الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

نحو آفاق فكرية جديدة،

Share

ماذا يجرى فى المجتمع الصناعى ؟ هل بلغت حضارة العلم والصناعة ذروتها .. ؟ ماذا اعطت الآلة للانسان وماذا اخذت منه ؟ ما هو دور علم التكنولوجيا فى حل مشاكل المجتمع الصناعى .. ؟ هل هناك دور للعالم الثالث ( غير المصنع ) فى ازمة العلم والصناعة المستحكمة حاليا ... ؟ ؟

تمهيد :

منذ سنوات قليلة اى فى اوائل الستينات بدأ المجتمع فى البلدان المصنعة مثل اروبا وامريكا واليابان يحس ان هناك شيئا خطأ يجرى جنبا لجنب مع تقدمه الصناعى والعلمى . وبداية هذا الاحساس كان مصدرها (( التلوث )) Pollution : تلوث مياه الانهار ، وتلوث الهواء والاجواء ، وتلوث النباتات  ثم ان هذا الاحساس بدأ يتجسم بشكل تصاعدى سريع مما اجبر الحكومات فى البلدان المصنعة الى اصدار القوانين والتشريعات للحد من هذا التلوث ولمعاقبة المسببين له . اما فى انجلترا فقانون (( الهواء النظيف )) اصبح نافذ المفعول منذ عام 1958 . والمشكل او الاحساس به ابتدأ بشكله العلنى والاعلامى فى انجلترا قبل غيرها من البلدان المصنعة لاسباب عديدة سأعود واخصص لها بحثا كاملا .

وانتقل الاحساس من تلوث الاجواء  Pollution of Environment إلى  التطلع الى اخطاء او اخطار اخرى متسببة عن هذا النمو الصناعى وهذا التقدم العلمى فاذا الامر على غاية الخطورة واذ هناك مخاطر ومشاكل ناجمة عن هذا الاندفاع في الصناعة والاعتماد على الآلة والتمادى فى الاختراعات . . مما حدا بعضهم الى الجهر بأنه ان لم نوجد الحلول لمشاكل الصناعة الحالية فالعالم مقضى عليه بالزوال فى أوائل أو فى منتصف القرن الحادى والعشرين على ابعد مدى

من صح الخبر وآمن به افراد المجتمع الصناعى حتى انبرت القرائح والعقول تعمل لمجابهة اخطار المستقبل القريب فتألفت الجمعيات والحلقات

العلمية والندوات العامة لهذا الغرض وفي خلال عامين فقط انعقدت ثلاث ندوات عالمية علمية لدرس المشكل : انعقد المؤتمر الاول فى روما باشراف جمعية الكنائس العالمية من 20 الى 26 جوان عام 1971 وانعقد المؤتمر الثانى فى ستوكهلم فى 5 جوان من هذا العام وفى اكتوبر المنصرم انعقد المؤتمر الثالث فى ستوكهلم ايضا وانعقاد المؤتمرين الاخيرين تم باشراف ودعوة هيئة الامم وكان الشعار الذى اطلق على المؤتمر الثالث (( ازمة العلم والعلماء فى المجتمع الصناعى )) . . وانها فعلا لأزمة .

اما وان المشكل على هذا المستوى فهو اذن متشعب الاطراف معقد الى ابعد حد وبدأت معالم تعقيداته تخلق مشاكل اخرى متتالية منها السياسى والاجتماعى والادبى والهندسى . . . الخ اى ان بحث المشكل بالذات بدأ يكشف عن اخطار يحار الباحثون حتى فى كيفية طرحها او انهم احيانا يخشون على مجتمعهم ان هو علم بفداحة الخطب ان يؤدى ذلك الى مضاعفات هستيرية تقلب الحياة رأسا على عقب . . . ولذلك تجد المشكل الآن يبحث على مستويين : اقليمى ودول : اى ان كل بلد مصنع يقوم بالدراسات عله يجد حلا ثم يجرى تمحيص النتائج فى الندوات الدولية وللآن تجد الكل يقرأ وينتظر ويفكر . . بل ويساهم فى ما يمكنه .

وفى العالم الثالث او البلدان النامية غير المصنعة هل جرى التعريف بازمة العلم والصناعة فى المجتمع الصناعى ؟ وهل جرى تنظيم الندوات البحث المشكل على اساس علنا نستفيد ونفيد من جراء معرفة حقيقة ما يعانيه عالم الرخاء الاقتصادى والمجد الصناعى والعلمى ؟ مع العلم ان حياتنا مرتبطة فى كثير من النواحى بصناعة الغرب وبعض وبحضارته ومع احتفاظنا باصالة حياتنا وبثرائنا الروحى هل يمكننا القيام بدور ما في الازمة ؟ وكيف يتم تنظيم هذا الدور ؟ . . . الخ .

هذه الاسئلة وكثير غيرها تجول فى ذهن المتطرق للمشكل . . . وجدية الامر تتطلب منا مبادرة سريعة . هذا بالاضافة الى ان عالمنا الحالى اصبح بفعل الصناعة والتقدم العلمى . . اصبح عالما واحدا مندمجا بعضه ببعض حتى ليبدو - او هو بالفعل - ليس الا واحدا من ملايين الاجرام السماوية او مركبات الفضاء وان سكان الارض جميعا ليسوا الا روادا فى هذه المركب الفضائية التى هى كرتنا الارضية . وبالنسبة لاخطار المستقبل - مما سيجرى تفصيله فيما بعد - لا يتعلق الامر ببلد دون آخر بل لقد اصبح

واضحا وثابتا من الوجهة العلمية ان الخطر يتعلق بمستقبل الجنس البشرى على هذا الكوكب ؛ وان السؤال المطروح الآن كيف يمكن - والحال على ما هو عليه الآن - ان تستمر الحياة البشرية الى ما بعد النصف الثانى من القرن الحادى والعشرين ؟ واذا لم توجد الحلول اى جناية او اى خيانة عظمى تكون الثورة الصناعية الحالية والتقدم العلمى قد ارتكبا بحق البشرية وبحق الحياة على سطح هذه الكرة او هذا الكوكب الذى نسميه الارض ؟

والمتفائلون لا يرون الامر بهذه الخطورة بل يعتقدون ان الانسان وهو الصانع لهذه الحضارة الصناعية سوف يجد الحلول الكفيلة بازالة كل عيوبها واخطارها وان مجرد الخوف مما عليه الحال الآن سيؤدى الى استنباط الحلول وهو منطق معقول ومقبول ولذلك تجد المجتمع الصناعى يقف كالمتربص الحذر المنبه لكل ما يقال وما يتخذ فى هذا السبيل ، وهناك الآن مئات الاقتراحات جرى طرحها فى الندوات الدولية فى روما وستوكهلم ومئات غيرها تطرح فى كل بلد مصنع ولكن الكثير من هذه الاقتراحات صالح نظريا اما عند بحث كيفية التطبيق تبرز هناك مشاكل اصعب من المشكل الاصلى وسوف اوضح ذلك فيما بعد .

واود قبل انهاء هذا التمهيد ان اوجز فى اسطر ماهية هذه الحضارة التى تسود البلدان الصناعية من هذا العالم والتى اوصلت البشرية الى ما هو عليه الحال الآن . وهنا لا بد من التأكيد ان ما عليه الحال الآن هو تقدم علمى وصناعى لم يسبق له مثيل ؛ لا بل انه ليمثل - رغم الاخطار والعيوب - ذروة الحضارة الانسانية . وما يشغل بال الناس فى المجتمع الصناعى هو استمرار هذه الحضارة ونموها وتطورها بعد إزالة ما بدا من عيوبها واخطارها ، لا لفائدة الاجيال الحالية فحسب وانما للاجيال القادمة ولاستمرار الوجود البشرى على هذا الكوكب اى الارض

من المعلوم ان بداية الثورة الصناعية الحالية كان فى اواسط القرن الثامن عشر انطلاقا من انجلترا الى اروبا وامريكا الشمالية واليابان وذلك عندما بدأ الانسان فى تلك الاقطار يخترع الآلات البسيطة التى تمكنه من زيادة قدرته لسد حاجاته بأقل التكاليف مثل دواليب آلات النسيج والعجلات ثم آلة البخار التى اوجدت أول قطار وما اشبه . . . وسرعان ما انتشرت روح الاختراع على شكل تسابق لاختراع الآلات الاكثر تعقيدا واعم فائدة وربحا وما لبثت الحضارة الزراعية الريفية ان تلاشت لتحل مكانها حضارة القرن

العشرين الصناعية الحالية . . . . وهنا لا بد من توضيح هذه الانطلاقة وهذا التسارع الاختراعى الذى قلب حياة اعتادها الانسان ودرج عليها منذ ما يزيد عن ¼ مليون عام الى نمط آخر من العيش قطع فى خلال مئة عام ما عجزت عنه البشرية منذ وجودها :

ولنحدد ذلك بالعام 250.00 قبل الميلاد افتراضا ونستعين بالتخطيط البيانى المرافق لنوضح السرعة الهائلة التى اوصلت الانسان الى ما هو عليه الآن . فالخط العمودى فى هذا الرسم يمثل وحدات مقدرة الانسان لتطوير وسائل عيشه ، اما الخط الأفقى فيمثل الفترة الزمنية المعروفة من تاريخ الانسان وافترض انها عام ( 250.00 ) قبل الميلاد ، وما بين الخطين العمودى والافقى الخطوط التى تمثل تطور مقدرة الانسان فى تحسين الوسائل الضرورية لحياته كالتنقل من مكان لآخر والاتصال بغيره من بنى الانسان والقتال والعد ، وان تطور هذه الوسائل كان بطيئا جدا وتدريجيا الى بداية القرن العشرين اى عام 1900 واذ بهذه الوسائل وبهذه المقدرة تقفز الى اعلى بخطوات عملاقة وبتعقيدات صناعية وعلمية يعجز عن فهمها الانسان العادى

ولنأخذ من الرسم التوضيحى المرافق اولا تطور وتقدم وسائل التنقل من مكان لآخر : فمن المقدرة على قطع بضعة اميال مشيا على الاقدام الى زيادتها بضعة اميال اخرى اعتمادا على حيوانات وعجلات خلفها . اما فى القرن التاسع عشر وبداية عصر البخار فقد وصلت السرعة الى 8 ميلا فى الساعة وفى عام 1920 حلقت أول طائرة فى الاجواء بسرعة 100 ميل فى الساعة ، ومنذ عام 1945 اى قبل 27 عاما فقط والطائرات النفاثة تسير بسرعة 700 ميل فى الساعة ، واليوم تبلغ سرعة مركبة أبولو 25.000 ميل فى الساعة

وكذلك الامر بالنسبة لوسائل اتصال الناس ببعضهم بالكلام المباشر والاشارات المرئية والنداء ضمن مسافات محدودة الى التلفون والراديو والتلفزة ، وفى عام 1970 شاهد اكثر من 10000 مليون من الناس الرائد ارمسترنج Armstrong وهو يلمس سطح القمر وسمعوه كذلك وهو يتكلم من هناك .

ووسائل القتال تطورت من استعمال الايدى كما قتل قابيل اخاه هابيل الى استعمال المقلاع والحجارة والسيف والرمح ولكن ذلك لم يزد كثيرا من عدد القتلى فى كل ضربة . اما فى القرن التاسع عشر فقد اخترعت او بندقية رشاشة تقدر على قتل العشرات فى دورة واحدة ، وفي عام 1945 فتكت القنبلة الذرية وبضربة واحدة بـ 90.000 يبانى ويقال ان القنبلة الهيدروجينية اكثر دمارا وفتكا وانها لو القيت وسط مدينة كبيرة كلندن مثلا بسكانها الملايين الثمانية لأتت عليهم جميعا بضربة واحدة ايضا .

اما وسائل العد والحساب فقد تطورت من العد على الاصابع الى اختراع آلة بابج Bobbage الحاسبة عام 1830 ولغاية عام 1945 لم تكن الآلات الحاسبة المسماة كومبيوترز Computers قد وجدت اما اليوم فهناك منها ما يقوم بمليون عملية حسابية فى ثانية (second) واحدة من الزمن

ان العلم الذى اخذ على عاتقه تطوير الاختراعات وتحسينها لفائدة الانسان ولجعلها فى متناول الجميع هو ما يعرف اليوم بعلم التكنولوجيا Technology    وقد اصبح فرعا مستقلا من العلوم الحديثة وبدأ ادخاله فى الدروس الجامعية فى انجلترا منذ أوائل الستينات ايضا والاهتمام بهذا العلم هو طابع الحياة فى المجتمع الصناعى إذ أن المشاكل المتولدة عن التقدم والازدهار الصناعى لا يمكن حلها الا عن طريق التكنولوجيا

اما كيف يمكن للتكنولوجيا ان تحل المشاكل الصناعية المعقدة المتشعبة فهو سؤال لا بد قبل الاجابة عنه ان نعرف شيئا اكثر تفصيلا عن التكنولوجيا لحديثة وعن المواضيع التى تطرقها وهو ما يمكننى ايراده فى المقالات الآتية لا سيما إذا لاقى هذا التمهيد القبول الحسن لدى القارىء العربى الكريم . وسوف تكون الابحاث القادمة حول المواضيع الآتية وكلها مما يشغل بال الانسانية عامة ومجتمع البلدان الصناعية خاصة وهى :

1 - تزايد السكان فى عالم محدود الموارد . 2 - تناقص الموارد الطبيعية فى عالم يتزايد استهلاكه 3 - تلوث البيئه والاجواء والمياه . . الخ من جراء النمو الصناعى وتسارع هذا النمو

4 - الانتاج الزراعى والصناعى فى عالم يزداد سكانه وتتقلص موارده . 5 - الحالات النفسية والانفعالات والمخاوف التى بدأت تقلق العالم الصناعى .

6 - ما هو دور التكنولوجيا فى التغلب على مشاكل الحضارة الصناعية 7 - هل للعالم الثالث اى البلدان غير المصنعة دور لتقوم به فتستفيد وتفيد .

اشترك في نشرتنا البريدية