استقبل العالم الاسلامى القرن الخامس عشر الهجرى وهو مثقل بما خلفته عهود التخلف والاستعمار من مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية واخلاقية وعقائدية . وفي الوقت نفسه نشاهد يقظة عامة تشمل كل أجزاء العالم الاسلامي تقريبا يقظة ترافقها عزيمة اكيدة للنهوض واللحاق بركب الحضارة العصرية وتحقيق المستقبل الافضل على أسس اسلامية قويمة وبروح متحفزة حركية . ان تحقيق ذلك يتوقف على اختياراتنا التربوية :
يقف المفكر الاسلامى فى مجابهة هذا الموقف الجديد متسائلا فى حيرة وتأمل ما هو الهدف ؟ وفي اى اتجاه نسير ؟ شرقا ام غربا أم على الصراط المستقيم ؟ ما هي الوسيلة لبلوغ الهدف ؟ من الطبيعى ان تكون الاجوبة على هذه الاسئلة مختلفة من بلد اسلامي الى آخر اذ هناك آراء ونظريات متضاربة تسيطر على هذا البلد الاسلامي او ذاك ، فمن تمسك باهداب الشريعة الاسلامية وتعليمها الى العلمانية إلى الالحاد . وهذا مما يزيد فى بلبلة الفكر التربوى الاسلامي ويعقد مشاكله .
ففي العالم الاسلامي اليوم من يرى ان التربية الاسلامية بصيغتها التقليدية وكما ورثناها بمحتواها وأساليبها هى ما يجب أن يعم . وان النظم الحديثة قد لا تضمن لنا تخريج علماء نقاة أو مواطنين شرفاء ، إنها تخرج اناسا يحملون شهادات تعطى بعد دراسات قد " تمزج السم بالدسم " . وقد تكون وبالا على مستقبل الامة والوطن . وهناك من يقول : ان التربية التقليدية باساليبها البالية وبمحتواها المتحجر لا تصلح لزماننا فهو يرى اقتباس النظم التربوية من الشرق الشيوعي أو الغرب الليرالى بعجرها وبجرها .
والتعليم الرسمى فى العديد من البلاد الاسلامية يتأرجح بين النظرتين وفي الغالب تطغي عليه النظرة الثانية نظرة الاقتباس من الغرب . فمعظم الدول الاسلامية اقتبست نظمها التربوية من الغرب وفيما اقتبسته الصالح والضار . فيه ما هو صالح لزماننا وفيه ما هو بال وسقيم باعتراف الباحثين والمفكرين في البلد الذى اقتبست منه النظم المستوردة . فما يقتبس من الخارج قد لا يلائم احتياجاتنا وظروفنا ومما يؤاخذ عليه النظام المقتبس هو عدم عنايته عناية كافية بالتكوين الدينى والاخلاقي لناشئتنا . كما انه فى التطبيق عندنا قد يعمل على "قولبة " الطالب ويحجر حريته وافكاره كما انه قد يرهق الطالب بتعدد المواد النظرية الجافة المطلوب حفظها ببغائيا لغرض اجتياز الامتحان ونيل الشهادة كما ان التربية كما تمارس عندنا لا تعنى العناية الكافية بالاتصال بالحياة وبالواقع النتيجة هى أن الانظمة المعمول بها فى العديد على الاقطار الاسلامية قد تخرج طلابا اتكاليين لم يهيأوا للخوض فى معترك الحياة . انهم عالة على الدولة ينتظرون من الدولة ان تطعمهم وتكفل معاشهم باقل ما يمكن من الجهد والتعب من قبلهم . فتربيتنا المدرسية فى الغالب تفصل بين العلم والعمل وبين الفكر واليد .
إن كلتا النظرتين الى التربية - النظرة التى تدعو الى الاخذ بالقديم وتعاف الجديد أو النظرة التى تزدرى بالقديم وتحاول تقليد الغرب تقليدا تاما - لا تحققان مطامح العالم الاسلامى الناهض . فالعالم الاسلامي يحتاج في نظرنا الى الاخذ بالفلسفة التعليمية الموحدة والموحدة التى تبنى على الاسس التالية :
1) درس اوضاعنا ومشاكلنا الدينية والاخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية . وتشخيص مواطن الضعف والقوة في كياننا الانسانى بتجرد وباسلوب علمي موضوعي جهد المستطاع .
2) درس تراثنا التربوى الاسلامي وتشخيص عناصر القوة فيه للاحتفاظ بها وتعيين مواطن الضعف لتجنبها .
3 ) درس ما حققه الغرب من انجازات قيمة فى الحقل التربوى واقتباس ما يلائمنا منها .
4 ) صوغ فلسفة تربوية متجددة للعالم الاسلامي تكون محصلة درسنا لاوضاعنا وتراثنا من جهة والاخذ بالعلوم المضبوطة وما انجزته فى حفل التقنيات من الجهة الاخرى .
5 ) القيام بتخطيط تربوى شامل يؤمن لنا الانتقال من حاضرنا المتخلف الى مستقبلنا الزاهر .
6) اعداد الوسائل من مال ومربين ومرافق وكتب واجهزة وادوات تربوية لتحقيق هذه الاهداف .
ان فلسفة التربية التى يحتاج اليها عالمنا الاسلامى اليوم ينبغي ان تبنى على قواعد : الشمول والتوحيد والتطور وهي ما ندعوها بالفلسفة التكاملية انها فلسفة تتفق تماما مع المبادئ التربوية التى يدعو اليها القرآن الكريم وانها تحتوى على كل ما جاء به العلم الحديث والتقنية الحديثة من خير وصلاح للانسانية .
وان هذه الفلسفة تتناول حياة الانسان الفرد والمجتمع من كل جوانبها . وها نحن فيما يلى نقترح الاهداف التربوية التالية آملين ان تحظى اقتراحاتنا هذه بالدرس والحوار من قبل المسؤولين عن شؤون التربية فى العالم الاسلامي :
1) كل عمل تربوى ينبغى ان يستمد هديه من الايمان بالله تعالى فالله سبحانه هو مربى المربين وعلى التربية الاسلامية ان توقظ الداعى الروحى فى الجماهير الاسلامية . وان تساعد المسلمين على ادراك ان هذا الكون لم يخلق عبثا بل انه ناشئ عن قصد إلهى ويسير وفق قوانين إلاهية وان المطلوب من الانسان الذى فضله الله على كثير من خلقه ان يقوم بدوره فى تحقيق مشيئة الله وذلك باتباع طريق الهداية والمعرفة والحكمة والانجازات الخلاقة . فحياة الانسان اذا تشبعت بالايمان تصبح ذات قصد ومعنى .
2) غرس الفضائل الاخلاقية في النفوس ، فالمطلوب من المسلم ان يتحلى بالفضائل الاخلاقية الكريمة التى نص عليها القرآن الكريم ومارستها السنة النبوية الشريفة ، ان اعتقادنا الراسخ هو ان المجتمعات الاسلامية لن يتسنى لها النهوض الحقيقى الابتربية تؤسس على الايمان والفضيلة .
3 ) ان كلا من الايمان والفضيلة يتوقان الى الحياة الديمقراطية الصحيحة ، ذلك لان الديمقراطية باسمى معانيها تعنى الشورى والمشاركة فى التفكير والتخطيط والتنفيذ من قبل كل الافراد الذين يشكلون جماعة موحدة المصالح والاهداف والشورى كما هو معلوم هي من مشمولات التعاليم الاسلامية . ولذلك فالديمقراطية (الشورى) ينبغى أن تمارس فى البيت وفى المدرسة وفي المشاريع الاقتصادية وفي تسيير شؤون الدولة ، وهى تتطلب التقدير والثقة المتبادلة بين اعضاء الجماعة على اختلاف مستوياتهم ومسؤولياتهم . ثم انها تقرن الفرد بالحرية والكرامة بدرجة تحمله المسؤولية ازاء الجماعة فلا حرية بلا مسؤولية .
4) ومن الهدف الدمقراطى ينبع هدف " العدالة الاجتماعية " وذلك يتطلب تهيئة فرص تعليمية متساوية لكل أفراد الجماعة بدون تمييز أو تحيز على أساس الرس او اللون أو الطائفة الدينية أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية أو الموقع الجغرافي او المستوى الحضارى ، فلا مجال " للمحسوبية والمنسوبية " فى التربية الاسلامية .
5 ) غرس وتنمية الوعى بالانتماء والولاء وممارسة التعاون والتعاطف بين أبناء الامه ، فالولاء والصفاء في داخل الاسرة وبين افراد المجتمع وبين المواطنين والدوله وبين الاخوة المسلمين فى شتى انحاء المعمورة ينبغي ان يكون من اهم اهداف التربية الاسلامية والعالم الاسلامي اليوم يعاني من آلام الخلافات والانقسامات وفقدان الانسجام بين افراد العائلة الواحوة وبين ابناء قطر واحد وبين دولة اسلامية واخرى ، ان عوامل التفرقة قد تكون نتيجة جهل او سوء تفاهم وقد يدسها العدو بطرق شيطانية غير مباشرة فالمطلوب من التربية الاسلامية ان تستهدف الحياة التى يسودها الاخاء والصفاء وان تنمي الشعور بالولاء للاسرة وللامة ولاولى الامر .
6) نشر العلوم المضبوطة والتقنيات بين المسلمين ، فبالعلم المضبوط وبالتقنيات يتخلص المسلمون من رواسب التخلف وينتقلون من عصر ما قبل العلم الى عصر تطبيق العلوم على الحياة الحديثة ، فالمطلوب غرس حب البحث عن الحقيقة فى المسلمين بحيث يسر الفرد المسلم وينشرح بكل معرفة جديدة وبكل اكتشاف .
7) تأمين الصحة والسلامة الجسدية والعقلية بين المسلمين كافراد وكجماعات . فيجب أن يؤكد على أهمية النظافة والتغذية المتوازنة والرياضية البدنيه والراحة الضرورية لضمان الصحة والنشاط ، كما يؤمل غرس مكافحة الدخان والكحول والمخدرات والعلاقات الجنسية المحرمة باعتبارها ضارة بالصحة العامه للافراد والجماعات ، ولا شك فى ان من اهم مقومات الصحة الحسدية النفسية تأدية الفرائض الاسلامية وفى مقدمتها الصلاة والصوم ، فالمطلوب من التربية الاسلامية ان تؤكد على ممارسة الفرائض الدينية .
8) نشر حب العمل المنتج وممارسته بين كل افراد الامة بحيث يضيف كل فرد حسب طاقته ومواهبه الى ثروة المجتمع ورفاههه ، ينبغي ان ينشأ الجميع على ممارسة العمل اليدوى واحترامه ، فالذين يشتغلون بأيديهم ينبغى أن تهيا لهم الفرص ليتمتعوا بالحياة الفكرية والجمالية ، والذين يشتغلون بأدمغتهم ينبغي ان تتاح لهم الفرص للاشتغال بايديهم .
9 ) ينبعى ان يشجع الابداع والتمتع بالفنون الجميلة التى تسمو بالانسان
كفن ترتيل القرآن الكريم أو الموسيقى الخالدة او الشعر الرفيع او الرسم والخط الجميل والتمثيل . كما ينبغى تشجيع الفروسية والسباحة والرماية كما نرجو ان نتجنب الفنون التى تتسم بالميوعة والتخنث أو التى تولد اليأس والبؤس في النفوس .
ان الوسائل الآلية الحديثة ستوفر للانسان وقتا كافيا للتمتع بالراحة والاستجمام . والفنون الجميلة والاعمال اليدوية والرحلات والالعاب الرياضية والمطالعة الحرة هي من أفضل ما يمكن ان يتمتع به الفرد فى هذه الاحوال .
10) ان التربية الاسلامية ينبغى أن تستهدف جعل المسلمين يدركون بانهم يعيشون فى عالم واحد مع البشرية جمعاء فقد ذابت المسافات وتشابكت المصالح بين الشعوب والأمم وقامت المنظمات الاقليمية والدولية لتنظم التعاون والتلاقي بين الدول على اساس البر والتقوى ومقاومة الاثم والعدوان وهذا الجو الانساني الجديد يتيح للمسلمين الفرصة لأن يقدموا للبشرية القدوة الحسنة فى حياتهم وفى تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم من الامم والشعوب ، وهذه الفرصة تهئ للمسلمين المجال لحمل رسالة الاسلام الى البشرية كافة وهذا اسمى ما تصبو اليه التربية الاسلامية الحق .
ان الاخذ بهذه الفلسفة التربوية يتطلب اعادة نظر جذرية وتخطيط جديد لنظمنا التعليمية والتربوية من حيث برامجها واساليبها ووسائلها . فان قضية التربية والتعليم في العالم الاسلامي تشكل أعظم مشكلة أساسية يجابهها العالم الاسلامي اليوم " اذ كما تكون التربية الاسلامية اليوم يكون العالم الاسلامى غدا " .

