الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

نحو أخلاق حديده

Share

ما من في شك ان المجتمع الكريم المزدهر الذى نسعى لبنائه فى كنف العدالة الاجتماعية والاشتراكية الدستورية لا يقوم على اعمال الرأى وتخطيط الاقتصاد فحسب بل يقوم ايضا وأساسيا على قاعدة اخلاقية متينة . فالاخلاق ضرورية للشعور بالكرامة وبعث عقلية التطور والتقدم والسعى الى عيش الرفاهية والازدهار ، واذا ما فقدت فى المجتمع حالت دون الغاية التى يسعى اليها ولذا وجب توضيحها وتركيزها حتى لا يصيبه الوهن والتقهقر وحتى يواصل سيره الى الامام نحو الحضارة التى هى ميزة الانسان الاولى .

ان الاخلاق حصون وقيود يكونها ويضعها المجتمع لحماية كيانه ضد الانحرافات والاطماع ، وكلما تطور المجتمع نحو الرقي وتطلب الافراد مستوى ارقي تقوى هذه الحصون والقيود وتشتد الحاجة اليها لتحول دون المبالغة فى الطمع والجشع تلك المبالغة التى قد تؤدى الى الفوضى والتناحر والاشتباك .

ونحن في سبيلنا الى الرقي وتحقيق الاشتراكية فى حاجة الى مزيد من الخلق وفي حاجة الى مزيد من الشعور بمسؤولياتنا وبما يعهد الينا من عمل وقبل تحديد الاخلاق الجديدة التى نحن في حاجة اليها لنا ان نتساءل بادىء ذى بدء ما هى هاته المسؤوليات وما ينتظر منا من عمل ؟ لقد أجاب المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة على هذا السؤال فى خطابه المنهجى العظيم بمناسبة اختتام ملتقى اطارات الشباب يوم 29 جويلية 1963 حيث قال :

. وما طريقتنا - اعنى الاشتراكية الدستورية - الا مستوحاة من الواقع التونسي ، فعندما اصطدمنا بهذا الواقع اعملنا الرأى ووضعنا نصب اعيننا هدفا اساسيا هو تكوين مجتمع افضل برفع المستوى وتحسين الانتاج وتوزيعه توزيعا عادلا ، فلما اطمأنت نفوسنا الى هذا الهدف اخذنا نبحث عن الطرق المؤدية اليه ، ولقد وصل بنا البحث الى العثور على فكرة عامة اساسية

هى ان المواطن اصبح فى عهدنا الجديد شريكا لبقية افراد المجموعة التونسية وهكذا تولدت الاشتراكية التى ليست رد فعل ضد الراسمالية وانما ضد الفردية المتطرفة . فقد اتضح ان نمط الحياة القديم الذي يعتمد الفردية وترك كل فرد على هواه لم يعد صالحا ولا مفيدا . بل لا بد من تغييره واستنباط طرق توجه الافراد وتجعل من مجهودهم مجهودا جماعيا فعالا ، فنحن جميعا مسؤولون عن مصير هذه الرقعة من الارض ويجب ان نعيش فيها كرماء ولقد اطلقنا على هذه الطريقة لقب " الاشتراكية " وهكذا لم يعد الفرد امة برأسها ولا غاية بمفردها ، بل اصبحنا جماعة متكاملة ، دور الدولة فيها ان تحول دون ان يشذ الافراد ويضروا بالمصلحة العامة ، بل تلزمهم برعايتها وتستخدم في سدل ذلك مالها من امكانيات ونظر بعيد المدى وتقاوم الحيف والطغدان والاستثمار والاحتكار وكل ما يخالف تمسك الانسان بالقيم الاخلاقية من عدالة وحرية واخاء . وخلافا لرأى كارل ماركس الذي لا يرى مندوحة من تطاحن الطبقات فان عملنا يتجه لمقاومة الشر لا لمقاومة الشخص . وذلك وثوقا منا بقابليته للتقدم والرقي في سلم الاخلاق . ومن حسن حظ البشر ان الاخلاق السامية كالايثار والتفانى فى الاحسان الى المجتمع تنسجم وتلتقي مع المصلحة العامة اى مع مصلحة كل فرد من افراد المجتمع .

هكذا فى تطورنا نحو الاشتراكية يجب ان ينعكس هذا التطور تلقائيا على القيم الخلقية والتقاليد التى تستند الى المجتمع فيكون رائدنا الصدق فى اداء ما يعهد الينا من عمل وآلإيثار للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة ومحاربة الانانية .

وان أول هدف يجب ان نرمى اليه هو التخلص من النظرية الفردية والسلوك الفردي في معاملاتنا وحياتنا الاجتماعية لتستقر اخلاقنا الجديدة وتقاليدنا متفقة مع تطور مجتمعنا . فالاخلاق الفردية التى تصاحب المجتمع الرأسمالي يجب ان تزيلها الروح الاشتراكية لتقيم على انقاضها قيما جديدة . وهاته الاخلاق القائمة على الآنانية والتنافس يجب أن تحل محلها اخلاق تعاونية . ومن جهة اخرى يجب ان يتجه الفرد الى العمل بقصد العمل اكثر منه بقصد الاثراء باعتبار العمل وظيفة اجتماعية قبل كل شئ ، وسوف يتحقق ذلك اذا كان الجزاء على قدر العمل . ومما هو اهم واوكد من ذلك كله اذ عليه يتوقف بناء المجتمع الأفضل

الذى تريده الاستجابة لصوت الضمير المهنى والضمير الاخلاقي والايمان بالاشتراكية الى جانب الكفاءة الصناعية . على ان نداء الضمير هذا يجب ان لا تكون الاستجابة اليه بوازع من الخوف من الاخرة ورغبة فها فحسب بل طلبا لراحة الضمير نفسه وشعورا بالكرامة والشرف اللذين يفرضان العمل الكامل . وهذا ما يوليه المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة بالغة اذ ما يفتأ يذكر بوجوب الصدق فى القول والاخلاص فى العمل وبوجوب تعويد الفرد من صغره بتجنب العمل المشوش والابتعاد عن الغش حتى يكون فى كبره قدوة حسنة " واذا اصبح الصدق والاخلاص والجدية شعار الافراد الذي كان المجتمع باسره منعوتا بهذه الخلال ومرما من أجل ذلك بعين التجلة والاكبار

كل ذلك يتطلب مجهودا كبيرا على الاطارات والمثقفين والواعين بصفة عامة تسخير قواهم لتحقيقه وذلك فى صالح الفرد وفي صالح المجموعة التي يعيش بينها على حد السواء . وهنا يأتى دور الالتزام الذي يجب ان يتحلى به المثقف سواء كان طالبا او استاذا او رجل آدب او فكر او علم حتى يقوم بواجبه نحو الصالح العام فى هذه الفترة الحاسمة من حياة بلادنا

هذه هى الاخلاق التى على مجتمعنا التحلى بها لبناء اشتراكية اصيلة ، وما هى فى الواقع الا رجوع الى الاخلاق الدينية السامية تلك الاخلاق التى تدعو الى الاخد بيد الضعيف وان يحب الانسان لغيره ما يحبه لنفسه وان يتعاون مع غيره وان تكون له مشاركة عاطفية وفعالة فى آن واحد لتحقيق الصالح العام . واذا ما رجعنا الى جوهر الدين ولبه لم نتمسك بحرفه وقشرته وربطنا بينه وبين طبيعة الحياة وتطور العلوم والفنون والاداب لوجدنا فيه مبادى " صالحة لكل زمان ومكان " فعلا وقيما واخلاقا مدنية و دنيوية بجانب صبغتها الدينية البحتة . فالاسلام مثلا يكره تكدس الثراء في جانب والحرمان فى جانب وفي سبيل ازالة هذه الحالة يبيح لاولي الامر حرية التصرف حسب الوضع المناسب لاعادة التوازن العام . وقد قال الله في كتابه العزيز " كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم " ، كما يدعو الى التعاون بين الناس فى جميع شؤونهم تعاونا صادقا مخلصا وفي ذلك يقول الله تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " ويقول النبي عليه الصلاة والسلام : " مثل المؤمنين فى تعاضدهم وتساندهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى " ونجد في الدين سواء فى الكتاب او السنة تحريم الاحتكار( المحتكر ملعون ، ) والحض

على العمل ( " وان ليس للانسان الا ما سعى ،) . كما نجد قوله ان الله يحب اذا عمل احدكم عملا يتقنه " الى غير ذلك من المبادىء الاخلاقية السامية الاخرى هذه هى عجالة اهم الاخلاق التى يجب ان نبنى على اساسها مجتمعنا الاشتراكى الدستورى والتى بفضلها ستزداد حياتنا القومية استقامة ويحصل التقدم المنشود وتصبح الامة التونسية فى طليعة الامم السائرة نحو التقدم والرقى والحضارة وبذلك تصبح قدوة لغيرها فخورة بما وصلت اليه من جليل الاهداف تحت لواء حزبها العتيد وبقيادة رئيسها المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة .

اشترك في نشرتنا البريدية