التخطيط عبارة عن اختيار المقاصد وتعيين الاهداف المراد بلوغها ثم تهيئة الوسائل والظروف المطلوبة لتحقيق تلك المقاصد والاهداف.
والتخطيط عملية حياتية قد يحتاج اليها الانسان فى كل أدوار عيشه . فالمرء قد يخطط لكسب رزقه وقد يخطط لبناء دار أو الاقتران بزوج أو القيام برحلة الى غير ذلك.
وكما ان الفرد بفكر ويخطط لادامة حياته كذلك الدول والجماعات . فالدولة قد تخطط لانشاء مدينة أو فتح طريق عام أو بناء سد أو جسر او جامع أو مدرسة الى غير ذلك . ان تخطيطا من هذا النوع هو تخطيط بـ"القطعة" أى عبارة عن انجاز مشاريع مفردة ومستقلة.
أما التخطيط الحديث فهو الذى يتصف بالشمول والترابط بين نواحي الحياة الانسانية فى كل نواحيها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والصحية والروحية .
وما التخطيط التربوى سوى الاساس الذى يبنى عليه كل هيكل التخطيط الشامل . اذ ان الجهاز التربوي هو الذي يخرج ذوى الاختصاص فى كل ناحية من نواحي حياة الانسان المعاصر . فالادارى والقاضى والطبيب والمزارع والتاجر والصناعي والاديب والعالم والمعلم كلهم مشمولون بالتخطيط التربوى وهم بدورهم يتولون تخطيط نواحي الحياة كلها وفى جميع جوانبها .
والتخطيط الحديث يتطلب اتباع اساليب علمية فى تسيير شؤون الحياة كما يحتاج فى عصرنا هذا الى تنظيم دقيق واستعمال أجهزة الكترونية . والمخطط في البلاد ذات النظم الديكتاتورية يفرض على الشعب من قبل هيئة عليا . وفي البلاد ذات النظم الدمقراطية يخضع لمبدأ الشورى إذ تعرض الخطة
(لعدد محدود من السنوات) على الرأى العام وعلى ذوى الرأى والخبرة ليبدوا رأيهم فيها قبل الشروع في التنفيذ.
ومن مزايا التخطيط الشامل أنه يحقق للبلاد النامية نهضة سريعة ومتكاملة ، ذلك اذا توفرت أجهزة حكم نيرة وأجهزة تنفيذ مخلصة وماهرة ، ولما كان العالم الاسلامي اليوم يتوخى النهوض السريع والقضاء على التخلف . ولما كانت الانظمة التعليمية التى ورثها من المستعمر أو اقتبسها من الغرب بصورة استعجالية تتطلب اعادة نظر أساسية فنحن تقترح أن تكون اعادة النظر هذه مبنية على قواعد التخطيط الشامل.
إن نجاح التخطيط التربوى للعالم الاسلامي يتطلب فى نظرنا الاخذ بالمبادئ التالية :
(أ) تعيين وتحديد أهداف التربية الاسلامية بوضوح تام . والتعبير الصادق عن الروح التى يراد لها أن تسود فى هذه التربية .. وهذه الاهداف وهذه الروح ينبغي ان تنبثق عن اتحاد المبادىء الاسلامية مع أصدق وأفضل ما نوصل اليه العلم الحديث والتقنيات الجديدة.
(ب) توفر زعامة سياسية وتربوية مشبعة بالمبادىء الاسلامية وملمة بحقائق العلم الحديث وشؤون الحياة الانسانية فى عصرنا هذا .
(ج) توفر العلماء والخبراء الفنيين فى شؤون التربية والتعليم ممن يؤمنون بالله ويعرفون مشاكل ومطامح العالم الاسلامى فى عصرنا هذا بالاضافة الى منزلتهم العلمية وخبرتهم .
(د) توفر جهاز إحصائى حديث يحتوى على تسجيل صادق للسكان (من قبائل الى ارياف الى مدن) مع الحقائق المطلوبة عن أوضاعهم من حيث السن والجنس والمهنة والدخل الخ .. فالتخطيط ينبغي ان يدخل فى الحساب النمو الطبيعي للسكان والدخل القومي والنمو الاقتصادى بحيث يمكن بلوغ اهداف معقولة للنمو الكمي على مراحل.
(هـ) توعية المسؤولين والجماهير بأهمية التخطيط وحثهم على تعبئة قواهم وامكاناتهم فى سبيل بلوغ الاهداف.
(و) التعاون المتبادل فيما بين الدول الاسلامية : إن بعض الدول الاسلامية محظوظة بتوفر ثروات طبيعية هائلة لديها بينما هناك بلاد اسلامية اخرى فقيرة فى الثروات الطبيعية محظوظة بالثروة البشرية . ولذلك فالتعاون المتبادل بين الدول الاسلامية قد يصبح نافعا جدا . وإن جو الاخاء والثقة المتبادلة بين الدول الاسلامية قد يساعد على توفير مبالغ ضخمة من واردات البترول تنفق فى تحقيق المخططات التربوية فى العالم الاسلامي.
أهداف التربية الاسلامية :
نحن نقترح الاهداف التربوية التالية آملين ان تحظى اقتراحاتنا هذه بالدرس والرعاية من قبل المسؤولين عن شؤون التربية فى العالم الاسلامي:
(1) كل عمل تربوى فى العالم الاسلامي يبغى ان يستمد هديه من الايمان بالله تعالى فالله سبحانه هو مربى المربين . وعلى التربية الاسلامية ان توقظ الوعى الروحى فى الجماهير الاسلامية وان تساعدهم على ادراك ان هذا الكون الذي خلقه الله لم يخلق عبثا بل هو ناشئ عن قصد إلهى . وان المطلوب من الانسان الذي هو أفضل مخاوق على هذه الكرة الارضية ان يقوم بدوره فى تحقيق مشيئة الله وذلك باتباع طريق الفضيلة والمعرفة والحكمة والانجازات الخلاقة . فحياة الانسان إذا تشبعت بالايمان تصبح ذات قصد ومعنى.
ومن ابرز نواحي الضعف فى النظم التربوية الشائعة فى العالم الاسلامى تقصيرها النسبى فى غرس الايمان فى النفوس . الامر الذي يترك فراغا عقائديا فى حياة الاجيال الناشئة وهذا الفراغ تملؤه العقائديات الزائفة التى تغزو المجتمعات الاسلامية.
(2) نشر الفضائل الاخلاقية يكون الهدف الثاني للتربية الاسلامية بعد غرس الايمان بالله . فالمطلوب من المسلم أن يتحلى بالفضائل الاخلاقية الكريمة التى نص عليها القرءان الكريم ومارستها السنة النبوية الشريفة . إن اعتقادنا الراسخ الذي هو نتيجة خبرة ودراسة تزيد على النصف قرن هو ان المجتمعات الاسلامية لن يتسنى لها النهوض الصحيح الا بتربية اسلامية تؤسس على الايمان والفضيلة معا .
(3) إن كلا من الايمان والفضيلة يقودان الى الحياة الدمقراطية . فالدمقراطية الى جانب كونها اسلوبا أو نظاما فى الحكم فانها ينبغى أن تصبح هدفا من أهداف التربية الاسلامية . ذلك لان الدمقراطية باسمى معانيها تعنى
الشورى والمشاركة فى التفكير والتخطيط والتنفيذ من قبل كل الافراد الذين يشكلون جماعة موحدة المصالح والاهداف . والشورى كما هو معاوم هى من أسس التعاليم الاسلامية . ولذلك فالدمقراطية ينبغى ان تمارس فى البيت وفى المدرسة وفي المشاريع الاقتصادية وفي تسيير شؤون الدولة وهى تتطلب التقدير والاعتراف المتبادل بين اعضاء الجماعة على اختلاف مستوياتهم . انها تستخدم اسلوب الحوار والمحاكمة العقلية وتزن الحقائق والمصالح التى تهم المجموع . إنها تستهدف تحقيق "الخير الاعظم للعدد الاكبر" من الافراد . ثم إنها تقرن حق الفرد بالحرية والكرامة بدرجة تحمله المسؤولية إزاء الجماعة . فلا حرية بلا مسؤولية.
(4) ومن الهدف الدمقراطى فى التربية الاسلامية ينبع هدف العدالة الاجتماعية . فالتخطيط التربوى ينبغى ان يؤسس على مبدأ العدالة الاجتماعية وذلك بتهيئة فرص تعليمية متساوية لكل افراد الجماعة بدون تمييز أو تحيز على أساس الرس أو اللون أو الطائفة الدينية أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية أو المحسوبية والمنسوبية أو الموقع الجغرافي أو المستوى الحضارى.
فابناء القبائل وابناء الريف ينبغى ان تهيأ لهم الفرص التعليمية ذاتها التى تهيأ لابناء المدن . والمرأة ينبغى أن تحصل على فرص فى التربية والنمو تساوى ما يحظى به الرجل .
(5) ان التخطيط التربوى ينبغى أن يستهدف تنمية الولاء والصفاء وروح التعاون والتعاطف بين ابناء الأمة . فالولاء والصفاء فى داخل الاسرة وبين افراد المجتمع وبين المواطنين والدولة وبين الاخوة المسلمين فى شتى انحاء المعمورة وبين بنى الانسان فى كل مكان ينبغي ان يكون من اهداف التربية الاسلامية ، فالعالم الاسلامي اليوم يعاني من آلام الخلافات والانقسامات وفقدان الانسجام بين افراد العائلة الواحدة وبين ابناء قطر واحد وبين دولة اسلامية واخرى . إن عوامل التفرقة قد تكون مفتعلة أحيانا وقد يدسها العدو بطرق شيطانية غير مباشرة . فالمطلوب من التربية الاسلامية أن تستهدف الحياة الاسلامية التى يسودها الاخاء والصفاء وأن تنمي الولاء للاسرة وللامة ولأولى الأمر.
(6) التخطيط التربوى الاسلامى ينبغي ان يستهدف بصورة أكيدة نشر العلوم الحديثة والتقنيات بين المسلمين . فبالعلم الحديث والتقنيات يتخلص المسلمون من رواسب التخلف وينتقلون من عصر ما قبل العلم الى عصر
العلوم الحديثة في المستوى المعاشى والحضارى . التخطيط التربوى ينبغى أن يعمل على غرس حب البحث عن الحقيقة بين المسلمين بحيث يسر الفرد المسلم وينشرح بكل معرفة جديدة وبكل اكتشاف.
(7) والتخطيط التربوي الاسلامي ينبغي ان يستهدف تأمين الصحة والسلامة الجسدية والعقلية بين المسلمين كأفراد وكجماعات ، فيجب أن يؤكد على أهمية النظافة والتغذية المتوازنة والرياضة البدنية والراحه لضمان الصحة والنشاط . كما يؤمل غرس مقاومة الدخان والكحول والمخدرات العلاقات الجنسية المحرمة باعتبارها ضارة بالصحة العامة للافراد والجماعات. وربما كانت الفرائض الاسلامية وفي مقدمتها الصلاة والصوم من أهم مقومات الصحة الجسدية والنفسية ولذلك فالتخطيط التربوى الاسلامى ينبغى ان يؤكد على ممارسة الفرائض الدينية.
(8) التخطيط التربوي الاسلامي ينبغي ان يستهدف جعل كل افراد الامة عاملين ومنتجين بحيث يضيف كل فرد من ابناء الامة حسب طاقته ومواهبه الى ثروة المجتمع ورفاهه . يجب ان يربى الجميع على مزاولة العمل اليدوى احترامه ، فالذين يشتغلون بأيديهم ينبغى ان تهيأ لهم الفرص ليتمتعوا بالحياة الفكرية والجمالية . والذين يشتغلون بادمغتهم ينبغى ان تتاح لهم الفرص ليتمتعوا بالاشتغال بايديهم . فلا امتيازات ولا محاباة لاصحاب "الياقات البيضاء" فى المجتمع الاسلامى.
(9) ان التخطيط التربوى الاسلامى ينبغى أن يشجع التمتع بالفنون الجميلة بحيث يصبح الشعر والرسم والموسيقى والتمثيل فى متناول الجميع كما ينبغى ان يعنى بالسمو والابداع فى هذه الفنون . فالموهوبون ينبغي ان تتاح لهم الفرص لينموا مواهبهم وغير الموهوبين لهم ان يتمتعوا بالفنون الجميلة التى تتسم بالسمو والكمال والحيوية وان تشجب الفنون التى تتسم بالميوعة والتخنت أو التى تشجع اليأس والبؤس والبكاء.
ولما كانت المجتمعات الحديثة تتمتع بفضل التقنيات بأوقات فراغ وعطل تشكل جزءا هاما من حياة الفرد المعاصر فيصبح التمتع بالفنون الجميلة وممارستها من أهم النعم التى ينعم بها الانسان فى المدنية الحديثة ذلك الى جانب أعمال مفيدة كالبستنة أو الالعاب الرياضية أو الاعمال الحرفية أو الهوايات النافعة كالمشاريع والخدمات الاجتماعية أو التمتع بجمال الطبيعة والقيام بالرحلات الكشافية والاسفار والمطالعة الحرة الى غير ذلك .
(10) إن التخطيط التربوى الاسلامى يبغى ان يستهدف جعل المسلمين يدركون بأنهم يعيشون فى عالم واحد . فقد ذابت المسافات وتشابكت المصالح بين الامم والشعوب وقامت المنظمات الاقليمية والدولية لتنظم التعاون والتلاقي بين الدول على أساس البر والتقوى ومقاومة الاثم والعدوان . وهذا الجو الانساني الجديد يقدم فرصة للمسلمين بأن يقدموا للانسانية القدوة الحسنة فى حياتهم وفي معاملاتهم فيما بينهم ومع غيرهم من الامم والشعوب وهذه الفرصة تلقي على عاتق المسلمين مسؤولية حمل رسالة الاسلام الانسانية الى البشرية كافة . وهذا اسمي ما تصبو اليه التربية الاسلامية الحق.
بعد ان استعرضنا بصورة موجزة الاهداف المقترحة للتخطيط التربوى الاسلامى ها نحن فيما يلى نقترح بعض الوسائل والاساليب التى يمكن ان يستعان بها في تحقيق الاهداف المار ذكرها أعلاه :
(1) الاخذ بمبدأ الشمول والترابط والانسجام فى تحقيق الاهداف : فحياة الانسان الصحية والعقلية والاجتماعية والعلمية والجمالية والاخلاقية والروحية والعملية ينبغي ان تكون كلا موحد . وينبغى ان تكون تنمية الفرد كشخصية موحدة منسجمة فى داخلها ومنسجمة مع المجتمع الذي يعيش فيه . ومع أن التربية تكون متعددة الجوانب وتشتمل على الدرس والعمل واللعب والتعبير المبدع والعبادة التى يمارسها كل فرد من الافراد فان هذه الافعال تكون وحدة متكاملة هي شخصية الفرد ضمن شخصية أكبر هى شخصية الامة .
(2) الاعتراف بالفروق الفردية والقابليات والاولاع الخاصة لدى الافراد ينبغي ان يحسب حسابه فى تخطيط كل النشاطات والبرامج التربوية للافراد والجماعات . ينبغى استثمار المواهب الخاصة لدى الافراد كما ينبغى مراعاة الظروف الخاصة والاحتياجات التى يتطلبها بعض الافراد.
(3) المشاركة فى الافعال وفي الحوار بين جماعات الطلاب وبينهم وبين مدرسيهم ينبغى ان تصبح الطريقة المعمول بها فى التعليم فى المواضيع الاجتماعية والعملية والفنية والدينية . فينبغي تشجيع العمل المشترك التعاونى .
(4) الى جانب العمل التعاونى ينبغى تشجيع العمل الفردى المستقل فى المطالعة وفي البحث وفي الدروس التى تتطلب مهارات خاصة كما هو الحال فى الحسابات واستعمال الآلة الراقنة أو البيانو . هذا وان التربية الحديثة تؤكد على تنشئة الفرد على الاستقلاك الذاتى فيعمل على تربية نفسه بنفسه
وينمي معارفه ومهاراته بنفسه . أما المعلم فيقلل من دور التعليم ويتولى توجيه الطالب وارشاده الى المراجع ويصحح له اخطاءه على الأكثر.
(5) ان الجو التربوي ينبغي ان يسوده التعارف والتآليف بين الطلاب والمدرسين فيصبح شبيها بالجو العائلي . والعلاقة بين المدرسة وأولياء الطلاب ينبغي أن تكون علاقة تعاون وتفاهم دائمين لخير الطلاب .
(6) المسؤولية والشعور بالواجب ينبغى ان يصبحا شعار كل الذين يتولون شؤون التربية الاسلامية . كما ينبغى تشجيع الطلاب على ادارة شؤونهم بانفسهم على قدر المستطاع مع تحميلهم المسؤولية وهذا يعنى مشاركتهم في شؤون الحياة المدرسية بما فى ذلك الانضباط الذاتى واقتراح كل ما من شأنه حفظ النظام وضمان حسن سمعة المدرسة . فلا يجوز فى نظرنا الاخذ بمبدأ "التربية الرخوة" ينبغى تشجيع " الفحص الذاتى" و "النقد الذاتي" وان يصبح البروز" و"التفوق" للفرد وللجماعة هدفا لكل فرد.
(7) نحن نقترح ان يدرس بجد موضوع الغاء الاقسام (الصفوف) وأن يصبح التعليم في البلاد الاسلامية "افراديا" إن نظام الصفوف (الاقسام) الذي اقتبسناه من الغرب يتطلب ان يسير الطلاب جميعا بسرعة واحدة وان بدرسوا جميعا الدروس عينها لمدة محدودة وان يجتازوا امتحانا واحدا آخر السنة الدراسية . ومن يرسب يعيد السنة أو يطرد وفي ذلك خسارة جسيمة للخزينة وللفرد . خسارة مادية ومعنوية.
ففي التعليم الافرادى يسير كل طالب فى الدراسة بالسرعة التى تناسبه فليس أمامه رسوب أو اعادة السنة . فانه يستمر على دراسة الموضوع حتى يتمه ويتقنه وكل طالب يكون مسؤولا امام المدرس عن المواضع التى تعهد القيام باتقانها . إن افرادية التعليم هي ظاهرة جديدة فى بلاد الغرب ولكنها بالنسبة للعالم الاسلامي هي عودة الى الاصول . فان التربية الاسلامية في عصور ازدهارها كانت تربية افرادية الا فى المحاضرات العامة أو الخطب الجمعية .
(8) ان الأثاث والادوات التربوية ينبغى ان تتكيف وتتطور وفق البيئة الطبيعية ووفق الظروف المادية للدولة . فليس من الضرورى صرف الملايين من الدنانير على بناء مدرسة قروية كما شاهدت ذلك فى احدى قرى المانية الغربية . ففي عالمنا الاسلامي يمكن ان يجرى التعليم فى خيمة أو فى غابة أو فى فناء مسجد تحت الاشجار . إذا كانت الموارد المادية شحيحة يجب التكيف وتوخي البساطة.
وقد عمل كاتب هذه السطور على تأسيس نماذج لمدارس للقبائل البدوية فى العراق (فى الثلاثينات من هذا القرن) حيث يجرى التدريس فى خيمة وهذه تحمل على ظهور الجمال وترافق القبيلة فى حلها وترحالها . كما يمكن ان يجرى التدريس في ظل شجرة باسقة على احسن وجه . وتجربة المدارس فى الهواء الطلق معروفة ولها دعاتها.
وبدل المقاعد والقماطر الثابتة المعمولة من الحديد والتى تكلف الخزينة مالا باهضا يمكن استعمال كراسى خفيفة تطوى وتحمل كما يمكن استعمال حصر ووسائد فى بعض الحالات . المهم أن نعني بالمحتوى التربوى وبالجوهر . أما الوسائل فانها قابلة للتكيف والتطور حسب البيئات وحسب الامكانات.
إن الوسائل السمعية البصرية ووسائل الايضاح ضرورية فى التدريس ولكنها يمكن ان تصنع محليا فى العديد من الحالات بدل ان تستورد من الخارج وتثقل كاهل الخزينة ولا سيما فى البلاد غير الثرية بالبترول.
(9) حيث تتوفر الموارد المالية يمكن تأسيس مجمعات تربوية تتكون من مبان دراسية وورشات عمل ومزرعة وساحات لعب ومسجد وقاعة اجتماع . يشغلها كلها الطلاب بالتناوب والتعاقب فبينما تشغل جماعة ابنية الدراسة يشتغل آخرون فى المعامل وفي المزرعة وجماعة ثالثة فى الرياضة البدنية وجماعة رابعة فى قاعة الاجتماع وعند انتهاء الوقت المحدد يتناوبون ويتعاقبون فى اشغال المرافق . فالبناء الدراسي الذي يتسع لثلاثمائة طالب فى الوقت الواحد يمكن ان يستخدم لستمائة او تسعمائة طالب . ويبقى الطالب مشغولا طوال النهار فى المرافق المختلفة بين المجمع التربوى.
من الأمور المألوفة فى البلاد النامية ان تشاهد بناء فخما يبنى ليكون مدرسة ولكنه يبقى خاليا فى ساعات عديدة فى اليوم وفى شهور عديدة من السنة وفى هذا تبذير ولا شك . فالتخطيط التربوى للعالم الاسلامى ينبغى أن يؤمن الاستفادة الكاملة من المبانى والتجهيزات بحيث يستفاد من البناء ليل نهار . فبعض الطلاب يدرسون نهارا . والطلاب الذين يساعدون أولياءهم فى كسب الرزق والراشدون قد ترتب لهم دراسة ليلية. كما يمكن الاستفادة من المبانى فى العطل المدرسية.
(10) الاخذ بنظام التعليم التعاونى : ففي العديد من البلاد الاسلامية لم يتوفر العدد الكافى من المدرسين الاكفاء . ففي هذه الحالة يمكن ايجاد هيئة تعاونية من المدرسين ذوى المستويات المتفاوتة . يقود الهيئة اقدر المدرسين أو
"المعلم الاول" فيخططون الدروس معا ثم يتولى كل مدرس تنفيذ ما يودع اليه من التدريس وفق الخطة المتفق عليها تحت اشراف المعلم وبمساعدته فالمعلم القليل الخبرة أو الضعيف فى المستوى العلمي يقوم بالتدريس باسعاف "المعلم الاول " وعملا بالمبدأ ذاته يمكن الاستعانة بالطلاب المتفوقين فى مادة ما ليساعدوا زملاءهم من الطلاب المتخلفين فى شرح مادة الدرس الذى يلقى عليهم وحل المسائل التى تعسر عليهم.
ان النظام التعاوني في التدريس هذا هو من أحدث ما توصل اليه الفكر التربوي في السنوات الاخيرة مع أنه بالنسبة للعالم الاسلامى ليس بالامر الجديد فالتربية الاسلامية فى العصور الغابرة عملت بهذا الاسلوب.
(11) الخدمة التعليمية بدل الخدمة العسكرية : فى ظروف لا تكون فيها الخدمة العسكرية ملحة لسلامة الوطن يمكن الاقتصاد فى نفقات التعليم وذلك بتشريع قانون باأذن لذوى المؤهلات العلمية من خريجى الثانويات أو الجامعات بأن يؤدوا خدمة تعليمية بدل الخدمة العسكرية كلا أو جزءا . فخريجوا الثانويات أو الجامعات يمكن أن يحصلوا على دورة فى أصول التربية والتعليم فيعهد اليهم التدريس في المدارس الابتدائية أو الثانوية أو ان يقوموا بتدريس الراشدين وذلك بدلا من الخدمة العسكرية كلا أو جزءا .
(12) اعداد الدروس والواجبات المدرسية فى المدرسة : لما كانت بيوت العديد من الاطفال وحياتهم العائلية لا تؤمن لهم الجو الملائم للدرس واعداد الواجبات المدرسية نقترح تخصيص ساعات للمطالعة واعداد الدروس فى داخل المدرسية وتحت اشراف المدرسين والمدرس المشرف أو (المراقب) قد يساعد الطلاب الذين يجابهون مشاكل خاصة فى دراستهم.
(13) ملاءمة العطل المدرسية مع البيئة الطبيعية والحاجات الاقتصادية . فيمكن جعل العطل صيفية أو شتوية حسب أوضاع الطقس لكل اقليم . ففى الاقاليم الجبلية حيث تكثر الثلوج وتنقطع المواصلات قد يفضل ان تكون العطلة شتوية . وفي المزارع حيث يحتاج الآباء إلى سواعد أبنائهم أيام الحصاد أو قطف الزيتون مثلا يمكن ملاءمة العطل مع المواسم الزراعية.
(14) تقليص البورقراطية وكثرة المراجعات وذلك باشاعة اللامركزية على قدر الامكان واعتبار المعاهد التربوية ذات استقلال ادارى وتربوى لانها تمثل مجتمعات يوثق بها . ثم ان جوا من التشاور والترابط والتلاقي المستمر يجب
ان يتوفر بين الهيئات التعليمية والادارية بحيث تقلص المخابرات القرطاسية الى أدنى حد ممكن.
(15) التربية المستمرة : إن الحديث المأثور "اطلب العلم من المهد إلى اللحد" ينبغي أن يؤخذ به حرفيا . لان تربية الانسان تبدأ مع الولادة ) ان لم نقل من بداية الحمل) وتستمر طوال حياته . فالبيت والمدرسة والمكتبة والجامع والمحيط الاجتماعى والاقتصادى والسياسى ووسائل الاتصال الحديثة من راديو الى التلفاز الى السينما وكذلك الطبيعة والكون كله يلعب دورا فى تربية الانسان باستمرار . فالتخطيط التربوى الاسلامى يبغى ان يعمل على نشر الوعى والرغبة الدائمين عند المسلمين على اختلاف اعمارهم ومستوياتهم ليعملوا على تربية أنفسهم وتنميتها فى كل نواحي حياتهم.
تخطيط السلم التربوى : إن التخطيط التربوي الاسلام فى وسعه ان يبنى مراحل الدراسة ويطورها على ضوء ما يقره علم النفس النشوئى وعلى ضوء تطور البلاد وتقدمها اقتصاديا وثقافيا . وها نحن فيما يلى نقترح الاخذ بالمراحل التالية على ان تكون قابلة للتكيف وللتحوير :
التخطيط للتربية العائلية وقبل السن المدرسي : إن علم النفس التربوى يؤكد تأكيدا قويا على أهمية تربية الطفل فى السنوات الاولى بل وعلى الاخص فى الاشهر الاولى من حياته . ومع أن الطب الحديث قد تقدم كثيرا فى ضمان صحة الطفل وحياته فى السنوات الاولى من العمر الا ان وفيات الاطفال في البلاد الاسلامية ما يزال عاليا نسبيا . كما ان وسائل العناية بالاطفال ليست متوفرة للجميع . وهذا يلقى على المجتمع الاسلامي واجب التخطيط الجاد لبناء بيوت صحية وتوفير الرزق الكافى للوالدين لتعم الحياة العائلية السعيدة وليحظى الاطفال بالعناية وبالتربية الصالة فى البيت تربية تؤمن نموهم الجسدى والعقلي وسلوكهم الاجتماعى والاخلاقي كما يأمر بذلك الدين الاسلامي الحنيف . ولتأمين تربية الطفل فى البيت تربية صالحة لابد من اعداد الوالدين وارشادهم الى أهمية وأساليب العناية بالطفل ولذلك تقترح تنظيم دورات دراسية للذين ينوون انجاب الاطفال من آباء وأمهات المستقبل تعرفها وتوجههم ليصبحوا آباء صالحين وأمهات صالحات فى المستقبل.
والمطلوب من المجتمع الاسلامى ان يسرع فى تحرير المرأة فى كل مكان وأن يحلها المحل الانسانى اللائق بها فتتمتع بالقيم والحقوق الانسانية التى
يتمتع بها الرجل على قدم المساواة . وأن يعنى بتربيتها لتصبح أما صالحة ومواطنة مسلمة تخدم أسرتها خاصة والمجتمع الذي تعيش فيه عامة والرجل بدوره ينبغي ان يربى تربية عائلية كريمة ليصبح رب الاسرة والاب الصالح الذي يتعاون مع زوجته لتزويد الامة بالابناء الاصحاء الصالحين.
ان الضعف الاساسي في المجتمع الاسلامى اليوم يرجع فى نظرنا إلى حد كبير إلى العائلات المتخلفة التى قد تقصر فى تنشئة ابناء أصحاء سعداء ذوى آداب اسلامية وحب للنظام وتحمل للمسؤولية.
هذا ولابد للمجتمع الاسلامي من توفير العناية بأطفال الامهات العاملات حيث ينبغي ان يطلب الى المعامل والمؤسسات التى تستخدم الامهات ذوات الاطفال في تأسيس دور حضانة تعنى بالطفل الرضيع اثناء غياب امه على ان يسمح للأم لتقوم برضاعة طفلها فى الاوقات المحددة لذلك.
وحين يبدأ الطفل بالتجوال فى البيئة ويرغب فى اللعب مع أقرانه يستحسن توفير رياض أطفال تعنى بتربيته وهى عبارة عن معاهد يسودها جو من الحركة واللعب مع عناية بنمو الطفل الخلقي والفكرى والاجتماعى فى جو صحى . وليس من الضرورى ان تكون هذه المعاهد ذات مرافق ضخمة ومواد باهضة التكاليف بل يمكن ان تشبه بيئة ريفية فيها الحيوانات والنباتات وساحات اللعب . واذا لم تتوفر رياض الاطفال فمن الضرورى فى نظرنا توفير حدائق فيها ساحات لعب تخصص للاطفال فى كل ناحية من نواحي المدينة وفي كل قرية . وفي هذه الحدائق يلعب اطفال المحله (الحومة) تحت رقابة عدد من الامهات . فالامهات اللواتى يرسلن اطفالهن للحديقة يمكنهن تنظيم تعاونية تقوم بتنظيم أوقات التطوع للامهات اللواتى يتناوبن على مراقبة الاطفال فى الحديقة . والمهم فى نظرنا هو توفير محيط سعيد وصحي للاطفال قبل السن المدرسية حيث يمكنهم اللعب وينعمون بالرفقة الصالحة ويعودون على استعمال اللغة الواضحة والآداب الاجتماعية.
التربية الإبتدائية : تبدأ فى السن السادسة أو السابعة للطفل وتستمر من خمس الى ثمانى سنوات . وهذه التربية تكون عامة لكل أطفال الشعب وهى اجبارية فى كل البلاد المتقدمة . أما العالم الاسلامى فان التربية الابتدائية لم تتوفر فيه لكل ابناء الشعب بعد ولم تصبح الزامية قانونيا بعد الا فى القليل من الاقطار الاسلامية مع أنها الزامية من الناحية الدينية . ذلك بمنطوق الحديث الشريف "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
والمطلوب من التربية الابتدائية ان تزود الجيل الاسلامى الناشئ بالافكار والافعال والاوضاع النفسية والعادات المطلوبة للحياة الانسانية الصحيحة وذلك بتحقيق الاهداف التربوية التالية :
(1) ايقاظ العاطفة الدينية النبيلة فى نفس الطفل العاطفة التى تتضمن التعاطف والتراحم والمحبة والاخاء بين الافراد ذلك مع تقدير نعم الخالق عز وجل وشكره على نعمه مع تعويد الطالب على أداء الفرائض وتلاوة القرآن الكريم .
(2) غرس الفضائل الاخلاقية الاسلامية والعادات الكريمة فى حياة الطالب مدعمة بآيات من القرآن الكريم وقصص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم.
(3) تنميه الشعور بالترابط والتلاحم وغرس الولاء والحب للعائلة والمجتمع والدولة والاخوة الاسلامية مع تقدير الشعوب المحبة للسلام والحرية ويستعان ببسائط التاريخ والجغرافية والتربية الوطنية لتحقيق هذه الاهداف .
(4) تزويد الطفل بالحقائق الصحية الاساسية وتعويده على ممارسة النظافة والجدارة البدنية وتناول الغذاء الموزون وتحذيره من أخطار البيئة ولا سيما من حوادث السير والتدخين والكحول والمخدرات.
(5) غرس حب الاستطلاع ومشاهدة الطبيعة فيه وجعله يدرك ان جهود الانسان المتراكمة ادت الى اكتشافه الموارد الطبيعية واستثمارها والمحافظة على بقائها .
(6) غرس حب العمل والانتاج فى الطفل وجعله يفخر بالانتاج والابداع . وهذا يتطلب تهيئة الفرص الكافية ليتعاطى الطفل الاشغال اليدوية في الفلاحة وفى أعمال الخشب والفخار والادوات الميكانيكية الى غير ذلك . وقد احسنت وزارة التربية القومية فى تونس باضافة السنتين السابعة والثامنة الى الدراسة الابتدائية مع الاخذ بمبدأ التوجيه الى الفلاحة والاشغال الصناعية في هاتين السنتين.
(7) غرس تقدير الفن الجميل فى الطفل وجعله يساهم في الخبرات الموسيقية والرسم والشعر ورواية القصص والتمثيل الروائى الى غير ذلك ...
(8) إن القراءة والكتابة والحساب تشكل الادوات التى بها تكتسب التربية الاساسية. فالاطفال في سن الدراسة الابتدائية ينبغى ان يتعلموا التعبير عن أفكارهم بلغة الأم فيتكلمون ويقرؤون ويكتبون بوضوح وبصورة صحيحة كما يطلب اليهم ان يتعودوا على الدقة فى القياس . ولما كانت القراءة والكتابة بهذه الدرجة من الاهمية وجبت العناية التامة بها فى الدراسة الابتدائية وعدم التقدم فيها الا بعد اتقان وتأكد فى كل مرحلة من مراحل الدرس.
(9) ان التخطيط للتربية الابتدائية تتطلب الاعتماد على الاحصاءات الاستعداد لقبول العدد المؤمل التحاقه بالمدرسة الابتدائية واعداد العدد الكافي من المدرسين للعدد القادم من الطلاب.
(10) نحن نعتقد بأن الهيئة التدريسية ينبغى ان تساهم فى وضع برامج الدراسة وان يترك لها المجال الواسع للتكيف والتصرف بهذه البرامج وفق ظروف الطلاب والبيئة . والمهم هو ان يكون نوع التربية التى يؤخذ بها مطابقا للمثل العليا والفضائل والآمال الاسلامية.
التربية الاساسية للراشدين : من المعلوم أن الأكثرية الساحقة من الراشدين في العالم الاسلامي اليوم هم أميون لا يحسنون القراءة والكتابة وهذا ما لا يتفق وتعاليم الاسلام . فبالقراءة والكتابة يتحرر الانسان من محيط ضيق محدود وينتقل الى عالم واسع بعيد الارجاء . القراءة والكتابة تضيف إلى حياة الانسان ابعادا حديدة فى الزمان والمكان وتوسع آفاق حياته . ثم إن القراءة والكتابة ضروريتان للحياة المدنية الحديثة وهما كالسمع والبصر وسائل لتوسيع وثراء خبرات الانسان ، فالقراءة والكتابة ينبغى ان يستخدما لمساعدة الراشدين على التمتع بحياة هي أكثر رخاء وسعادة ونجاعة من الحياة التى يعيشها الأمى .
هذا وان الحد الادنى لما ينبغى ان يحصل عليه الراشدون هو ما يعبر عنه بـ"التربية الاساسية " وهذه تتضمن الى جانب القراءة والكتابة تعلم مبادئ الدين الاسلامي والاخلاق والصحة والواجبات المدنية وبسائط العلوم والتمتع بالفن والادب . نحن نقترح ألا تقل مدة الدراسة فى التربية الاساسية عن السنتين .
هذا وان تربية الراشدين على نطاق واسع تتطلب مرافق عديدة ومعلمين وكتب ووسائل تعليمية ولا سيما الوسائل السمعية البصرية . وفيما يتعلق بالمرافق يمكن الاستفادة من المباني المدرسية والمساجد ودور الشعب
والنوادى والجمعيات الثقافية . ولذلك فلا نرى فى تعليم الراشدين اشكالا من ناحية المكان . واما ما يتعلق بالهيئة التعليمية فنقترح حيث لا يتوفر المال ان تجرى تعبئة على نطاق قومى بحيث يطلب الى كل مواطن متعلم أن يتطوع فيساهم فى مكافحة الامية بعض الوقت كما يمكن النظر فى جعل التدريس يعوض عن الخدمة العسكرية حيث يمكن ذلك ، ولا سيما للمتعلمات.
هذا ونقترح الاستفادة من الراديو والتلفاز الى جانب الكتاب فى التربية الاساسية . هذا وننصح ان تعد كتب خاصة بلغة مبسطة وحروف كبيرة لتعليم الراشدين . وبكلمة مختصرة فان توفير التربية الاساسية للراشدين يعنى ان الامة كلها تدخل المدرسة.
التربية الثانوية : هى المرحلة التربوية التى تلى مرحلة التعليم الابتدائى الاساسى . وهي تستمر من أربع الى سبع سنوات حسب الانظمة الدراسية المختلفة . إن هذه المرحلة هي من أكثر المراحل الدراسية اشكالا فى الفكر التربوى المعاصر . وانها فى نظرنا تحتاج الى درس عميق وتفكير واضح حول الاهداف التربوية والمحتويات الدراسية . فهى فى عالمنا الاسلامي تكون فى الغالب من النوع النظرى الذى يعنى بحشو المعلومات فى أدمغة الطالب فى الدرجة الاولى . ولذلك فهى تقود معظم الطلاب الى اعمال برقراطية فيصبحون من اصحاب "الياقات البيضاء" هاربين من الاعمال التى تتطلب دخول معترك الحياة العملية فى الصناعة أو الزراعة أو التجارة مثلا . بينما المطلوب من التربية الثانوية ان تلبى احتياجات كل الشبان والشابات الذين تتراوح اعمارهم بين الثانية عشرة والثامنة عشرة على اختلاف مواهبهم وقابلياتهم وميولهم فى اختصاصات وفى مهارات منوعة.
ولذلك نقترح أن يساهم كل طالب فى "جذع ثقافى" موحد ومشترك يدرسه كل الطلاب . ثم ان يتوفر لكل طالب مجال للاختصاص فى دروس أو مهارات تتفق وقابلياته وميوله.
فالجذع الثقافي المشترك الذي يفرض درسه على كل طالب ثانوى يتكون من الدين واللغة القومية والتاريخ والجغرافية والرياضيات العامة والعلوم العامة ولغة أجنبية واحدة على الاقل مع درس مشاكل الانسان المعاصر على ضوء مبادىء الدين الاسلامي.
أما مواضيع الاختصاص فلا حد لتنويعها فهى تتفرع وفق حاجات البيئة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة ووفق ميول الطلاب ومواهبهم من الجهة الأخرى . فالشاب فى مرحلة الثانوية يمكن ان يتجه الى الزراعه او التجارة أو البناء أو الميكانيك أو الكهرباء أو الفنون البيئية أو التمريض او الاداب او الدين أو الرياضيات أو الفيزياء والكيمياء أو علوم الحياة أو اللغات الحية او الخدمة الاجتماعية أو التعليم أو المواصلات برا وبحرا وجوا الى تربيه الدواجن وصناعة الالبان . وهلم جرا ... كل ذلك بالاضافة الى متطلبات الجذع الثقافى المشترك.
ومن المستحسن في المجتمع الاسلامى تشجيع المدارس الثانوية المسائية للراشدين الذين أتموا مرحلة التربية الابتدائية الاساسية بنجاح والدين يرغبون فى متابعة الدراسة.
يطلب الى المدارس الثانوية التى تديرها هيئات خاصة أو أجنبية ان تلتزم بتطبيق البرنامج الجذع عينه الذى تطبقه المدارس الرسمية بحيث تصان وحدة ثقافة الامة ويؤمن انسجام ابنائها.
ليس من المستحسن في نظرنا ان يحمل الطالب فى المرحلة الثانوية دروسا متعددة ، وذلك لتشجيعه على هضم ما يدرس وتجنب السطحية والتشويش الذهنى . وبدل كثرة الدروس يشجع العمل الفردى فى المكتبة فيتمكن من الرجوع الى المراجع الاساسية كالمعاجم ودائرة المعارف وأمهات الكتب ، كما تهيأ الفرص للعمل الفردى والجماعي في القيام بالتجارب العلمية فى الحقول وفي المختبرات (المعامل)، كما ينبغى تعويد الطلاب على أسلوب التفكير الواقعي الصحيح والحوار الحر . وتخصص أوقات للتمتع بالفنون الجميلة والالعاب الرياضية والاعمال الكشافية والفروسية والرحلات البرية والبحرية وتسلق الجبال إلى غير ذلك ... وفي كل هذه الاعمال وفي كل فرصة سانحة ينبغي ان يغذى وينمي وعي الطالب الديني وسلوكه الاخلاقي.
ان مرحلة التربية الثانوية هي مرحلة حرجة فى عمر الفرد . اذ فى هذه المرحلة بدأ الطالب بالتفكير فى مستقبل حياته ، وفيها يكتشف موقعه وموقع اسرته فى المجتمع ، وفيها يبدأ واعيا بتنمية أولاعه واكتشاف امكاناته ، وفيها تتبلور مبادئه الاخلاقية ومثله العليا ، وفيها يكتشف الهوة القائمة بين اماله واحلامه وبين واقعه الذي يعيشه فى مجتمعه . فالطالب فى المرحلة الثانوية
يحتاج إلى صديق يرشده ويوجهه فى مغامراته الحياتية ومنها قضايا الايمان والعقيدة والاخلاق والمهنة . فالعائلة والعالم الدينى والاستاذ يقوم كل بدوره فرادى ومجتمعين فى مساعدة الطالب والاخذ بيده فى هذه المرحلة.
إن التربية الثانوية تتطلب أساتذة ومدرسين ذوى مؤهلات رفيعة فى موضوع اختصاصهم ومؤهلين فى الوقت نفسه فى شؤون التربية ليتولوا تربية الناشئة فى الاخلاق وفي العقيدة انها تتطلب أساتذة ومدرسين يعرفون نفسية الشباب ومشاكله المعاصرة.
التربية العالية : وهي التى تجرى فى معاهد خاصة أو فى كليات أو جامعات ويتم الانتماء اليها بعد اكمال التربية الثانوية . إن التربية العالية تتولى اعداد الاطارات التقنية والمهنية والاكاديمية التى تحتاج اليها البلاد الاسلامية . كما تتولى شؤون البحث والتحرى والاكتشاف فتضيف الى ثروة المعرفة البشرية . هذا وإن المستوى التربوى لاى بلد يقاس عادة بدرجة السمو الذى تحققه المعاهد العليا فى حقل العلوم المضبوطة والعلوم التطبيقية والعلوم الانسانية . ونظرا لما لهذا الموضوع من أهمية خاصة فانا نحيل القارىء الى ما جاء فى كتابنا " نحو توحيد الفكر التربوى فى العالم الاسلامي تحت فصل " دور الجامعة فى المجتمع الحديث " . وما نريد ان نورده هنا هو لاشارة إلى أهمية الاخذ بالنقاط الثلاث التالية فى التخطيط التربوى للعالم الاسلامى :
(1) ان العالم الاسلامي في حاجة ماسة الى زعامات اخلاقية ودينية . فالمطلوب من الجامعات الاسلامية أن تعد أساتذة فى الدين يجمعون بين العلوم الدينية وبين الدراسة الفاحصة للآراء العلمية والفلسفية والتيارات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة . فالمطلوب من هؤلاء الاساتذة أن يقودوا العالم الاسلامي فى طريق البعث الاخلاقي والاجتماعى الى جانب البعث الفكرى والتقنى وأن يبرهنوا للعالم أجمع بأن الدين الاسلامي يحقق الانضباط الدمقراطى والاخاء الانساني للانسانية كافة.
(2) ان العالم الاسلام يحتاج إلى عناية خاصة بموضوع التربية وبتربية المربين على قواعد اسلامية تجمع وتوحد بين الايمان والاخلاق والعلم والعمل . وإن أهمية تكوين المربين تزداد خطورة لأنهم هم الذين يقومون بالدور الرئيسى فى التخطيط التربوى فى العالم الاسلامى وهم الذين يشرفون على تنفيذ المخطط الذي يراد له النجاح.
(3) إن العالم الاسلامي اليوم هو فى أشد الحاجة إلى علماء ممتازين فى كل نواحي الاختصاص ولا سيما فى حقل العلوم المضبوطة والتقنيات . فالمطلوب تكوين هؤلاء العلماء من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين يتمتعون بدرجة عالية من الاخلاق والنزاهة الفكرية.
إن المجهود المشترك والموحد لعلماء الدين والتربية والعلوم والتقنيات هو الذي يحقق ما نصبو اليه من بعث اسلامي.
التربية خارج المدرسة وبعدها : إن التربية عملية حياتية لا تبدأ بالمدرسة ولا تنتهي بها . فخارج المدرسة وبعد اتمام الدراسة المدرسية يستمر النمو التربوى على مستويين : المستوى الاختصاصى والمستوى العام الشعبى . ولا بد للتخطيط التربوى فى العالم الاسلامى من ان يشمل المستويين :
فالتخطيط للمستوى الاختصاصى يتضمن تأسيس معاهد للابحاث ومختبرات ومكتبات اختصاصية . وكذلك انشاء جمعيات تعنى بشتى فروع المعرفة : في العلوم الانسانية وفي العلوم الطبيعية والحياتية وفى الفنون والآداب واللغات الى غير ذلك . والعالم الاسلامى يحسن صنعا لو عني باحياء التقاليد التى اتبعها فى أيام عزه وأمجاده في بغداد والاندلس يوم نقلت العلوم والتقنيات من الشرق ومن الغرب الى العربية . ونقحت وأضيف اليها إن مرحلة الترجمة والنقل يمكن أن ترافقها مرحلة انتاج وابداع فى العلو والتقنيات . ولا بد من تخصيص المبالغ الوافية للعلماء والباحثين ولتأسيس المختبرات (المعامل) والتجهيزات الحديثة كالادمغة الالكترونية والمكتبات المختصة بعلم من العلوم وتشجيع الاسفار العلمية وتبادل الاساتذة والخبراء العالميين.
أما التخطيط على المستوى الشعبى العام فقد يتخذ وسائل عديدة منوعة تمس حياة الشعب من كل جوانبها نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلى :
(أ) تأسيس مجمعات تربوية تجمع بين المسجد و"المركز الثقافي". فالمسجد الذى هو بيت الله مركز العبادة يصبح مركز اشعاع وتثقيف يتعاون مع " المركز الثقافي " أو " دار الشعب " أو " منظمات الشباب" فى توجيه الناشئة نحو الخير والمعرفة عن طريق المحاضرات العامة والافلام والتمثيل الروائى وصفوف تعليم الراشدين والمعارض الفنية الى غير ذلك.
(ب) قيام المنظمات الانسانية والسياسية والمهنية بتوعية الفرد وتربيته وبذلك تزيد فى قوة الامة وانسجام ابنائها.
(ج) الاهتمام بالمكتبات العامة وجعلها فسيحة جذابة وفي مواقع مركزية سهلة المنال . وتشجيع الناس على ارتياد المكتبات ومطالعة الكتب والمجلات القيمة . كما يمكن الاكثار من المكتبات المتنقلة التى تزور القرى والارياف فتزود أهلها بالكتب التى تستحق المطالعة . وذلك الى ان يتم تأسيس مكتبات ثابتة فى كل بقعة من بقاع الوطن.
المتاحف كالمكتبات ينبغي ان يخطط لها لتصبح مراكز لنشر الثقافة الانسانية.
(د) الاستعانة بالسنما والراديو والتلفاز لتصبح من وسائل التربية المستعمرة . وهذا يتطلب استبعاد المواد الرخيصة والتى تؤدى الى الميوعة والفساد من هذه الوسائل ، وتخطيط برنامج تربوى كامل للشعب ، برنامج يحتوى على الدين والصحة والاقتصاد والزراعة والادب والجغرافية والتاريخ والحياة المدنية وتعليم اللغة القومية والاجنبية والموسيقى الرفيعة.
(هـ) الاستعانة بالمطبوعات من صحف الى مجلات الى كتب على مختلف المستويات لتصبح وسيلة من وسائل التربية المستمرة . ولا حاجة للتأكيد على ان الذين يتولون شؤون المطبوعات ينبغي ان يكونوا على مستوى اخلاقي وفكرى عال ذلك ان جانب تمسكهم بالعقيدة الاسلامية.
وأخيرا نختم هذا البحث باقرار ان التخطيط للرقى والنهوض أصبح يشكل جانبا من حياة الانسان المعاصر . والتخطيط التربوى ينبغى ان يلعب دورا أساسيا فى تحقيق النمو والازدهار لكل دولة اسلامية خاصة وللعالم الاسلامى والانسانية عامة.

