الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

نبالغ في معاملة الاطفال باللطف

Share

مساء الخير سيدى الاستاذ . قلت : كفي يا " توميس " ان لم تلازم الهدوء بعد دقيقتين أجعلك عجلة وهذا آخر انذار .

لم يكن "توميس " وحده الذى يحدث الضوضاء فلقد كانت الحمى متملكة الفصل كله انما اخترت " توميس " ليكون عبرة لغيره وكان اليوم يوم ريح عاصفة والريح العاصفة لها تأثيرها فى الاطفال زد على ذلك أن ابا " توميس" كان قد تسلم ربحا وفيرا فى رهان سباق الخيل لكن كيف يكون المصير لو التمسنا للاطفال أعذارا .

وترقبت مع ذلك ثلاث دقائق ثم قلت : - واذن يا " توميس " فما هى نتيجة عملية الجمع . قال : أنا لم أبدأ بعد . قلت : حسنا ولا تعتذر بأنى لم أنذرك. وفي الحال جعلته عجلة . . . عجلة من المعدن القرمزى ذات عجلة مطاطية. فهدأ الفصل كما يقع دائما عند استعمال الصرامة واستغرقنا فى الدرس مدة نصف ساعة ثم دق جرس الاستراحة فأطردت جميع التلاميذ ثم قلت:

- كفى يا " توميس " اسمح لك أن تعود لصورتك لكن شيئا لم يكن فظننت أن " تومس " يبدى غضبه أما بعد حين فقد بدا لى أن الامر فيه خلل فذهبت الى المدير وقلت له :

- سيدى المدير انى جعلت توميس " عجلة ولا استطيع أن أعيده الى جسده فقال المدير دون أن يرفع نظره عن دفتره: - وما الذى يدعوك الى العجلة.

قلت : لاشىء لكن الامر مريب قال : ومن هو " توميس " قلت : طفل قصير القامة ربعة شاحب اللون دائم الشخير. قال : ذو الشعر الاشقر. قلت : ذو الشعر الاشقر " ساندرسون " أما " توميس " فله خصلات سوداء على هيئة أعشاش الطير.

قال : أتصوره فايتنى به بعد ربع ساعة . فصعدت مشغول البال الى قاعة الاساتذة وكان " طونقولو " يهئ الشاى فتذكرت أنه مسؤول فى نقابة المعلمين فقلت له :

- يا " طونقولو " لو دفعت لك اشتراكى فوضع فى هدوء آنية الشاى قائلا : - فما الذى فعلت هذه المرة هل قذفت بطفل مسكين من الطابق الثاني قلت : لا شئ غير أنى لا أريد أتأخر كثيرا. فأخذ مني النقود وأعطاني وصلا وضعته فى محفظتى بكامل العناية وأحسست بالاطمئنان .

وبعد عشر دقائق تناولت " توميس " ودحرجته الى مكتب المدير فقال : - وأخيرا قد تسلمنا الادوات التى قررنا شراءها قلت : لا يا سيدى انه " توميس " قال : آه حسنا لقد نسيت فدعه عندى وسأعيده الى الفصل عندما يصبح فى حالة جائزة للظهور .

فعدت اذن الى مكتبي وأجريت امتحانين دون أن يظهر " توميس " فقد يكون الشيخ قد نسيه مرة أخرى فقصدت مكتبه ثانية فكان فوق البساط جاثما على ركبتيه متجردا من رقبة قميصه وربطته.

قال : قد استعملت كل المحاولات ولا حراك فهل فعلت شيئا غير عادى . قلت : لا يا سيدى انه مجرد عقاب عادى قال : الافضل ان تدعو النقابة فاطلب فى المصلحة الشرعيه المحامي " ماكستاين " واشرح له الواقعة. قلت : أو تظن اننا فى مأزق.

قال : أخشى أن يكون الامر كذلك فأسرع قبل أن ينصرفوا لتناول الغداء ونجحت فى الحصول على المهاتفة ولما يزل " ماكستاين " هنالك فاستم الى وهو يهمهم :

- أ أنت مشترك فى النقابة قلت : نعم قال : أدفعت اشتراكك قلت : طبعا بكل تأكيد قال : سأطلبك بعد ساعة اذ يبدو لى أنى ما عرفت قط قضية كهذه قلت : ألا يمكنك ان تعطيني فكرة ولو غير واضحة عن كيفية تمثل القضية قال : نحن وراءك بالطبع فلك الاعانة الشرعية المجانية والضمانات وغيرها ... لكن ...

قلت : لكن ماذا قال : لكن لا أريد أن اكون مكانك وعلق السماعة وامتد ظهر اليوم دون أن يهتف " ما كستاين " ومل المدير " توميس " فجره الى الممر وعند الاستراحة اتصلت " بماكستاين " فقال لى :

- لم اتمكن من الاتصال بك لكثرة اشغالى فكل الامر متعلق بموقف الوالدين فان يقرر متابعة القضية يلزم أن أتصل بك لاراك فأمد لك يد المعونة

قلت : وفي انتظار ذلك ان الطفل لا يزال عجلة قال : نعم نعم ... الذي انصحك به هو ان تدفع بعد حين بالطفل الى منزل والديه فترى موقفهما فقد يريان فى ذلك - ولا غرابة - معروفا يشكر.

قلت : معروفا قال : حدث أمر كهذا فى " قلاسكو " حيث قلب طفل آلة لقطع لحم الخنزير المصبر فكانت الام مسرورة لذلك غاية السرور فافعل ما قلت لك واتصل بى غدا صباحا

قلت : شكرا يا أستاذ. وفي الساعة الرابعة عندما أقفرت الساحة أمام المدرسة دفعت " توميس " أمامى فلاحظت أني ألفت الانظار فى الشوارع فقد سبقني ذيوع الحدث فجعل

الناس الذين لا أعرفهم يبادروننى بالسلام وبلغ الامر بثلاثة أو أربعة منهم أن يخرجوا مسرعين من دكاكينهم ووصلت منزل توميس وكان حافلا بمناسبة الفوز فى رهان سباق الخيل فنظر الى السيد توميس بعين بلورية وبعد أن أجهد نفسه ليجمع أفكاره قال:

- انه لاستاذ " تيدى " . . . هيا اشرب معنا قلت : جئت من أجل " تيدى " قال : ليس الامر أكيدا فهيا اشرب كأسا قلت : ان الامر خطير يا سيدى لقد قلبت ابنك عجلة و . . . فقاطعني قائلا : - هيا . . . هيا اشرب كأسا وشربنا على نخب الجواد المنتصر ثم على نخب السيد والسيدة توميس وقلت فى أدب :

_وكم ربحت. قال : أحد عشر ألف شلينا . . انه غنم اليس كذلك قلت : وفيما يتعلق " بتيدى " قال : آه . مسألة العجلة هيا وسنرى وخرجنا الى الساحة فقصد العجلة وقال: - أهذا هو فأجبته بانحناءة رأس فنزع السيد " توميس " نطاقا كبيرا كانت تشد اليه حمائله ولوى به فى الجو فانبعث له صفير وقال :

- ان لم تعد فى الحال يا " تيدى " الى صورتك الاولى سأجلدك الجلد الذى تعرفه

وفى الحال انقلبت العجلة الى " تيدى " واندفع الطفل مخترقا البستان هاربا وتوارى من ثقبة فى السياج فقال السيد " توميس "

- انتهى الامر أرأيت فأنتم أيها الاساتذة تبالغون فى معاملة الاطفال باللطف فهيا بنا الى شرب كأس أخرى .

اشترك في نشرتنا البريدية