الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

نحن والشعر الحر

Share

منذ خمس سنوات على الاقل رسخت فى الاذهان حقيقة هى ان الشعر الجديد ليس هراء وانفلاتا من اوزار اتقان الاوزان والبحور ، واجادة ترصيف القوافى ، تقدر ما هو ثورة فجرتها طبيعة النمو فى القصيدة الشعرية فى مرحلتها الآنية . وبمضى الزمن لم تعد اصوات الاحتجاج والنهى والاستنكار بقادرة على اسكات ذلكم النداء الجامح الذى حدا بصفوة الادباء من الشبان الى زلزلة القاعدة الثابتة التى أكلت عمر القصيدة العربية فى شكلها السالف . . . كل ما هنالك أن من لا يزال يشك ، ومن فاته ان يستوعب قوانين الحياة الجديدة قبع بعيدا يتململ فى بحران الخيبة والشك ، منتظرا الى أى مدى يكون التوافق ؟ . ولست هنا بصدد ابداء رأى أو اتخاذ موقف من هذا الصراع بين الخائبين والظافرين . . وانما مهدت بهذه اللمحة عن توطد الشعر الجديد لأساهم من خلال ذلك فى توضيح مسالة كانت قد أثيرت من قبل فى بداية المراحل الأولى لكتابة هذا الشعر ، ثم أعيد الحديث فيها مرات . . ومرات . آخرتها منذ سنتين وفى مجلة ( الفكر ) بالذات . فحين طلعت علينا أوائل القصائد من الشعر الجديد . . فى المشرق العربى نتذكر ان هناك جدالا رافق تلك التجربة . قام هذا الجدال فى الاول بين نازك الملائكة ، وبدر شاكر السياب . كلاهما يدعى السبق الى اكتشاف الشكل الجديد . وبعد ان هدأت الضجة التى انتهت الى اقتسام مفخرة الابتكار بينهما (1) . قامت من جديد معركة اخرى فى نفس الفترة ( 1957-1956 ) (2 ) وفى هذه المرة لم تكن بين شاعرين من بلد واحد كما رأينا . . المعركة الثانية كانت بين أدباء العراق ، وأدباء من مصر . فشعراء العراق الذين عدوا زعماء هذا الشعر ، وطليعة رواده ، وقدموا حججهم من ديوانى ( أزهار (3) وأساطير ) لبدر شاكر السياب و ( شظايا (4) ورماد ) لنازك الملائكة - وجدوا فجأة صلاح عبد الصبور ،

واحمد عبد المعطى حجازى يسلبونهم شرف الريادة ، ويفتكونها منهم زاعمين أن لويس عوض الناقد المصرى كان أسبق الجميع الى استخدام هذا الاسلوب المتحرر فى مطولته الشعرية ) العنقاء التى تعود كتابتها الى ما قبل سنة 1947 وهي سنة ولادة الشعر الجديد في العراق

وكادت هذه الحقيقة تنطبع فى الاذهان لولا ان قام ) 6 ( هلال ناجى ، ونور الدين صمود  ) (7 بالكشف عن اثر للكاتب اليمنى على أحمد باكثير ، اتخذ فيه أساليب الشعر الحر ، للتعبير . وكان الرأى الذى انتهيا اليه هو ان ) الشعر (8)ولد فى اليمن ، واول من ابتكره الشاعر المجدد الاستاذ على أحمد باكثير في تعريبه رائعة شكسبير ) روميو وجولييت ( عام 1937 اى قبل عشرة اعوام من التاريخ الذي كتب فيه السياب والسيدة نازك الملائكة أشعارهما المرسلة المنطلقة

وان من يقرأ مقدمة مسرحية ( اخناتون ونفرتي ) لباكثير والتى كتبها بالشعر المنطلق المرسل ( 9 ) ونشرها عام 1940 لا شك مدرك بان شعراء اليمن هم أول من اهتدى لهذا النوع من الشعر فلهم بذلك فضل الريادة والتجديد ).

واذا ما كان ارساء النظريات على هذا النحو الجازم لشجب كل محاولة للادعاء . والأفراط فى الأثرة ، وحب السبق ، هو محمود وواجب ، فمن المستساغ ايضا ان توضع الحقائق دائما فى قالب ظني بمنأى عن(اول) و( أسبق) وأدوات الاولوية والتفضيل حتى لا تنغلق بذلك وجهة البحث والاجتهاد بالنسبة للاجيال الطالعة التى ترفض المسلمات والقوانين المؤبدة . ذلك ان تجربة قصيرة عانييتها فى تصفح ملامح الادب التونسى من خلال الصحافة والدوريات والمطبوعات كانت كافية لان تشجعني على طرح النقاش من جديد فى كل ما يهم التطور الفنى للشعر الحديث ، والاشكال التعبيرية التى هبت مع هذا القرن العشرين وكما ان هناك قوالب أوجدها شعراء تونسيون هم منسيون حتى الآن لا أشك فى أن أقطارا عربية عديدة أخرى ما زال أدبها فى طور التحقيق وبين ايدى دارسيه . . تزخر بعديد التجارب ولن تعدم هى الاخرى مشاركة هامة فى تطور الشعر العربى

فمما لاحظت ان الشعر التونسى مر بتجربة خطيرة ورائدة فى اكساب القصيدة حرية أوفر فى شكلها كى تتحمل مضمونا ثريا ، وتفسح للشاعر مجالا ارحب . . فبعد ان تركزت المعركة بين القدامى والمحدثين فى مسالة تعصب القصيدة ( 10 ) وجعلها مرتبطة وموثقة الى ما يدور بالمجتمع وما يتردد فيه من مشكلات ، وتوق ، ورغبة ، ونشدان وحرية . وجاء الاوان الذى طلب في الشعراء بعد ذلك بقليل ، برفع الاغلال عن الشاعر ، وتخليصه من الاعمدة والابحر التى تحد من قوته الذهنية وتسبب له الكلل والعياء . . وتمثلت المعرك فى مقالات كتبها للزمان : محمد البشروش . . وابو القاسم الشابى ومحمد الحلوى فى سنة 1932 .

وعندما جاء محمود بيرم التونسي ( II ) . . كانت المعركة فى أوجها ، وبطبيعة ما كان له من تعضيد التيارات المناهضة لكل قديم ، والاندفاع فى ركبها ، نرا ولما لم يمض أسبوعان على وجوده فى الوسط الادبى بتونس ، يبادر الى اطلاق التسمية : القديم والحديث على نوعين من الشعر . وأسس لتركيز فكرت زاوية من ( جريدة الزمان )التى شارك فى تحريرها بداية من جانفى 1933 كان ينشر بها قصيدتين فى الغالب وسط اطار واحد ، يطلق على العموديا منهما ( الشعر القديم ) ويطلق على الثانية ( الشعر الحديث ) .

واول ما نشر المرحوم محمود بيرم التونسي من شعره القديم . . والحديث فى تونس ، قصيدتين لم توجدا فى آثاره المنشورة التى امكن لى الاطلاع عليها وما إخال انهما موجودتان نظرا لانهما من الاشعار التى كتبها محمود بيرم التونسي عن تونس وللتونسيين خاصة . فالقصيدة القديمة ، تصف ( باب سويقة ) و (الحلفاوين ) ومشاهد اخرى من تونس لا يدركها بداهة الا اهل البلد الذى كتبت عنه ، ومن اجل هذا ترك بيرم قصائده عنا لنا ، لنفهمها نحن . . ونقرأها نحن . . ونختبر نحن فيها انفسنا . . ونرى عليها الماضى كما تركه فى موطنه النائى القديم . تقول قصيدة الشعر القديم ( 12 ) :

الا عم صباحا ايها الطلل البالي                وجل البلايا  أن يحييك أمثالي

وقفت على رغمي بباب سويقة ( 13 )      كما وقف المعفور فى وسط أوحال

اشاهد من قومي وأبناء جلدتى               هياكل من عظم مغطى بأسمالى

نيام على " المادات ( 14 ) صرعي كأنهم        سكارى من الخمر العتيق بأرطال

ومن واقف حاف كتمثال آدم                         وليس له فى العين قيمة تمثال

ولما بلغنا الحلفوين ( 15 ) وأهلها                   أعيذك من هول هناك وأهوال

ديار بناها مقعد وهو جالس                           اذا قورنت بالقبر كان هو العالي

ويا رب ح حانوت عليه مظلة                          من الخيش لم يفضل بها غير انسال

والقصيدة طويلة واقتطفت منها هذا الجزء الذى يترأى من خلاله مفهوم بيرم لمعنى الشعر القديم الذي يعنى بتقليد المطالع ، والوصف ، والتزام القافية والبحر . . و ( نقل المجتمع صورة لاوضاعه المتظلمة ) . . وقد نلمح المسحة الساخرة التى تكسو مضمون القصيدة والتى هى أساسا أسلوب بيرم التونسي فى التعبير . ونحن نستمد مفاهيمنا هذه بالرجوع الى ( القصيدة الحديثة التى ينفى فيها بيرم التونسى المطلع التقليدى ، والتزام قافية موحدة . . وحتى بحرا موحدا ، جاعلا التفعيلة وحدته فى التركيب وتنوع القافية ، والانزلاق أحيانا من بحر الى مشابهه أسلوبا حديثا فى التعبير ، ولكن ايضا مع السخرية ، والتهكم التى تفارق شعره قديمة وحديثه

والقصيدة الحديثة التى سنعرضها ، وقد عنون لها بيرم التونسي بالشعر الحديث وأمضى تحتها بـــــــ ( شاعر جديد )، هى فى رأينا ربما كانت أولى قصائد الشعر الحر . . فى تونس ، وفي البلاد العربية الاخرى . ولست أشك فى انها - بغض النظر عن فحواها ومضمونها - ستكون سبيلا لاعادة النظر فى مسألة الاسبقية والاولوية فى الدعوى الى الخروج عن الاشكال والقوالب العتيقة والاشارة الى وجوب خلق تراكيب تماشى التطور الفني للشعر العربى :

16 جانفى 1933  (16) الشعر الحديث الكون ( 1 )

من بعد ما أبصرته متيقنا

ايقنت ان الكون فى نفسى انا

الكون : عيناى اللتان بلاهما

لا أبصر النوار

أو بهجة الأشجار

فى دكنة الغبراء

من فوقها الزرقاء

هل يبصر الاعمى القمر من خلف اوراق الشجر

كنحر ظبي أغيد من خلف عقد أسود

( 2 )

سمعى !

ولو لا مسمعي ما رنة الوتر الحنون

ونقرة الدف المحرك للشجون

ولكنت أجهل ما المحيط الهادر

والعندليب الصافر

أو ضجة الشلال ان يتدفق

أو رنة الخلخال وهو معلق

ولكت الدنيا بما تحويه من عربانها وترامها ( 17)

واناسها وديوكها

خرساء أو هي خافت في خافت

أو كالشريط الصامت

(3)

انفي ولولا الانف عندي لاستوى آل :

الفجل والريحان

المسك والدخان

اللحم والالبان

ولغشني السماك فى سوق الخضار ، وباعني الجزار

لحما منتنا

الكون فى أنفي انا .

(4 -5 )

ذوقي ومالي غيره ان لم اذق ما اشتهيه والمس

الشئ (! ) الذي اختاره فقل العفاء على البرية كلها

زيد وعمرو والكميت وخالد وبنى أبيهم أجمعين

فانما الدنيا انا .

وهي الحواس الخمس

لولاها

لكان الرمس كالقصر

وكان الفجر كالظهر

وكان الهذر كالشعر

شاعر جديد

بالرجوع الى التاريخ الذي أقره هلال ناجى ونور الدين صمود ، نجد ان قصيدة محمود بيرم التونسى التى قالها فى تونس ، وجدت قبل ان يضع أحمد باكثير مسرحية ( روميو وجولييت ) بثلاث سنوات على الاقل ، وهو تاريخ له اعتباره وقيمة فى التاسع لولادة الشعر الحر . . ورغم ان محمود بيرم التونسي نراه يقلع عن تجاربه هذه . . ويعدل عن كتابة زاويته الشعرية ، ( قديما وحديثا ) ، فالمعركة حول الشعر تمادت ، وأظهرت الاشكال الشعرية المثور عند البشروش ومحمد العريبى وغيرهما . وكانت الصحف بين الحين والاخر نطلع بقصيدة او خاطرة اشبه ما تكون بالشعر الحر . . في توزيع تفعيلاتها وفى خروجها عن الانضباط العمودى . مثلما ارسل (الشاب المهذب صاحب الامضاء هذه المقالة اللطيفة بقصد نشرها على صفحات مجلة ( تونس المصورة ) . . وهي تهنئ سعيدا أبا بكر صاحب المجلة المذكورة ، بولادة فريق ( الرابطة الزيتونية الرياضى) ( 18) :

يا سعيد

أو ما سمعت الخبر الجديد

خبر تلقته المحافل بالنشيد

واستقبلته كمولد المجد التليد

يا سعيد . .

عمر صفحاتك بالسرور

وبكل معنى للسعادة والحبور

(13) القصيدة للشاعر العروسى المطوى ، نشرت بمجلة ( تونس المصورة)

وهي أول ما نشر له .

حيث النهى الزيتونى والعقل الكبير

قد مازجته رياضة

فيها من الخير الكثير

فالى الرياضة يا شباب

والى السعادة يا صحاب

ورغم ان هذه الابيات لا تدل على نضج فى الفكرة . . وهى من اوائل أعمال هذا الشاعر ، الا ان دلالتها تكمن فى التوق الى التحرر ، والخروج عن المألوف من عمود الشعر

وفي سنة 1946 ، كان الشاعر عبد الرزاق كرباكة فى قمة مجده الشعرى ، وقد جعله هذا المجد يبحث عن ايحاد نماذج جديدة لتجاربه الشعرية ، فكتب الاغنية والموشح ، والرباعيات والسباعيات وغيرها . وحاول فى كل منها ان يجعل الشعر اكثر استبعايا لافكار الشاعر وشمول تجربته . ومن ابتكاراته فى هذا الصدد قصيدة ، نجده فيها يقدم على تجربتين فى نفس الوقت او لاهما المزح بين اشطار من الشعر الشعبى واشطار من الشعر الفصيح ، فى نغمة موحدة ، وتفعيلة متقاربة . وثانيهما الخروج الى نظام الشطرة والتفعيلة . في مثل هذا القصيد الذي يستهله بأشطار من الشعر الشعبى ما يعتر ان تؤديه الى ارتكاب نفس العمل بالنسبة للجزء الفصيح من القصيدة :

" يا يوم تصافينى الهوى (19)

يا للى جفا

يكون يوم سعيد

من صبحو عيد

عهدو صفا .

عهدو صفا . "

وعندما يصل الى الابيات الفصيحة يقول فيها :

ولنا من حاضر اللقيا وما

في ثناياها مآب وحمي

لفؤادينا اذا لغو العيون

شب في أعطافنا نار الجنون

التى كان لها

ما لايكون

واستفقنا في فتور

واستبقنا للبكور

نتهادى فوق أمس الامس آمال البقا

ونغني . هكذا الدنيا نعيم وشقا .

وبعد هذا اقول اننى ما حاولت ان ادعى اننا كنا الاسبق الى فكرة تخليص الشعر من العمود ، والاصداع بهذا الشكل الجديد . ولا من حق ان ازعم ان محمود بيرم التونسي ، والعروسي المطوى ، وعبد الرزاق كرباكة يمثلون المدرسة التى مهدت للشعر الحر قبل لويس عوض . . وقبل نازك الملائكة . وقبل شاكر السياب . وحتى قبل على أحمد باكثير . أعرف انه ليس من حقى ذلك كما انه ليس لغيرنا ان يبت فى مسائل الادب العربى ، ويصرف اللقاب كما يهوى فما اولئك وما هؤلاء وما الذين حاولوا ان يكتشفوا وان يبحثوا وان يوجدوا الا الاصابع التى يورق فيها الادب العربى ، ويستيقظ على تحسسها ويجد فيها السبيل الى الانتعاش

اشترك في نشرتنا البريدية