نجاح للمبادئ الإسلامية الخالدة
نجاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى الذى عقد فى مدينة جدة بشهر المحرم ١٣٩٠ ه - مارس ( آذار ) ١٩٧٠ م - يعتبر فى نظر المفكرين ، حجر الزاوية فى بناء صرح التضامن الاسلامى المجيد ، ونقطة الانطلاق بالعالم الاسلامى أجمع الى ميادين احياء المجد الاسلامى ، وتجديد حديث للمبادئ الاسلامية الرفيعة فى هذا العصر الذى طغت فيه المادية واستطالت أعناق مبادئها فى الاجواء ، وامتدت أصابعها الى كل مكان .. والى كل كيان ..
ونجاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى الذى عقد فى مدينة جدة يعتبر نقطة تحول بارزة فى حياة العالم الاسلامى الذى طالما عاش مبعثر الاجزاء تعيث بمقدراته أصابع الاستعمار ومحركات الاستعمار ، وتتوغل فى أعماق كيانه وشؤونه باحثة عن شجونه وفتونه ومنونه .
ونجاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى الذى عقد فى مدينة جدة آية من آيات الله تعالى فى هذا الزمان حققها توفيقه جل وعز لعبده وابن عبده خادم الحرمين الشريفين وحارس مقدساتهما الاسلامية ، مليكنا المفدى (( فيصل بن عبد العزيز )) . وقد لاقى فى سبيل تحقيقها ودعمها وترسيخها فى الاذهان والمجتمعات ما يلاقيه عباد الله
المصلحون ، فى سبيل تحقيق مبادئهم ومطامحهم الاصلاحية الكبرى .. ولكنه كافح وصابر وثابر حتى انتصر الحق على الباطل وحتى علت كلمة الله ، وحتى جللت فكرة التضامن الاسلامى آفاق الدنيا ، وأكدت وجودها بعد أن كانت حلما من الاحلام .
ونجاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى الذى عقد فى مدينة جدة يعتبر نقطة تحول بارزة وباهرة .. من ((الانعزالية)) التى كانت تسود ارجاء العالم الاسلامى حديثا الى ((الجماعية)) التى كانت تسوده قديما والانعزالية أفتك داء بالشعوب والامم والدول ، والجماعية أصدق ضامن وأضمن حارس لحفظ الكيان، وحفظ المكان ، فى كل زمان ..
ونجاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى الذى عقد فى مدينة جدة أول ثمرة من ثمار هذه النهضة المباركة الشاملة التى تحياها هذه البلاد اليوم ، علميا وعمليا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا وعمرانيا والتى يرعاها جلالة الفيصل الرائد القائد .. فمن لدنه ارتفع هذا الصوت الميمون ، ومن هذه البلاد المقدسة سرى تيار هذا النور الوضيء فى بضع سنوات الى أرجاء الدنيا الاسلامية الواسعة الفيحاء .
ونجاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى يعتبر فى حد ذاته نجاحا مهما وكبير او عميق
الفائدة والجذور والابعاد ، اذا نظرنا إلى التحديات التى قوبل بها أولا أساسه :
(( التضامن الاسلامى )) والى انه أول اجتماع من نوعه يعقد فى هذا البلد المقدس المتطور المتضامن وقد مثلت فيه ٢٤ دولة مسلمة فى المعمورة .
ونجاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى قد بلغ القمة فى سلم النجاح حينما قرر انشاء أمانة عامة لشؤونه تكون حلقة اتصال بين الدول الاعضاء وتتولى متابعة تنفيذ قراراته ، وخاصة ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية ، والاعداد لدورات انعقاد المؤتمر وتنظيمها . وهكذا وبهذا ينجو العالم الاسلامى من مكايد ضخمة تدبر له فى الخفاء والجلاء . . فاذا به فى وحدة شاملة ، واذا القرارات المتخذة منفذة ، واذا التخطيط السليم القويم للتضامن والوحدة الاسلامية الشاملين سائر فى طريقه على ما يرام ان شاء الله . واذا القوة الجماعية تحل محل الضعف الانفرادى ، واذا التطور السريع الحافل يقوم مقام التواكل والخمول ، واذا الدنيا تصحو على مبادئ قويمة جديدة بالنسبة الى واقعه الاليم .. واذا العالم يتفتح على حضارة زاهرة مشرقة الأبعاد ، سامية المبادئ والاهداف ، تجمع بين مطالب الروح ومطالب الجسد ، فى نسق منظم متوازن ، تحقيقا لقوله تعالى فى أمة الاسلام : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) .. واذا العالم يدخل فى حظيرة الامن الشامل ، يظلله ويحميه من لفحات سموم الذعر والقلق الذى يسوده
اليوم فيهز أفراده وجماعاته هزا عنيفا مطردا مضاعفا ، لا يكاد يفيق من هزة فى يوم ، الا ليدخل فى أتون هزة أهول وأعظم فى يوم آخر ، وذلك لتشبث قادته وزعمائه بالمادة والماديات وحدهما وتنائيهم كليا عن المطالب الروحانية التى بها تحيى أنفسهم وأجسادهم خير حياة ، وتعيش أممهم بسلام وصفاء ووئام وانتظام، فما الانسان بدون روح سام وروحانية عالية سوى وحش كاسر .. ولقد مرغت المبادئ الروحانية فى عالم اليوم بالوحل .. فأصبح من المحتم عليه لوقايته من شرور نفسه الأمارة بالسوء ، أن يكون لديه (( صمام )) أمن صالح لما يرجى منه ويؤمل ..
وهذا (( الصمام )) هو ما يمثله مبدئيا ، نجاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى، الذى عقد فى مدينة جدة .. والاسلام دين عام خالد ، من مزاياه الخالدة انه يجمع بين مطالب الروح ومطالب الجسد .. وهو دين تقدمى ينظم الحياة على اساس قوي قويم ، ويجمع بين الرحمة والقوة ..
وقد كان من الفأل الحسن ، ومن شبائر الخير السارة ، اتخاذ المؤتمر الاسلامى قرارا بأن تكون مدينة جدة هى مقر امانته العامة المؤقت الى أن يتم تحرير القدس ، وجدة ، هى دهليز كل من مكة المكرمة قبلة المسلمين ومهوى افئدتهم ، والمدينة المنورة مهاجر الرسول المصطفى ومثوى جثمانه الطاهر الكريم ، صلوات الله وسلامه عليه .. فهذا فأل خير دائم ، ومنبثق بشائر نجاح ملازم ، ان شاء الله ..

