الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

نادى القصة التونسي، الخلخال

Share

" الى أقرعك بل الى كل أبطال قصصك أقدم هذا الزائر . . عفوك ان كان زائرى ثقيل الظل . . والعفو . .,من شيم الكرام . ."

كنت أحبذ قضاء العطل المدرسية بمنطقة الساحل التونسى ، وخاصة ببلدة طبلبه الجميلة . . طبلبة مسقط رأسى و . . مهد تلك الايام العذبة . ., أيام الطفولة . . هناك يلذ لى المقام ويهدأ خاطرى وتسلس نفسى وتسكن الى طابع حياة سكان هذه الجهة . .

ولا أدري ان كان مصدر هذا الشغف أو هذا الميل من وحي انتسابى الى تلك البلدة الصغيرة ، العذبة وانما الذى أعلمه أن مناخ هذه المنطقة دافىء ، لذيذ يختلف عن بقية المناطق ، لا أدرى ! ربما هذه العوامل وغيرها هى التى تسوقنى الآن إلى محطة السيارات لأغادر العاصمة متجها الى قريتى الحبيبة . ., لكم هفا ذكرها بذاتي . ., ولكم أنتشى بأجوائها على بساطتها . . .

انها لا تعرف التعقيد ولا تفهم معنى " المشكل " وانما تساق الأشياء فيها سياقا عفويا وبريئا . . .

وقفت بنا السيارة فى " سوسة " عاصمة هذه الجهة فالتف حولها جماعة من القرويين حاملين أدباشا مختلفة اشتروها من هذه العاصمة . . وتهافتت الاصوات وتعالت بأسماء مختلف القرى : قصر هلال ، طبلبة ، المكنين ، . . فرد السائق عليهم بكلمة واحدة مقتضبة وجافة :

- تونس ؟ فتقهقر الجمع وتسارعوا الى سيارة أخرى أتت من احدى القرى الساحلية القريبة . . أما أنا ، فعلى أن أدفع الاجرة الى السائق ، وأن أبحث عن سيارة اخرى تحملنى الى قريتى . . .

كان الطقس دافئا وكانت الحرارة الناعمة تتسرب الى الجسم فلا يحس الشخص بالملل وانما يشعر بفتور دافىء وبكسل لذيذ . . وأجلت نظرى في المحطة ، فرأيت سيارة أجرة سوداء مقبلة ، والتفت الى الجمع المتكدس على طول الحائط فوجدته يتأهب للهجوم على هذه السيارة . . ,وفكرت " : كيف يمكننى الحصول على مقعد ..؟ "

وتململ الجمع حول السيارة فى تزاحم وتحاكك . . . ولم تمض لحظات حتى رأيت " عم الحشايشى " ينبع من الجمع على قصر قامته ، ولكن برنسه شد بين  أجساد القرويين فأخذ يصيح :

تبشويه ؟ مشتقطعولى  برنوسى ؟ تلكرهبه فارغة . . ؟ ولكن أحدا لم يستمع اليه . . فتململ وتحرك فى مكانه ثم انكمش بعد ما وضع رجله علم أحد القرويين وجذب ذيل برنسه بشدة وهو يصيح : - هالهم ؟ هالهم ؟ وما كاد يبتعد " عم الحشايشى " حتى قفزت السيارة لتترك كوما مضطربا من البشر ، فقهقه " عم الحشايشى " وهو يقول : ايه محلاها فيكم ؟ ثم أخرج محفظة نقوده الكبيرة وتناول منها قطعا من النقود وأخذ يعدها ولم يكد ينتهى حتى سمع صوتى : - عاسلامة يا عم الحشايشى ؟ فرفع الى رأسه وحدق فى متأملا ، متعرفا : - ولد سى محمود ؟ - عجب انسيتنى ؟ - الله يسلمك ، ماو المده طالت على وأنت اكبرت واتبدلت ؟ ولكن السائق تقدم منه راجلا وقطع مجرى الحديث : - أيه ، هات ؟

فوضع " عم الحشايشى " فى يد السائق قطعا من النقود البيضاء بعد ما أخفى بعضها فى اليد اليسرى وقال : - بر فيه البركه ؟ - اشنوا هاضومه ؟ أيا يزينا يا راجل ؟ - مانى نعرفك ؟ هاك ؟ وأفرغ النقود التى كانت بيده اليسرى ثم أردف يقول : - بالحرام لا انزيدك فرنك ؟ والله شى ؟

وجذبنى من يدى حتى ابتعدنا عن المحطة . . وطلبت منه أن نجلس معا فى المقهى فامتنع ثم نزل عند الحاحي . . . وأخذنا نذكر تلك الايام العذبه التى قضيناها معا وأنا طفل صغير . . . فضحكنا كثيرا . . واستدرجته بالحديث الى أن كشف لى عن سبب مجيئه الى " سوسة " فقال لى :

-ابربى خلى أكاكه ؟ ماى المرى عندى غضبت توه عندها اثلاث شهر . ولما حبيت انرجعها شرطت خلخال ذهب ؟ - خلخال أذهب ؟ - امالا ؟ العزايز اشيعملوا ؟ وتمادي في الحديث شارحا كيف أنه اشترى فى الاسبوع الفارط الخلخال ولكن زوجته ، عندما لمست استجابة زوجها لطلباتها " حلت فى العريض " إلى درجة أن انفعل " عم الحشايشى " وأقسم ان يرجع الخلخال الى اليهودى " حيوم " الذي اشتراه منه . . .

ولما أدركت أن زوجها مصمم على استرجاع الاموال التى انفقها فى اشتراء الخلخال عادت لتطلب العفو والصفح فقبل ذلك . ., وختم حديثه قائلا : عادهاني جيت باش انردو على يمينى ؟ وصمت " عم الحشايشى" بعد ما نكس رأسه مفكرا , فبدا لى هذا الرجل كما عرفته منذ أكثر من خمس عشرة سنة ، فلم يتغير كثيرا الا فى لون شعره الذي ابيض قليلا . . فهو لا يزال قصير القامة ، عريض الكتفين , مفتول الساعدين ، ممتلئا . . .

ورأيت يده تتحرك ببطء إلى شاربية الطويلين وتأخذ فى فتلهما بحركة هادئة . . ,رتيبة . ثم رفع الى رأسه وقال : - تعرفش كيفاش ؟ نمشيو اجميع للبركه . . . كانت خطته ترمى الى الايقاع باليهودى " حيوم " . . . طلب منى أن أرافقه إلى دكان الصائغي وبعد ما يرجع الخلخال ، أتقدم أنا لاشترائه بعد المساومة و . . ولعلى أتمكن من تخفيض السعر من 120 دينار إلى . . وأخرج من جيبه موسى ورسم فى داخل الخلخال خطا رقيقا غير بارز تم قال لى :

-شوف اتنجمش اتنحيلو لقلوقة ؟ الخلخال هاوينه امقمر بالخبشه ؟ وكأنه ارتاح من عبء ثقيل فتململ على كرسيه وأحكم وضع البرنس وسوى شاشيته ثم أخرج علبة سجائره وقال : - نبرملك سويقرو ؟ معادش الصغير توه انت ؟ أيا ما تحشمشى فرفضت شاكرا . ., وبقيت أتأمل أصابعه كيف أنها تأخذ كمية التبغ وتضعها فى

الركن الاعلى من الورقة الرقيقة البيضاء ثم تجذب بعضها الى الاسفل ، وبحركة ماهره يخرج لسانه ليمر على احد جوانب الورقة ويسرع ليلف الكل . ., وتخرج السيجارة غير مستوية الحجم . ., الاسفل ضخم و " المبسم " رقيق . ., وما كاد ينتهى حتى أخذ يلم بيده الخشنة ما تلاشى من التبغ على ذيول شى من البيع على ديول برنسه . ., وما انتهى من تحضير السيجارة حتى قال لى : - حقه ؟ انتومه تتكيفو المبروم . . الليكس ؟

فى كل المدن التونسية نجد المدينة منقسمة الى قسمين بارزين يختلفان كل الاختلاف ، فهناك القسم العتيق أو " البلاد العربي " الذي يرجع تاريخ تأسيسه الى أكثر من خمسة قرون وهناك القسم الحديث أو الحي الاروبي . . . وسوق البركة فى سوسة يوجد على ربوة فى الجهة العليا من المدينة العتيقة . . .

ودخلنا الى سوق " الربع " التى لا بد من اجتيازها للنفاذ إلى سوق البركة . .,وأردت أن أقف قليلا أمام المعروضات المحلية ولكنى لم أجد بماذا أبرر وقوفى لعم الحشايشى . ., وهكذا تباطأت رجلاى فتخليت عن مسايرته ولما فطن الى ذلك التفت الى وقال :

-اشبيك يا بو الركايب ؟ عييت ؟ - لا ياعم الحشايشى ؟ - شى انتومه ؟ ببوش بومصه ؟ اتحنا كنا انسافرو لتونس على رجلينا أو على الكريطة ؟ فلم أجد بماذا أجيب ، وحاولت أن أقول شيئا ولكن البريق الذى انطلق من عينية لفت نظرى وجعلنى اتجه اتجاهها . ., كان هناك سواح المان ، وكان فى الجمع نساء وصبايا جميلات ، وبدا ان عدد الصبابا يفوق عدد الرجال خاصة وان لباسهن الصيفى ، الساطع الالوان ، الذى يكشف مفاتنهن جعل " عم الحشايشى " يمعن النظر فى هذه الاجساد العاجية ، وتثار فيه الرغبة المجنونة ويقول :

- مل دم امخلط بالجير ؟ اشيكونو هاكم !؟ - سواح المان ؟ - مزالت كان الشاشية محاوكوناش فيها ؟ أتوه تغلى ! وكان يقصد بعضهن وقد اشترين شاشيات ووضعنها فوق رؤوسهن فى شىء من الدل والاغراء . ., قلت له :

- اشقولك فيهم ؟ - ملا أراخي ؟ لكن اذكرهم اقليل ؟ اشيحبلهم هاجنابى أو حتى مكلت ارجالهم باردة ؟ وضحكت ، وقهقهت لطرافة لفظه . . وتابعنا سيرنا . . كانت عيناى تنتقلان فى مختلف المعروضات التى وضعت أمام الدكاكين أو التى شكت على الحائط ورغم عدم تناسقها فانها لا تخلو من جمال . ., وأحسست ، فجأة, بشيء يشبه الهدوء ، ورفعت رأسى فرأيت السقف الممتد على كامل السوق فتذكرت أشعة الشمس ولاحظت هذه الصفرة التى تعلو وجوه الباعة من تأثير هذه الظلال الداكنة . . ومن حين لآخر يطرق سمعى صوت أحد الباعة متلطفا : هيا اتفضل ، عندنا كل شىء ؟

. ., وقف " عم الحشايشى " فجأة ثم قال لى : هذا هو سوق البركة ، الباب هذا يفصل بين السوقين ؟ ثم انطلق الى دكان " حيوم " اليهودى . . " وأجلت نظرى فى هذه السوق فوجدتها لا تختلف فى بنائها عن السوق الاخرى ، فجدرانها قميئة ، متصلة أو متداخلة ، يعروها احديداب بارز ، كما يميل لون جدرانها الى صفرة ذاهلة . أما الباب فهو خشبى من الطراز الشرقي العتيق ، قد رصعت على سطحه مسامير نحاسية لها شكل مثلث ناتئ . . .

كانت رائحة المساحيق المعدنية التى تغمر السوق تبعث على الانزعاج ولكن منظر الدلال المتجول صرفني عن الشعور بهذا الانزعاج . . . كان شيخا يناهز الخمسين نحيل القوام ، كبير الانف ، على رأسه شاشية بارزة بالرغم من أنها لا تخفي الا قمة رأسه البيضى الشكل . ., أما عيناه  بارزة بالرغم من أنها لا تخفى الا قمة رأسة البيضوى الشكل . ., أما عيناه فهما لا يتحركان ، لهما لون أغبر يميل الى صفرة خفيفة لماعة . . كان متوسطا النهج مادا ذراعيه أمامه وقد شكت فيهما خلاخل وحلى أخرى ، ومن حين لآخر يقول بصوت متهدج : 306 . . . 306 . . .,

وما كاد يقترب منى حتى تقدمت اليه سائلا : - قداش يسوى هالخلخال ؟ فلم يبد حراكا ولم ينظر الى بل لم يغير أى شىء من ملامحه ولم يزد على أن قال : 306 فأجبته : اشنوى 306 ؟فقال لى : القرام ؟ - وحاد عنى متابعا سيره . كان يتحرك ببطء وبخطوات متساوية لا تفوق احداها الاخرى فكأنه آلة ميكانيكية لا تتصرف في حركاتها وانما هي تحت مشيئة شحنة حركية مقدرة وموزونة ومسخرة . ورأيته يقترب من أحد الدكاكين ويقف قليلا ، ثم يعود الى منتصف الطريق وتنفرج نبرات صوته عن : 307 . . , عوضا عن 306 . . . استبطأت " عم الحشايشي " فدنوت من دكان " حيوم " فسمعت " عم

الحشايشى " فى عربدة وصياح ، ووعيد ، يقسم ويهدد . . وما زلت أفكر فى طريقة تمكننى من الاتصال " بعم الحشايشى " حتى فوجئت به يبرز من دكان " حيوم " وهو يلعن " الصايغية واليهود " وبادرني بقوله : - شفت هلكلاب ؟ انكرنى وولى ما يعرفنيش ؟ هاك اقرالى هالورقة ؟ ومد الى توصيلا ينص على ان " عم الحشايشى " له بذمة " حيوم " 120 دينارا . قلت له بعدما قرأته : - هذا توصيل ؟ - قالى ارجعلى لعشيه خوذ افلوسك واعطاني هلكاغظ ؟ - باهى لعشية نرجعولو. - توه انت امشيلو وقلو اللى لعزوزه اشتهات خلخال عاد هاك جيت اتلوج على خلخال باهى ؟ - حاضر ؟

دخلت الى دكان " حيوم " فرفع الى حاجبين كثيفين وبرقت عيناه الجاحظتان تحت نظارتين تراقصتا على انف ضخم ثم انفرجت شفتاه الغليظتان على : - اتفدل يا ولدى استحب ؟ قلت له : انحب نشرى خلخال للعزوزه ؟ فقال لى : استحب حازه باهيه أو سيقونده ؟ فقلت : هات وريني وانقلك ؟ كان شيخا فى الستين من عمره ، ضخم الجسم ، منتفخ البطن ، جالسا أمام مكتب خشبى عليه ميزان وبجانبه خزينة من الفولاذ قد علق على بابها مفتاح نحاسى . . وفتح الخزينة وأخذ يعرض لى مختلف الانواع . .,

- سوف هالدمعه ؟ ومد لى خلخالا مزركشا ، بديعا . . . واختلفنا في السعر ، الى أن عثرت على خلخال " عم الحشايشي " وطال الجدال في المساومة وتسابقت الايمان ، الى أن تمكنت من تخفيض سعره من 120 دينار الى 115 دينارا . ودفعت عربونا على أن أعود بعد الزوال وأدفع البقية . . ولا يمكن لى أن أصف فرح عم الحشايشى عند ما أعلمته بالخبر ، وأقسم أن أتعشى معه غدا فى منزله ؟ فقبلت . . .

وجاء الموعد المحدد . ., وسبقني " عم الحشايشى " بعد ما طلب مني أن أدخل عليهما فى الدكان . . .

واستقبلنى " حيوم " بثغر باسم ، واسترق الى عم الحشايشى نظرة باسمة وقد أبدع التمثيل . . واعترتنى نوبة من الضحك لم أجد لها مبررا . . . وفجأة دخلت امرأة فى الخامسة والثلاثين من عمرها على وجهها مسحة من الصرامة والتهكم الخفي ، ثم جلست بدون أن تتكلم أو يسمح لها بالجلوس . ., وحدجها " حيوم " بنصف نظرة ثم قال : آيه زبتس ؟ فتململت المرأة ثم أخرجت يدها وألقت اليه بلفة من الاوراق المالية , فالتقطها " حيوم " وسرعان ما تصفحها ثم أشار الى ابنه أن يناولها قضيتها " . . فأخذتها وخرجت . . .

فقال عم الحشايشى : هاكى خلايت الديار ! اتلم وتجيبلك . . . فلم يرد عليه اليهودى وانما التفت الى وقال : أيه هات البقية ؟ فصاح عمر الحشايشى: تيا لفنا يا سى حيوم ؟ فقال له : فى عقلك يا سيدي ؟ فانفعل عم الحشايشى وصاح : بالحرام اللى ما ناخو امتاعى قبل ؟ الدنيا بالوجوه فقاطعه حيوم : - اسكت ؟ اسنيه هالزنزانه ؟ - امليح ؟

وقذفه بالاوراق المالية فارتعش " عم الحشايشى " بعد ما التقطها ثم انساب عل اليهودى بالسب والشتم ، ولا أدرى كيف انزلقت الدراهم الى جيبى وانما الذي أذكره هو أن عم الحشايشى التهم اليهودى بصياحه وبترثرته الفارغة التى لا أصل أو مسبب لها . . . وتمكنت من أن اتظاهر بالجد ، وأعد الدراهم ورقه ورقه وأقدمها الى اليهودي كما أفرط عم الحشايشى فى تكلف الانفعال وشدة التوتر . ., وفجأة, وكان شيئا لم يكن ، التفت الى عم الحشايشى ومد يده مصافحا : - ماكش ولد سى محمود . . ؟

- نعم. ولكن فرحه المكشوف جعل اليهودى يشك فى أنها خطة مرسومة نجحت . . ,وأخذ الحشايشي الخلخال وقلبه ثم التفت الى حيوم وقال له : مش هذا اللي بعتهولى ؟ ولكنه لم يجبه وقد قطب حاجبيه وتحرك كالدب الشرس وصعق : أخرجو على يا شيادى ؟ فقال له الحشايشى مقهقها : الجره جات قدك المره هاذى ؟ شفت الرجال اش تفعل ؟ ! فى التفت الى وقال : نشهدلك يا رجال ؟ وقهقه فى غمرة من الحبور العميق . ., وغادرنا البركه وهو يقسم أن يدفع هو ثمن قهوتين .

اشترك في نشرتنا البريدية