" إن صوت الفن فى المجتمع الحاضر - الفن الصادق الرسالة لا يمكن ان يكون الا قوة ايجابية دافعة - قوة تخترق الجدران وتفتح النوافذ وتشعل المواقد فى كل مكان وترتاد اخطر المجاهل وتمزق الاقنعة وتغير على الحدود كل الحدود " . - مجلة المجلة -
لا بد لكل مذهب جديد من انصار ومناهضين . وخصوم ومناصرين ، ولا بد لكل نزعة جديدة من خصومات حامية ، ومناقشات حادة ، وردود مختلفة ، وبقدر ما تكثر هذه الخصومات وتشتد هذه المناقشات . يكون العمق والشمول . وتكون الجدية والخصوبة ، ويكون الخلق والابداع . فهذه الردود لا مناص منها ولا غنى عنها . ذلك ان الفنون عامة تخضع للذوق والفهم . فالذوق هو قبل كل شئ ، استعداد واستقبال ، فهضم وصهر ، ثم حكم واختيار . ويأتى بعد ذلك الفهم وهو محاولة التعمق فى الاثر الفنى . وهذا يرجع الى اما اكتسبه المتلقى من ثقافة عميقة ، شاملة ، متعددة الاتجاهات والنزعات .
نقول هذا لما لمسناه من الصخب والضجيج الذى لا ينفع ، والجدال والنقاش الذى لا طائل من ورائه مما جعل بعض الشبان يتذمرون من عدم فهم القراء هم ، وبدؤوا يشعرون بشئ من الفتور ، فصمت فضيلة الشابى لا يبشر بخير ، ووقفه التأمل التى يقفها الزناد لا تتضح منها رغبة فى التحديد كما عهدناه فيه ، وأخاف أن يبقى الطاهر الهمامى وحده .
قد كثر النقاش - فى هذه الايام الاخيرة - وتعددت المقالات ، وتباين الكلام ، واختلفت المناهج ، واختلطت السبل ، إزاء هذا الشعر الجديد ، وكثر السب والشتم واللعن والرفض ، ألم يحن الوقت أن نسأل أنفسنا ماذا انتجت هذه المعارك والخصومات ؟ وهل بواسطتها سخطو الشعر التونسى خطوات الى الأمام ؟
من النتائج التى يستطيع ملاحظتها كل واقف على حياتنا الادبية هى ان
لقد - عندنا - لا يزال تثبيطا للعزائم ، وتفتيرا للهمم ، ودعوة للانهزامية - يزال ادباءنا تحت الصفر ، يعيشون على الماضى ، متهربين من الخلق والابداع ، ساخرين من هده " البراعم " التى هى فى حالة تفتح . فى حين كان لهم أن يساعدوها على " التفتح " ولكن هيهات !
أليس من الاحسن . . عوض أن نثور فى وجه هؤلاء الشعراء ونرفض شعرهم نتساءل لماذا خلق هذا الشعر ولأى هدف ؟ ألأن الشعراء الشبان لا يعرفون عروض ببحوره وتفعيلاته ، وزحافاته وعلله فحاولوا تعويض مركب نقصهم الفوضى ؟ وهل هذه النزعة قد جاءت نتيجة تمخضات ، وثمرة معطيات بارية ؟ أم انفجرت من العدم لتذوب فى العدم ؟
اذا سلمنا بأن هذا الشعر هو نتيجة عجز وقلنا مع القائلين أن هؤلاء لم فوا العروض ويفقهوا دقائقه ، ويتمعنوا فى خفاياه . فان الواقع يكذب القول ويفند هذه الحجة . فالناطق الرسمى لهذه النزعة كان يكتب فى ودى قصائد أعجب بها اللغمانى نفسه ثم انتقل الى الحر وأخيرا مرحلة فى العمودى والحر . وقس ذلك على شعر القديم والزناد .
إذا سلمنا بأن هذا الشعر قد انبثق من العدم وظهر فجأة فان الواقع قدمنا مرة أخرى ويفرض علينا أن نقر بأن هذه النزعة كانت نتيجة معطيات بارية ، وتمخضات فكرية ، وذلك بالاعتماد على النقاط التالية :
أولا : محاولات الأفارقة الذين " مضوا ، وهم أول من بادر بذلك ، حتى الى بيع الأبيات حسب نبرة الكلمة " (1) .
ثانيا : دعوة الشابى للتجديد فى كل ما كتبه ، اكتفى منه بهذه الفقرة لقد اصبحنا نتطلب أدبا جديدا نضيرا يجيش بما فى اعماقنا من حياة وأمل وشعور . نقرؤه فنتمثل فيه خفقات قلوبنا وخطرات ارواحنا . وهجسات بنا واحلامنا " .
ثالثا : نزعة الشعر الحر .
رابعا : محاولات محمد " مصمولى الشعرية والنقدية " خاصة . واليك بعض النقدية المنشورة فى الصحف والمجلات : الكلمة المضئية ( الصباح )
المدار المغلق ( العمل ) خطك البيانى ( الاذاعة ) الفن والواقع ( الشعب ) الشعر ( الفكر ) .....".
خامسا : محاولات سمير العيادى ومحمود التونسى ( خاصة فى مقاله : الشعر والفن والحرية ) .
سادسا : دراسات الاستاذ البشير بن سلامة المنشورة بمجلة " الفكر "
ونعود مرة أخرى للسؤال الذى كنا طرحناه - آنفا - لماذا خلق هذا الشعر ولأى هدف ؟ للأجابة عن هذا السؤال يتحتم علينا ان نتساءل ما هو الفن ؟
أليس هو تعبيرا عما يجيش فى أعماق الفنان فيبرزه للخارج بطريقة تجعلنا نتأثر به ونتفاعل معه . وإذن فالفن لا يخرج عن كونه مضمونا وشكلا يصب فيه هذا المضمون . ففى تعانق الشكل مع المضمون يكون الخلق والابداع . واذا كنا نؤمن بان مضموننا قد تغير فيجب ان نؤمن بتغيير شكلنا وأن نعيره اهتمامنا . فهذه الثورة على الاوضاع البالية والافكار العتيقة " لا تلتقى فى صعيدها الا مع فن ثائر ، معاصر صياغة ومضمونا لا يكون ( منتجوه ) عبيدا لهياكل قديمة موروثة جاثمة على ملكانهم سواء على مستوى الفكر أو الوجدان أو اللغة أو القوالب التعبيرية " ولكن لماذا التحديد ؛ وهل من جديد فى التجديد ، كما قال بعضهم ؟ وعلى أى أساس يقوم هذا التجديد ؟ وما هى أهدافه القريبة والبعيدة ؟
نعيش اليوم عصرا علميا . كثرت فيه المذاهب والنظريات وتعددت ، واختلفت الآراء وتشعبت ، وانتشرت الوسائل وتنوعت . هذا العصر العلمى , والتقدم التنولوجى ، والغزو الآلى ، يفرض على الشاعر ( الفنان ) ان يقف موقفين متباينين كل التباين فى التعبير عما يحس به ، إما أن يعانق هذا الشكل الذى خلق لأقوام طواهم التاريخ ولم تعد مآثرهم الا ذكريات يلذ لنا أن نعيدها ونتسلى باعادتها ، وإما ان يرفض هذا التراث ، باحثا عن وسائل كفيلة لمسايرة عصره . فترى الشاعر العربى المعاصر يمطر نفسه بوابل من الاسئله . لماذا أعيش على عروض جدى الخليل وقد مرت عليه قرون وقرون ؟ لمادا أتمسك ببحوره وتفعيلاته وزحافاته وعلله ؟ لأنها جمعت كل موسيقى العصور فلا يمكن أنكث العهد وأرفض الوفاء لجدى ؟ لماذا لا أقدم عل ابتكار معان جديدة ، وبحور جديدة ، وأنغام جديدة ، وقواف حديدة ؟ وما عسى ان يكون موقف الآخرين منى ومن فنى ؟
هذا ما دفع بعض الشبان الى ارتياد الآفاق المجهولة ، ورفض المقاييس
الجامدة ، والادوات التى مضى عهدها مما جعل البعض يرميهم بالشعوذة ، والكذب ، والنفاق ، والعجز ، والضحالة ، والجنون ، والتنطع ، واللاقومية ، الى غير ذلك مما لا يتسع له المقام .
ذلك ان المناهضين لهذه النزعة ، ظنوا ان الشعر الطلائعى هو رفض لموسيقى بحور الخليل ، وعبث بالتفعيله ، بينما الحقيقة والواقع ان هذا الشعر ، وإن رفض التفعيلة ، فهو قد خلق ايقاعات جديدة وموسيقى جديدة ، مستمدة من الكلمة وما لها من كميات صوتية ، والعصر الذى يعيش فيه الشاعر أو ما نسميه ، باصطياد بذور الواقع ، ونفسيته وما تعج به من انغام داخلية شفافة .
وكما ان الايقاع لم يعد خاضعا لمعطيات قديمة ، بل أصبح منبثقا عن نفسية الشاعر ، ومن فلسفة اللغة التى يستعملها ومن المحيط الذى يعيش فيه. فكذلك قد تطورت الصورة وتخلصت من تلك النظرة العقلية المجردة ، والتفاصيل المباشرة ، فالسماء لا تكون الا زرقاء ، والاشجار لا تكون الا خضراء والليمونة لا تكون الا صفراء . . الى غير ذلك . . . هذه النظرة الناتجة عن قصور فى فهم الفن ، حيث يعتقد الكثيرون انه تقليد للطبيعة ومحاكاة لها . بينما هو فى الواقع اعادة لصهر هذه الطبيعة من جديد ، ففى الشعر الطلائعى لم تعد الصورة تعتمد على التشبيه والاستعارة والكناية والطباق ، بحيث تأتى جامدة ، فوتوغرافية لا أكثر ولا أقل ، ولم تعد الالوان تؤدى وظيفتها الجامدة كما هى على الشاشة ، بل أصبحت تعبر عما هو موجود فى اعماق الشاعر .
بقى ان نقول كلمة عن اللغة وأهميتها فى الشعر الطلائعى وكيف يستطيع الشاعر ان يخلق منها ايقاعا وموسيقى من دون ان يلجأ الى الأوزان والبحور ؟
ان الحقيقة التى لا مراء فيها ، ولا شك فى صحتها ، ولا نقاش حول أهميتها ان الكلمات فى النثر تختلف عنها فى الشعر فهى فى النثر " تستخدم من أجل الدلاله فى عالم الاشياء والافكار الذى يكون هو المقصود من ذكر الكلمة : اى انها وسيلة واداة أكثر ولا أقل " بخلاف فى الشعر فهى تصبح " غايات بحد ذاتها " وهنا تكون مقدرة الشاعر فى كيفية اختياره للكلمة ووضعها فى مكانها المناسب حيث يخلق منها كميات صوتية ، ووحدة ابقاعية ، وشحنة موسيقية ، وصور شعرية رائعة . فاذا كان الشعر الكلاسيكى لا يختلف عن النثر الا فى أن الكلمات والجمل فيه منظومة وفق اوزان معينة وينتهى بقواف مخصوصة وتكون حماسية فى الغالب " فان الشعر الطلائعى رفض هذه الخاصية ليكون لكل شاعر طعمه الخاص ، وطابعه المميز .
هذه هي النقاط التى لا تزال غامضة عند كثير من المناهضين مما سبب فى اخطاء واضحة ولكنها فادحة تدل على قصور فى الفهم ، فما هى هذه الاخطاء ؟ وما هى نتائجها ؟
طالعتنا مجلة " الفكر " فى عددها قبل الاخير بمقال عن " كوكتال " الهمامى ، و " استراحة " الزناد لعلى دب . وقد أثار هذا المقال عدة ملاحظات أقسمها الى ملاحظات عامة تتعلق بكامل المقال ، وملاحظات جزئية تتعلق ببعض ما ورد فى هذا المقال .
وقبل أن أقف عند هذه الملاحظات أود من الاستاذ ان يرجع الى المقالات التالية حتى يتراجع فى بعض احكامه .
1 ) البيانات التى نشرها الهمامى بـ " الفكر " السنة 15 و 16 2 ) الدراسات التى نشرها الاستاذ البشير بن سلامة بــ " الفكر " 3 ) الدراسات التى نشرها محمد بن صالح بن عمر والهادى بوحوش بـ " الفكر " و بـ " العمل "
أما الملاحظات العامة فهى كما يلى :
1 ) إن الاستاذ على دب أقبل على هاتين القصيدتين بعضلات قوية ، وسواعد مفتولة ، وعقل طفل صغير لا يزال يحبو حبوا . فوقع فى متناقضات متعددة ، ووصل الى نتائج فيها الكثير من السذاجة والبساطة ، وكأنه أراد فى هذا المقال ان يطلعنا على خفة روحه ، وحلو مزاجه ، ولاذع تهكمه .
2 ) إن الاستاذ على دب اعتمد على الذوق ، فطغت عليه الذاتية ولم يأت بشئ جديد ، حيث أقبل على هذا الأثر بمقاييس جاهزة وادوات قديمة ، تاركا القصيدتين ، وما فيهما من معان غزار ، واشارات خفية بليغة ، ولفتات بارعة .
3 ) إن الاستاذ على دب اتخذ من " كوكتال " الهمامى و " استراحة " الزناد منطلقا ليهاجم الشعر الجديد ، ويناصر الشعر القديم ، ويعيد للعربية عزتها . بينما كان من المنتظر ان يشرح هذه القصائد كما فهمها على الاقل ، وفى هذا مغالطة ( mysfiction ) وتضليل للقراء .
إن الاستاذ على دب لم يهتم الا بالاوزان والموسيقى ، وترك الصورة والايقاع الداخلى ، والكلمات والمضامين فجاء مقاله " أعرج " يشكو ضعفا وهزالا .
5 ) يلوم الاستاذ جماعة " غير العمودى والحر " على هذه التسمية . متسائلا
متعجبا ، ساخرا " لماذا لا يكون بدعة جديدة ليست بشعر ولا نثر ، وهل خلا قاموسكم من الاسماء ؟ وهذا من غير شك - عمل الناقد لا الشاعر - فهل لسيدنا الاستاذ بعض الاسماء - اذ كان على ما يبدو - محبا للتسميات والالقاب - اذا كان عنده منها فلا يبخل علينا .
6) قال الاخ عز الدين المدنى فى مقال له : " ان هؤلاء المتطفلين على النقد اشبه بأولئك الذين يتعلمون الحجامة فى رؤوس اليتامى " . وهذا ينطبق على الاستاذ دب كل الانطباق . فبالله عليكم ، هل هذا من النقد ؟
* " من الجاك الى الشعر يا سيدى الهمامى كان يمكن ان تكتب مقالا فى احدى الصحف عن قطارك هذا بألفاظك التى اخترتها لكن لا تسمه شعرا حتى لا تسئ الى غيرك من الشعراء الجادين " .
* " ان جماعة " فى غير العمودى والحر " ابتلاهم الله بعقدة " خالف تعرف " .
* " ان السيدين الهمامى والزناد رغبا فى إنشاء حديقة حيوانات . . وقد منحتهما " الفكر " قطعة بيضاء على صفحاتها . فأقاما هذا المعرض المسلى . لكن على حساب القراء فهم الذين يدفعون ثمن التهريج "
* " فى نظرى ان هاته النماذج نكسة خطيرة ومنعطف قاتل فى مسيرة نهضتنا الأدبية " .
ماذا يبقى فى المقال لو حذفت هذه الفقرات ؟ وهل الاستاذ رشح نفسه للدفاع عن القراء وعن الشعر العربى ؟ أم يعرض فهمه لهاتين القصيدتين ؟ إذا كان يعرض فهمه فلا داعى الى هذه التهجمات العنيفة التى لا طائل من ورائها ؟
الملاحظات الخاصة :
1) أول ما يثير الانتباه هو مسخ الاستاذ على دب كتابة المقاطع . وهذا عيب فادح ارتكبه ، وقد كان شاعرا بذلك . فهذه المقاطع التى كتبها الشاعر , تفرض على الناقد أن ينقلها كما هى لا تغيير ولا تزييف لانها تمثل الاخلاص للتجربة . والصدق فى الاداء . وهذا متأت . من غير شك . من اعتقاد الكاتب ان هذا النوع من الشعر ما هو الا ضرب من النثر . . فكتب المقطع على هذا الصورة . . . " عربه هرمة . . هرمة سوداء . . سوداء وسخة . . وسخة سوداء . . " بينما هى فى الاصل :
" عربه هرمه هرمة سوداء سوداء وسخه وسخه ضيقه "
فالايقاع فى هذا المقطع يخضع للبناء الفنى اللولبى ، حيث تقف النغمة على السكون ، ثم تصعد مع الكلمة المالية ثم تهبط مع الكلمة الاخرى وهكذا دواليك . فهل أدرك على دب ذلك ؟
2) من الأشياء المضحكة والمؤسفة فى نفس الوقت - وخاصة حينما تصدر من استاذ - عدم التفريق بين الصورة السمعية التى تكتفى بسماعها ، والصورة البصرية التى تدر لها بعيوننا . فهل يعلم الاستاذ ان ذلك البياض يعبر عن صمت فى نفس الشاعر إن كان قرأ بعض الابحاث فى الالوان ودلالاتها ؟ فليراجع فكر وفن عدد 14 . لزيادة الايضاح ، ومراجعة أحكامه . فكيف خول لنفسه كتابة المقطع الثالث من قصيد الهمامى ، على هذا الشكل . " تصفيق فيق . . . سبر الاراء . . . "
بينما هو فى الاصل :
التصفيق فيق " سبر الآراء " الخ "
أليس هذا من باب المغالطة ؟ الا يعلم ان العمل الفنى هو شبكة محكمة النسج ، كل شئ فيها له مدلولاته ، فالنقط لها دلالتها الخاصة ؟ والبياض له لاته الخاصة ؟ ومع العلم ان هذه الصورة البصرية وقعت بين مزدوجين .
3 ) ومن الاشياء المضحكة أيضا ان الاستاذ على دب ظن علامة اللانهاية ( 5٥ ) رقما ( 8 ) وشتان بين هذه وتلك . يقول بالحرف الواحد " ثم يحشر السيد الهمامى مجموعة من العلامات . . علامات استفهام وعلامات جمع وطرح وارقام سبعه وثمانية ومعه يسقط الرقم ، لماذا تسقط هذا الرقم وقد سد لك فراعا عجزت عن سده " الا تدرى ان هذا المقطع الذى وقفت عنده يعبر عن ضياع الكلمه بين الارقام ؟ الا ترى ان الهمامى قد صور هذا الضياع والتلاشى والاضمحلال حين كتبها على هذه الصورة . . ( الــ . . كــ .. لـــ .. مــ .. ــــه ؟ الا ترى كيف أصبحت الكلمة عاجزة عن لم شتات نفسها ؟ فمتى يسقط
الرقم لتعود للكلمة حياتها وعنفوانها ؟ أليست هذه الصورة أعمق بكثير فى دلالتها من التعبير بالكلمات نفسها ؟ أترك الجواب لعلى دب .
4) ان هذا الخلط الفظيع الذى وقع فيه الاستاذ دب كان منشؤه تلك النظرة القديمه التى تشبث بها اذ يرى ان الفنان هو ذلك الحالم الذى يخدر أحاسيسنا ، بأوزان رنانة ، وبحور صادحة ، وقواف صاخبة . ألم يدرك - الى الآن - انه يجب علينا ان " نخضع الشعر للواقع " لا ان " نخضع الواقع للشعر " ؟ أحرام علينا ان نخلص شعرنا من " غطرسة " التفعيلة و " دكتاتورية " البحر ؟
5) يعتقد الاستاذ دب بأن التفعيلة هى أم الموسيقى ، ولن يخلق شعر لا يخضع للتفعيله . وحتى اذا وجد فهو ليس بشعر . ولكنى اعلمك يا استاذنا الجليل ان التفعيلة ليست وحدة ايقاعية وهذا الرأى ليس غربيا بل ليس جديدا . فقد عالج هذه القصة ووضعها على بساط الدرس الاستاذ البشير بن سلامة . فلو رجعت الى ما كتبه الاستاذ أجدر من هذا الكلام الذى قلته . غير أننا نريد أن نقول مرة أخرى ان الايقاع يكمن فى الكلمة . .. فالكلمة اذا استطعنا هندستها تخلق لنا موسيقى عذبة . ولغتنا العربية لا تضيق ذرعا بذلك .
6) يطالب الاستاذ دب بأدب شعبي . فهل هذه القصيدة لا تعبر عن مشاكل المجتمع ؟ أهناك أقبح من ان يركب الانسان عربة ليزق عليه الدجاج ؟ أليس هو واقعا قذرا ؟ فكيف لا يعبر عنه الشاعر بصور قذرة ؟ وهل لا يعرف الاستاذ الصور القذرة ؟ بل أليس فى هذا " الكوكتال " هادفية و " التزام " و " شعور بالمسؤولية " ؟
انه لمؤسف عندما نقرأ مثل هذه المقالات التى يطلق فيها أصحابها العنان لأنفسهم ، فيقولون ما شاء لهم ان يقولوا ، ويلقون كلامهم كما جاء واتفق غير مبالين بالذوق الادبى ، غير آبهين بالقراء ، كأنهم لم يدركوا ان النقد صعب المراس ، عسير الانقياد ، فهو ذوق وفهم تدعمهما ثقافة عميقة شاملة صهرها الكاتب فأحسن صهرها ، وهضمها فأجاد هضمها .
نقول هذا لنؤكد لروادنا ان هذه العقبة لا بد من تخطيها . . اذ إننا لا نزال نذكر الخصومات التى أثارتها الرومانسية والسريالية ، والتكعيبية ، والتجريدية ، والوحشية ، وغيرها من الاتجاهات الفنية التى ظهرت إبان هذا القرن .
لنكتب ، كما قال عز الدين المدنى ، لنكتب . . لنكتب . . فالزمان ببننا .

