالميادين الاخرى السياسية والاقتصادية وغيرها .
ان الصيف الذى يعتبر عند بعض الامم فصل راحة ولهو نستغله نحن فى تونس لتنشيط الحركة الثقافية ورفع مستوى الانسان وتهذيب شخصيته ودعم وحدته القومية فبالثقافة يشعر المواطن ان هناك امورا كثيرة تربطه بغيره من المواطنين مما يجعل الجميع متضامنين يشعرون بنخوة وبعزة وبفخر ويجعلهم ايضا متفتحين على الثقافات الاخرى خاصة ثقافات البلدان المجاورة لنا والتى تربطنا واياها علاقات قديمة .
ان الشباب يحظى اليوم بعناية ورعاية الدولة والحزب وعليه ان يستغل كل الامكانيات التى سخرت له حتى يكون عونا لبقية الامة فى معركتها من اجل الخروج من التخلف بجميع اشكاله .
وعلى الشباب ان يدرك ان الامكانيات المتوفرة لديه اليوم فى جميع الميادين كالتعليم والشغل والثقافة والرياضة وغير ذلك هذه الامكانيات لم تكن موجودة منذ خمسة عشر عاما فقط بل كانت منعدمة ولم تكن هناك اية امكانية لابراز المواهب ، واذا عدنا الى التاريخ وجدنا ان السبب المباشر للتدهور الاقتصادى الذى عرفته بلادنا ايام الاستعمار هو جمود الفكر وتحجره والانغلاق وانعدام الثقافة فى هذه الديار مدة عشرات السنين ومدة عشرات القرون فى بعض الاحيان .
فالتقهقر والتدهور الاقتصادى فى مجتمع من المجتمعات هو نتيجة حتمية لتقهقر وتدهور الفكر مما يجر الى الانحلال والتبعية .
هذا ما اردت ان اشير اليه فى هذه الكلمة وعلى الشباب ان يعود الى التاريخ ليعرف كيف كانت بلاده فى القرون الماضية وليطلع على مدى الانحطاط الذى كانت تعيش فيه واسباب ذلك الانحطاط .
واذا قارن الشباب بين الماضى والحاضر فلا شك انه سيواصل الكفاح
اليوم من اجل بعث الازدهار الاقتصادى فى تونس وتحقيقه ودعمه الذى هو دعم ايضا للنهضة الثقافية التونسية .
واذا قلت نهضة تونسية فلا بد ان اشير الى بعض الذين يعانون مركبات نقص وهم فئة قليلة والحمد لله - الذين يشككون فى قيمة التونسى وكل ما هو تونسى وينظرون الى كل شئ يأتى من الخارج وخاصة من اوروبا نظرة تقدير واجلال ؛ وهذا ينطبق فى نظرهم على جميع الميادين : فى الميدان الموسيقى مثلا ، فى الفلسفة ، فى العلم ، كل ما هو ليس تونسيا جيد فى نظرهم .
اضرب مثلا نجد معلما ضعيف الشخصية يعانى من هذا المركب الذى ذكرته فتكون النتيجة انه يغذى فى التلميذ التعلق بكل ما هو اجنبى بدعوى تنمية وتفتيح شخصية التلميذ الذى يصبح متعلقا بشئ يبعد عنه آلاف الكيلومترات وهذه فى نظرى هى التبعية . فاذا حكمنا مسبقا على التونسى وقلنا مثلا انه لا نستطيع ان يكون فنانا كبيرا او كاتبا كبيرا او فيلسوفا كبيرا او اختصاصيا فى الاقتصاد او الآلات الالكترونية اذا حكمنا مسبقا بهذا نكون قد ارتكبنا اكبر جريمة خصوصا اذا آمن الشباب بهذه الاحكام المسبقة .
ان الشباب مدعو اليوم الى الاعتزاز بالنفس والتسلح بالاخلاق الفاضلة والايمان بانه قادر على الخلق والابتكار فى كل الميادين .
وان هذه الارض الطيبة قادرة على اخراج المواهب والادمغة والمادة الشخماء ويكون ذلك بدون ادعاء فنحن ما زلنا فى عهد الفتوة ولم يمض على استقلالنا الا سبعة عشر عاما وعلينا ان نقاوم تخلف القرون الماضية .
علينا ان نؤمن ان التونسى او الجزائرى او المغربى أو الليبى يمكن أن يبرز فى جمع الميادين وان بلاده ومواطنيه يستطيعون ان يفاخروا به ويعولوا عليه لتحقيق الرفاهية الاقتصادية والثقافية .
ان ملتقاكم هذا يضم عددا لا بأس به من الادباء الشبان فاق عدد السنة الماضية فبلغ ما يزيد عن مائة اديب واديبة وهذا شىء يثلج الصدر ويدل على اهتمامكم بهذا الملتقى ويدل كذلك على ان عدد الادباء الشبان فى ازدياد مستمر مما يجعلنا نطمئن على المستقبل ، وعلى النخبة المثقفة التى ستساهم فى تحقيق النهضة التى تحدثت عنها . ان هذا العدد الكبير من الادباء الشبان سيساهم بانتاجه فى هذا الملتقى سواء كان ذلك فى الشعر او فى القصة وسيستمع
كذلك الى محاضرات من طرف كهول ومن الشبان الهواة ايضا واعتقد ان النقاش الذى سيدور سيكون نقاشا حرا وحيا ومفيدا لينتفع به كل المشاركين وتنتفع به تونس وتنتفع به الاذاعة التى لا تشك فى جديتكم ومستواكم وبالجدية وبمستوى النقاش الحر والاحترام المتبادل والتواضع الذى هو شرط اساسى للتقدم بفضل هذه العناصر اعتقد ان ملتقاكم سيكون هاما مساهما فى ابراز المواهب وتوجيهها توجيها صحيحا حتى تكمل الطريق وتواصل الانتاج وتصل الى النتائج المرضية ان النتائج الحاصلة فى الميدان الثقافى لا بأس بها ولكننا لا نؤمن بالمبدا القائل ليس فى الامكان احسن مما كان ونسعى دائما لما هو احسن خاصة فى الميدان الثقافى الذى توليه الحكومة ويوليه الحزب عناية كبرى قلما توفرت فى بلدان اخرى فى العالم الثالث وحتى فى العالم المتقدم .
ان دول المغرب الثلاث تسعى جاهدة لرفع مستوى الانسان فى الناحيتين الثقافية والمادية فى آن واحد لانه كما سبق ان قلت لا معنى للتقدم الاقتصادى والصناعى اذا لم يواكبه تقدم وتطور ونمو فى الثقافة والاخلاق والثورة الناجحة هى التى تراعى جميع هذه العناصر . فاذا اردنا تحقيق ثقافة تونسية متقدمة علينا ان نكون متمسكين ومنغمسين فى واقعنا وتقاليدنا التونسية المغربية وحضارتنا العربية الاسلامية ولغتنا العربية ، معتزين بكل ما هو طيب من تقاليدنا وقيمنا العريقة دون تزمت وتحجر مطورين كل ما هو قابل للتطوير متمسكين دائما بالاصالة مع التفتح على كل التجارب والتيارات الثقافية الاجنبية فى العالم حتى يمكن للادب التونسى ان يعكس اولا تطور نونس العربية وتطور تونس المسلمة وتفتحها وتطلعها الى ما هو خارجى حتى تقع الاستفادة ويقع التلاقح والتقارب وبهذا تساهم تونس ويساهم المغرب العربى فى تنمية الثقافة العالمية .
ولا شك ان تلك المساهمة ستكون متواضعة فى البداية ولكنها ستتسع بمرور الزمن وسيكون لها اكبر الاثر رغم صغر بلادنا وقد رأينا بلدانا صغيرة الحجم ساهمت وما زالت تساهم بقسط وافر فى اثراء الثقافة العالمية - عليكم اذن بالتمسك بالاصالة والتقاليد الحسنة وعليكم ايضا بالتفتح على كل الثقافات الاجنبية لاقتباس احسن ما فيها لا تقليدها او نقلها لاننا اذا فعلنا ذلك نكون قد طمسنا شخصيتنا المميزة .

