الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

نادية .. ومشانق العالم

Share

" أجيال وقوافل

 أمم وممالك

 أهلكها الطوفان

واحدة بعد الاخرى . ترتفع الايدى فى وجه الطغيان .

لكن سيوف السلطان .

نقطعها . واحدة بعد الاخرى . فى كل مكان .

فلماذا . يا ابنى . لم ترفع يدك السمحاء ؟ "

( قمر شيراز - ص 32 - 33 - 34 )

                         " عبد الوهاب البياتى "

لماذا . عندما ينضب الزيت فى قناديلى .

وتنطفى فى الدرب المعوج فوانيسى .

ويجتاحنى جيش الظلام .

وذبان الخريف .. والعدوى ...

ويرهقني القلق . والحرمان ...

ويتعالى انينى ...

أناديك :

       ناديا !

ناديا !

         ناديا ! ؟؟؟

أناديك من أعماق الكهوف الأفلاطونية . . . (1)

       من غياهب السجون الفرنكونية ...   (2)

       من أقاصى الصحارى الظمأى

       من فوهة البراكين المخنوقة ...

أناديك ...

       ناديا !..

         ناديا ! ..

           ناديا !..

أناديك بصوتى الذى عاد .

عاد - حبيبتى - من جزر المنفي ... هو عاد !

عاد . وقد تصلبت بعد الشرايين .. تصلبت ...

صارت أوتاد !

والتهب الدماغ . . . صرخ !

والظهر على صليب العذاب . سمروه ...

آه . سمروه !

زنازنة هارون ... الأمين ... والمأمون ...

ومطارق هتلر ...

هتلر . . وموسيلينى ...وفرنكو ...

وسيدى الباى ...

والخلفاء    .. وأشباه الخلفاء ...

               وانصاف الخلفاء ...

               وأذناب الخلفاء ...

وانت يا حجاج (3) . يا القائم على المنجنيق ...

                  والممتد على المنجنيق ...

                 والشارب من عصير المنجنيق ...

بالمنجنيق . سمرت ظهرى ...

وعلى حصون المدينة الناعسة علقتني ...

ويوم فارقت ثديي أمي .

علمت أنى تركت فمى غارقا فى بقايا الحليب ...

وأن النور قد ذبح فى أعينى منذ بداية الطريق ...

وأن الصمم فى آذانى عريق ...

وصاح الجلاد - يا حبيبتى - فى أبواق كنائس " نيرون " (4)

                                وفى أبواق مجازر السفاح  (5 )

                                              ومنابر جعفر (6)

صاح على مشانق النهار ...

صم ... بكم ... عمى !!! أتفقهون ؟!

" يا أشباه الرجال . ولا الرجال

أجسام رجال .. وعقول ربات الحجال ! " (7)

صاح - حبيبتى - فهرب الحمام ...

وانتحرت الشحاير ...  ومات الصداح ...

ولكن الشموع الذابلة التى امتصها الليل ...

الشموع اللاحسة لحلم العاهرات ...

القابعة فى البوالات ...

والمتناحرة فى المنعرجات ...

هللت ... ورفعت أرجلها الحافية الى السماء ...

صفر ...

عجاف ...

حفاة ...

عراة ...

شدوا الرحال الى المحارريب - الأفيون ...

كنت - حبيبتى - فى ركابهم . قزما أضحك بجنون ...

قزما ... كنت أجر ركبتى وقدمى المجروحتين ...

على المسالك المفروشة بجثث أبناء عمى ....

وأدمغة إخوانى الأحرار ...

الذين بصقوا في وجه التتار ...

فاجتثهم - آه يا ناديا - الاعصار ...

وعند الفجر . قادوهم خارج الأسوار .

ليكونوا - كفى كل الامصار - حطب النار ...

النار التى بدأت تلسعني ...

بدأت تقضم أهدابى ...

النار التى حرقت الخبز عوض أن تنضجه ...

النار التى " بخرت " الماء عوض أن تدفئه ....

النار العاهرة ... يا ناديا !

النار الوبال ...

النار التى أكلت بالامس ، عند المساء ، رأس أبى ...

          وشربت اليوم ، عند الصباح ، نخاع أخي ...

وغدا ... عندما يطل لسانى مع الشمس على الامام .

سوف تعلق النار جمجمتى على باب المدينة .

وبالدم سوف تكتب اسمى على كل الحيطان ...

ولكنى ، سوف أناديك رغم النار ، و " التزار " ( 8 )

ناديا ! ..

     ناديا ! ..

           ناديا ! ..

ومغازات بلادى العطشى ...

وأراضينا النائمة الظمآى ...

وعيون الجرحى ...

وأرواح الموتى ...

سوف ترجع اصداء صوتى المنهار :

نا .. د .. يا .. يا .. يا .. يا ..

قزما ...كنت مع القافلة ...

وفي مخلاتى كان لى خبز أسود يابس ...

وفى جعبتى رماح صدئة مقطوعة ...

وسمعت همسك الخافت عند أحد الكثبان ...

ورأيت نهديك من وراء القضبان ...

ورأيت جسمك ، فى الضباب ، يتلوى كالحرباء .

رأيته ... تتسرب اليه سموم العالم ...

وتصاعد أنينك من تحت الانقاض المهجورة ...

فصرخت ... وناديتك . ناديتك :

ناديا !!!

     ناديا !!!

             ناديا !!!

وبعثرت الرياح ، وغبار خيول الحجاج .

صوتى ...

وأغرقني طوفان السياط والآهات ...

ولكننى ناديتك دائما ... وأناديك ...

أبدا ، صوتى لا يعرف الاعياء ...

أبدا ، لا أخشى أنياب " دراكيلا " ...

أناديك .

من قلب القافلة التائهة ...

من بطن المخلاة الفارغة ...

من وراء بحار العرق الفائضة ...

أناديك :

      ناديا !!!

           ناديا !

                ناديا !

تعالى يا ناديا !...

تعالى ، نصنع الزيت ...

ونشعل القناديل ... والفوانيس ...

تعالى ، نحمل المعول والفأس ...

ونهدم المنابر والمحاريب ....

ونكسر الصلبان

ونطرد الرهبان

ونكفر !

نكفر بعيسى ، وبموسى ... وبالباى ...

ونفعل الحب بلا أغلال ...

فيزهر الورد في أحشاء الضعفاء ...

ويشرق الربيع فى أعماق الفقراء ...

ويسقط السحاب ، وزارعو السواد ...

ويقتات الجياع بلحم هارون ...

وبلحم البايات ...

وبلحم خزندار وبن عياد ( 9 )

يقتاتون !!!

بالحب ، بالشوق ، بالحنين ، يقتاتون ...

وبطونا خاوية منذ قرون ... يملؤون ...

أبناء قافلة العبيد ...

الناشدة الطعام فى بخار المساجد والزوايا ...

الباحثة عن الماء في الهشم والقفر ...

رأيتهم - حبيبتى عند طلوع الشمس .

رأيتهم ... جيشا عرمرما يزلزل الجبال .

رأيتهم مدججين بالسلاح ...

قلوبهم لهيب ...

عيونهم دخان ...

رأيتهم يؤمون مناطق " العربان" ...

يمزقون الخيام ... رأيتهم ...

ويطعنون الاطفال ...

ويهتكون الحريم ...

رأيتهم يفتكون الجباية ... يفتكون ...

بسيف الباى ...

وبنادق خزندار ...

ثم رأيت - حبيبتى - بعدئذ غبارا ...

وقالوا فى المجالس إن على (10) قد ثار ...

على ثار ... ثار يا ناديا ...

دقت طبول على فى " ماجر " و " الفراشيش " و " ونيفة " (11)

وارتعش الباى ...

وارتعش خزندار ...

وانكب كأس " الوسكى " على وجهه .

غشى عليه ...

ورأيتك تدنين من شفاهى العطشى ، يا ناديا ...

رأيت الشموع تتقد أكثر ...

رأيت الضباب يتبدد ...

ورأيت وجــ ... ه ... ك ... لا !!!

انفض الثوار بعصا خزندار ...

واختبأ على - كحلم زائف - عند الجار . . . (12)

ورأيتك تتحولين الى سراب ... سراب ...

فصحت ، والدم يتدفق من فمى :

ناديا ...

ناديا ...

ناديا ... يا ... يا ...

مارس 1977

اشترك في نشرتنا البريدية