الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

نحن هنا يا أمى

Share

حرم على ان ارفع رأسى الى شباك احمر فى اخر الزقاق . حرم على ان ادخل الزقاق . حرم على ان العب مع الاطفال فى ضيق الزقاق . حرم على التنفس ظلال الجدران المتهدمة على شفتى الزقاق . أحب هواء الزقاق . لكن كمامة وضعوها على فمى قالت لى : لا تصرخ

كان ذاك يد أبى وصوته . كان ذاك امره : لا تصرخ

يده فى يدى . كان يقودنى بين الكوم المتناثرة فى انهج حارتنا الضيقة المتسخة السوداء . قال لى : لا تقل شيئا يا بنى . اضطربت فارتعدت احشائى واختلط دمى بغبار الجزع المر .   سكت ولم اقل شيئا . كان يقودنى بين الكوم المتناثرة فى انهج حارتنا الضيقة المتسخة السوداء سرت ارتعاشات كهربائية بين رموشى . لم اتبين شيئا . كنا نمر وكتفاى مثقلتان . عبء ثقيل رمته عل قشاشيب جاثية تحت كوم الجدران . دخان خانق كسول شتمتنى به قشاشيب جاثية تود ان تتحرك فلا تتحرك . صراخ أبكم فى أعين ذابلة يشع فى قشاشيب تنظر الى قبعة سوداء تتمشى تتباهى تهز عصا بيضاء تكشر تقهقه تصرخ : الصمت يا كلاب

الصمت يحرق ويجرح . لكن كمامة وضعوها على فمى قالت لى : لا تصرخ كان ذاك يد أبى وصوته . كان ذاك أمره : لا تصرخ .

اشرقت الشمس من وراء السحب لحظة قصيرة فصاح الديك كو كو كو كو احد عشر مرة . ودوى جرس الساعة فى كل زوايا البيت الذى لم يفسح مجالا للنور حتى يسعده . استيقظت من نومى قبل ان تستيقظ جدتى الكسولة لن انال لذلك قطعة شوكولاطة كابناء الجيران . فتحت محفظتى بحذر واخرجت منها مسطرتى لاهمز بها الثديين العابسين اللذين طالما اضحكانى ويضحكاننى وسيضحكاننى والذين طالما بكياننى لانهما سيهلكان . فلاهمزنهما ولاهمزنهما ولاصح ولاغن كما علمنى المعلم :

يا جدتى يا جدتى      ها انهضى يا جدتى

هذا الصباح قد أتى    قومى اطبخى لى قهوتى

لكن جدتى لا تفهم براءتى . وحق النبى أنا برئ . لكن جدتى بسملت وحوقلت . ورفعت رأسها ونظرت ، ووجدتنى امامها ضاحكا فلعنت ، وتحاملت على شلوها الايمن وصفعت

والله انا برئ يا جدتى . وضعت يدى ومسطرتى على خدى الايسر وصرخت سترين عند أمى يا شمطاء . فضحكت منى الجدة حتى سعلت . اه يا جدتى يا عجوز يا هالكة . لو مسكت عنقك بين اصابعى . والله والله لاضغطن ولاكسبن و لاحزقن حتى . . وعادت الجدة الى نومها

حرم على ان اخنق جدتى فى البيت المتهدم . حرم على ان اهمزها لاوقظها فتتحرك داخل البيت المتهدم . حرم على ان ادعو النائمين الى ترك اركان البيت المتهدم . حرم على ان استدعى المتماوتين الى تذكر الحياة خارج البيت المتهدم . احب هواء الحياة . لكن كمامة وضعوها على فمى قالت لى لا تصرخ .

كان ذاك يد أبى وصوته . كان ذاك أمره : لا تصرخ .

عينه فى عينى كان يحذرنى من مغبة الاعتداء على نوم جدتى . قال لى : لا تفعل شيئا يا صبى . رقص انفى مع شفتى وكدت اقدم على البكاء . سخرت منى قشاشيب جاثية فى صمت الممنوع . قالت لى أمى : يجب ان تبعث فى نفس جدتك حب الحركة والحياة حتى تنهض من ركنها وتقوم بشئ فى صالحها . جدتى لا تفهم ان واجبها يقضى عليها السعى لتنال طعامها . جدتى تعتقد ان أمى بخيلة شامتة تضن عليها بقطعة الشكولاطة . جدتى لا تفهم ان الله يكره العبد البطال . جدتى تعتقد ان السعى والعمل من واجب الصغار والشبان . جدتى لا تفهم ان السعى والعمل من الحياة . جدتى لا تدرك انه لكل ساع وعامل ان يحيا كما على كل حى ان يسعى ويعمل . عينه فى عينى كان يحذرنى من مغبة الاعتداء على نوم جدتى . كان يبعدنى عن القشاشيب الجاثية حتى لا اكلمها . حتى لا اغمزها . قال لى : لا تفعل شيئا يا صغير رقص انفى مع شفتى ولم افعل شيئا . كان يهددنى بعصا بيضاء تتمشى تتباهى تشد قبعة سوداء تكشر تقهقه تصرخ : " دودمة جاكم " ( * ) .

انى لا اخشى دودمة . لكن كمامة وضعوها على فمى قالت لى : لا تصرخ كان ذاك كف أبى وحنجرته . كان ذاك نهيه : لا تصرخ

آه يا جدتى يا عجوز يا هالكة ، لو مسكت عنقك ، لن احترم قول المعلم وبالوالدين احسانا . جدتى ليست والدتى انا احب أمى

وعادت الجدة الى نومها . قال لى : لا تفعل شيئا يا صغير

انا لست صغيرا . عمرى اربعة اعوام . ولدتنى أمى فى افق احمر غارق فى الشمس . الشمس يا أبى كوكب بعيد عن الارض والارض يا أبى تدور حول الشمس . لو لا الشمس يا أبى لما دارت الارض . لما كانت الارض الشمس يا أبى هى محور الارض . ولدتنى أمى فى افق احمر غارق فى الشمس . عمرى عام أول وهو معرفة كيانى وعام ثان وهو معرفة أمى وعام ثالث وهو حبها وعام رابع وهو العمل لاتصال ارضنا بها .

أمى يا أبى من الشمس الناصعة . ولابد ان اجمع الاخشاب لابيعها واشترى بالمحصول ذلك الحصان الاخضر هل تعلم يا أبى انى سأركب ذلك الحصان لاغرق فى افاق أمى ؟

أحبك يا ابنة الشمس

حرم على ان اجمع الاخشاب لاشترى الحصان . حرم على الحصان . حرم هل ان اسع النار التى ستمكننى من الحصان . حرم على ان اظهر للقشاشيب كيف يركب الحصان . حرم على ان اقول لهم ان خلاصهم لا يكون بالحصان . احب الحصان . لكن كمامة وضعوها على فمى قالت لى : اسكت

كان ذاك أبى . لم يكن ذاك غير أبى

يده على عنقى . كان يدفعنى خارج الغابة الهزيلة . قال لى : لا تجمع شيئا يا ولد . وضعت بعض الاخشاب فى جيبى . فطن أبى لذلك فاخرجها والقى بها عل الارض . قال لى صاحب اللعب : لابد من جمع الاخشاب وايقاد النار لتنال الحصان . لابد من ان ينهض القشاشيب ليدفعوا معك اركان الزقاق لا بد من ان تكد لتغوص فى افاق الشمس . لا بد من عدم اليأس حتى تخترق شباك اخر الزقاق . بده على عنقى ، كان يدفعنى خارج الغابة الهزيله . كان ينظر لكامل الحى بعين بيضاء وسوداء . كان يبعث الرعب فى احذيه جميع الناس فتجمد فى مكانها . فكيف اجمع الخشب يا ربى كيف اوقد النار كيف اركب الحصان لاقبل أمى . انى لا احب هذه الام المزيفة التى اخترعها إلى أبى . انا لا افهم الطلاق . عمرى ثمانية اعوام . لا تقل لى انك طلقت أمى انت لا تعرفها . لا تقل انها طويلة اللسان . فهناك شئ اطول . هذا الهيكل البشع الذي يتحول بعصا بيضاء وقبعة سوداء يتمشى يتباهى يكشر يقهقه يصيح : من يتحدانى ؟

انى اتحداك . لكن كمامة وضعوها على فمى قالت لى : أسكت كان ذاك أبى . آه من أبى ونهيه : أسكت أحبك يا ابنة الشمس

غسلت وجهى واكلت كسرة خبز ثم اخذت محفظتى وخرجت . مررت امام بيت المزيفة . يا سوداء العين لست أمى . يا سوداء العين أخرجى من بيتنا . لا انا عابد ما عبدت ولا أنت عابدة ما اعبد . لك أمك ولى أمى قذفتنى المزيفة بالماء البارد . فضحكت منها وبصصت لها بفمى . قالت لى سترى عند ما يأتى أبوك . قلت لها : خرفى هيه يا مباركة . اولا أنت لست مباركة . ثانيا قررت ان لا اعود اليوم الى هذا البيت . سألتحق بأمى . قالت الوقحة : أمك ماتت . قلت مغتاظا ان شاء الله أنت ، سترين ستقذفك أمى بنيرانها . قالت الغبية : لقد حكم العدل ان تبقى تحت رعاية أبيك فلن تذهب الى أمك . قلت ساخرا : انا العدل ، كذلك قالت لى الكائنات وحدثتنى روحها المستترة . قالت : رح أعرض محفوظتك هذه على المعلم خير لك . قلت وانت روحى زمرى فى الريح

ان المزيفة لفى ضلال . ستلعب بها الرياح عند ما تقذفها أمى بنيرانها . انها لا تعرف أمى ولا تعرفنى . يحق لها ان لا تعرفنى . فانا بعيد عن أمى لا أحد يعرفنى

قال لى المعلم : هل تستطيع ان تذكر لى اسمك قلت كلا يا سيدى لقد فارق أبى أمى ، وحبسها فى آخر الزقاق قال لى المعلم : هل تستطيع ان تذكر لى العلاقة بين سؤالى وجوابك ! قلت نعم يا سيدى فانا ملك أمى فان لم أتصل بأمى فقدت كل كيانى وكل معناى

قال لى المعلم : هل تستطيع ان تذكر لى معناك ؟ قلت كلا يا سيدى فمعناى لدى أمى فان لم أتصل بأمى . . قال لى المعلم : ومن هى أمك ؟ هل تستطيع ان تذكر لى أمك ؟ قلت نعم يا سيدى فان أمى هى التى حبست فى تلك الشرفة الحمراء فى اخر الزقاق

قال لي المعلم : هل تستطيع ان تذكر لى لماذا حبست فى تلك الشرفة الحمراء ؟ لابد انها نطقت الفاظا حارة فى وجه أبيك .

قال التلاميذ : انها ليست شرفة ، انه شباك .

قلت كلا يا سيدى انها لم تنطق الفاظا حارة فحسب ، بل صرخت الفاظا حرة . لقد حبسها أبى لانها لم تنطق الفاظا حارة فحسب ، بل صرخت الفاظا حرة .

قال لى المعلم : هل تستطيع ان تلزم الصمت ؟ قلت ابدا يا سيدى . ماذا لو القت أمى بخنوقها الاسود واظهرت رشاقه قدها لاعين الشمس . ؟ اليست آبنة الشمس ؟ ماذا لو أرادت ان تعمل وتجمع الخشب للقشاشيب حتى يوقدوا النار . ماذا لو تحركت ؛ يقول أبى العادة تمنعها عن العمل وعن الظهور لاعين الشمس واضحه عاريه . اليست حقا حرة ؟ واليست هى الحقيقة الحرة ؟ اليست هى الحرية الحقيقية ؟ ماذا علمتنا يا سيدى ؟ ماذا لو قالت لي يجب ان تنظف بيتنا وحارتنا من الوسخ الاسود ماذا لو اردنا ان ندفن جدتى ؟ أليس الله يكره العبد البطال ؟ ومن قال ذلك أليس هو النبى ؟ فبالله ماذا لو اردنا ان ندفن جدتى التى كانت خانعة تحت ويلات الضغط " الابوى "

قال لى المعلم : هل تستطيع ان تصمت ؟ انك شاحب اللون . قلت حاشا ان اكون شاحب اللون فأنا ابن أمى ، لا تقل ذلك يا سيدى قال لى المعلم : هل تستطيع ان تهدأ ؟ انك هزيل الجسم قلت : أبدا . قال لى المعلم : هل تستطيع ان تسكن ؟ انك ضعيف قلت : أبدا . قال التلاميذ : انها ليست شرفة ، انه شباك

وانطلقنا خارج المدرسة شعارنا الجنة تحت اقدام الشموس نردد تصريف فعل احب أمه فى المضارع المرفوع والأمر حتى تجمع وراءنا الاف من " احب أمى " وملايين من " احب او احبب أمك " . ومن خلال نظرة أبى الحاقدة أبى ذلك الشاخص بعيدا ، بعيدا ، من خلال نظرته المتذابلة اقتحمنا الزقاق فرحين مسرورين ، ومن خلال بسمة المعلم المتفاترة دفعنا شباك اخر الزقاق فانفلق الزقاق واصبح شارعا نيرا احمر كالشمس كأمى ، أمى انا اليك يا أمى من خلال نظرة جدتى الهالكة انا اليك . من خلال نظرة المزيفة انا اليك . من خلال ربتة صاحب اللعب انا اليك . انظرى لقد وهبنى الحصان لانى اقتحمت الزقاق . انظرى . لقد تجمعوا كلهم ليشهدوا صعودى اليك عمل متن حصانى الاخضر . انظرى . المعلم دمعت عيناه والتلاميذ اصطفوا حولى وأبى هناك بعيد ، بعيد ، لا يقترب منى . انظرى صاحب اللعب يمد انامله ليغمض عينى . لا ، لا تغمضهما . سيدى ارجوك اعطنى عشرة على عشرة

لقد حفظت محفوظتى . ومن يتهيب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر لا ٠ لا تعيدوها . دعونى اركب حصانى . حصانى الاخضر . لا تغمص عينى يا سيدى . ابتعدوا عن فراشى قليلا . دعونى ار أمى أر أمى . انكم تبتعدون شيئا فشيئا . حصانى يطير . حصانى يعلو ما اخف عضلاتى ما ابهج الافق . ما أطيب النسيم . حصانى يعلو . دعونى أر أمى أر أمى أر أمى . أمى

اشترك في نشرتنا البريدية