الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

نحو جمهورية ديمقراطية

Share

وكان ما ليس منه بد ! قال الشعب كلمته (*) فحكم على الملكية ورضى الجمهورية نظاما للحكم لقد اجتمع نوابه الشرعيون ، اعضاء المجلس القومي التأسيسى ، يوم 25 جويلية 1957 المشهود بقصر باردو ونظروا في امر العائلة المالكة التى تصرفت فى حظوظ تونس تصرفا فرديا استبداديا مطلقا في أول الامر ثم لم تلبث ان لعبت دور الستار الذي مسك الاستعمار وراءه بجميع دواليب الحكم وساس هذه البلاد سياسة الاستثمار والقسر والقهر ، ثم نظروا فى نظام الملكية وفى مدى ملاءمته لواقع تونس اليوم ، غداة استقلالها فكان حكمهم واضحا وقرارهم باتا فى هذه اللائحة التاريخية المعلنة للجمهورية :

" نحن نواب الشعب اعضاء المجلس القومى التأسيسي بمقتضى ما لنا من نفوذ كامل مستمده من الشعب .

" وتنفيذا لاركان استقلال الدولة وسيادة الشعب " وسيرا فى طريق النظام الذى هو وجهة المجلس فى تسطير الدستور " نتخذ باسم الشعب القرار التالي النافذ المفعول حالا : " 1) نلغي النظام الملكي الغاء تاما " 2) نعلن ان تونس دولة جمهورية الخ "

وقد اختار ممثلو الشعب رئيسا للجمهورية احد ابناء هذا الشعب البررة عرف بحبه واخلاصه للشعب وتفانيه وتضحياته فى خدمة الشعب الحبيب بورقيبة .

وان المؤرخين المقبلين اذا هم راموا الالتفات الى هذه الحقبة التى تعيشها تونس والوقوف عند خصائصها وتياراتها ، ملاحظون - بدون ريب - ان اعلان الجمهورية التونسية لم يثر فى داخل البلاد من التساؤل والتخوف والقلق مثلما اثار فى الخارج ، ذلك ان الشعب التونسى لم يفاجا ولا صودم بقرار المجلس التأسيسى بل تلقاه وكأنه ينتظره من امد بعيد ، امرا طبيعيا وظاهرة سوية لم تتأخر عن ميعادها ولا سبقت أوانها فهو لم يتعد ان كان كالمتفرج فى المسرح تتسلسل امامه فصول الرواية وتجرى حوادثها فى نظام واحكام ثم يسدل الستار فليس له الا التعبير عما خلفت الرواية فى نفسه من الشعور بالرضا او السخط فيصفق او يصفر او يمسك عن هذا وذاك وتكون اللامبالاة ولا تزال حياة الناس فى جريانها والكرة الارضية فى دورانها .

وليس معنى هذا ان الشعب التونسى لم يعبا بهذا الحدث العظيم او ان مشاعره لم تتحرك له ولا اهتزت اليه فتلك سلبية ما عرفها فى تاريخه قط .

بل معناه ان البلاد التونسية لم تعش اياما حمرا ولا مرت بها اضطرابات وهزات عنيفة على نحو ما سجله التاريخ فى مختلف الاصقاع على ممر العصور .

ومعناه ان الامة التونسية لم تعش ازمة نفسية كالتى تعانيها الشعوب عندما تختلط امامها القيم وتتوالد الحوادث بسرعة يعسر معها تبين الصالح من الاصلح والاكيد من الاوكد وتلتبس السبل وان اتضحت الغاية .

ومعناه ايضا انها لم تنقسم على نفسها بل ان مختلف طبقاتها الشعبية  المتحفزة من تجار وفلاحين وشغالين وطلبة ومثقفين توحد اتجاههم مرة اخرى وتظافرت قواهم وتجاوب شعورهم وثبت عزمهم على كسر التقاليد ونسف العادات وقلب الاوضاع ما دام ذلك ممهدا الى الحياة الحرة الكاملة التى لم تزل غاية هذا الكفاح الجبار الذى قام به الشعب التونسى وضحى من اجله بالاموال والارواح .

واذن فاعلان الجمهورية التونسية حادث تاريخي تم انجازه بصورة طريفة لم يسبق لها مثال وعلى اسلوب جديد لم يعتده المؤرخون .

والذى يعلل ما سبق ان الحركة القومية لم تزل منذ نشأتها جمهورية شعبية فى صميمها موفية الى روح هذه الامة التى لم تلن قناتها قط منذ فجر

التاريخ والتى لم تقل مقاومتها للاجانب الغاصبين المحتلين منذ الرومان الى اليوم عن مناوأتها للطغاة المحليين وزهدها فى الحكم الفردى الاستبدادى ونفورها منه ، وليس من باب الصدف ان سمى حزب الامة نفسه منذ نشأته بالحزب الحر الدستور التونسى بل يدل ذلك على ان غاية الكفاح وهدفه الاسمى انما هو الدستور الذى يكفل للشعب الحرية ويضعه فى مأمن من اهواء الطغاة ونزوات الملوك وتقلبات الدهر ويحدد لكل فرد حقوقه وواجباته حتى يتيسر التعايش السلمي بين المواطنين وتتوفر اسباب الاحترام المتبادل والتعاون المشترك على بلوغ الغاية القصوى .

فالكفاح من اجل الاستقلال كان يرمي اولا وبالذات الى رفع الحواجز التى كانت تعرقل سير الشعب نحو الديمقراطية وتحول دونه ودون وضع دستور تكتمل فيه شروط العزة والكرامة والحرية الحق ، والاستعمار الفرنسي الى جانب ما كان ينطوى عليه من معاني القهر والنيل من الكرامة كان دائما حريصا على استبقاء النظام الملكى المطلق فى ابشع مظاهره حرصه على صون العادات الفاسدة والتقاليد البالية ما دام ذلك كله سدا فى وجه التقدم وافيونا مخدرا لاعصاب الشعب وضمانا - بالتالي - لبقائه والمحافظة على امتيازاته .

وقد يحسن ان ندقق ان النظام الملكى ليس فى حد ذاته مدعاة للاستعمار ولا عنصرا من عناصر انتصابه وبقائه فقد قاوم ملوك هجمات الاجنبى الزاحف وحموا حمى اوطانهم وآثر آخرون الموت الشريف على الحياة الذليلة المنقوصة وليس من شك انهم لم يقفوا - كلهم - تلك المواقف لوجه الله و لا حبا لشعوبهم وتفانيا فى خدمة اوطانهم بل ان الانانية وروح الاستعلاء واحيانا الشهامة والكرامة الفردية كثيرا ما حملتهم على الوقوف فى وجه العدو ومكافحة الدخيل على ان الذى لا شك فيه هو ان النظام الملكى بتونس قد سجل له التاريخ احلك الصفحات سوادا قبل الحماية الفرنسية وبعدها مما يضيق نطاق هذا المقال عن ذكر تفاصيله لذا نشأت الامة التونسية وتبلورت مقوماتها وانتشر الوعى القومى بين افرادها منذ ظهور الحركة الوطنية عام وغداة مؤتمر قصر هلال الخالد خاصة (سنة 1934 ) الى يوم اعلان الجمهورية .

كل ذلك وجد بل اوجد نفسه وفرضته طبيعة الاشياء فى هذه البلاد بدون ان يقام للعائلة المالكة وزن ومن دون ان يابه احد بالنظام الملكى او يذكر وجوده ويقرأ له حسابه بل ان سلوك " البايات " سواء لسوء تفهمهم لمطامح الشعب أو لمراوغاتهم ووضع ألاعيبهم أو أحيانا لمناوأتهم لقادة الامة واستخفافهم

بمصالحها العليا كثيرا ما أثاروا حفيظة التونسيين الاحرار وآلموهم واستحقوا سخطهم ونقمتهم فانعدمت الصلة بين " البلاد الشرعية " حينذاك " والبلاد الحقيقية " كما يقال ، بين بقايا الماضى وقوى المستقبل المتحفزة .

واذن فاعتماد الشعب التونسي على نفسه اثناء الكفاح المرير و " جهله " للعرش علماه ممارسة الجمهورية ومكناه من ان يحياها ويتشبت بمبادئها وينفذ اصولها وفروعها في واقعه اليومي : مؤتمرات الشعب والجامعات ، تأسيس الجمعيات والمنظمات وشتى المشاريع وما يستتبعه كل ذلك من مناقشة وتداول وتشاور وانتخاب وانتباه وتفكير فى الانتخاب بحيث يمكن القول بدون مجازفة بان الجمهورية التونسية واقع ملموس وحقيقة ماثلة منذ عشرات السنين انما اقتصر نواب الشعب فى جلستهم التاريخية يوم 25 جويلية على اكسائها الثوب الشرعي وصبغها بالصبغة القانونية وهذا كله يعلل ما ذهبنا اليه من ان اعلان الجمهورية لم يهز البلاد هزات عنيفة ولا احدث بلبلة وتطورات اجتماعية او نفسانية كما هز واحدث فى بلاد اخرى فى فى عصورنا الحديثة وقبلها .

كل ذلك لا يمنعنا من ان ننظر فى اعلان الجمهورية فى حد ذاته كحادث طرأ على هذا المجتمع من شأنه ان يغير طبيعة العلاقات بين المواطنين بعضهم مع بعض اولا وبين هؤلاء واولى الامر ثانيا .

والحقيقة انه اذا نظرنا إلى نشأة الجمهورية التونسية الفيناها ثورة باتم معنى الكلمة وخطوة شاسعة قطعها الشعب التونسي فى سبيل الديمقراطية الحق التى هى طريق الحرية والازدهار والسعادة .

واول ما يخالج نفس المواطن بعد انهيار عرش البايات شعور بالانطلاق والتحرر والرقي الى المنزلة التى هو مهيأ لها بالطبع والتي تجعله وبقية المواطنين على صعيد واحد وفي مرتبة واحدة ، لا اعلياء ولا ادنياء ، يستمدون جميعا حرمتهم وكرامتهم من انتسابهم الى جنس واحد ، جنس الانسان الذي خصه الله بالعقل السامى وافرده بالشعور الراقي والهمه التعلق بالكرامة والتشبث بالمساواة .

والنظام الملكى - لو حللته - يقوم على أساس التفاوت فى المنزلة بين الافراد ويوطد اركانه على ايهام الناس بانهم ليسوا من طينة واحدة بل خلقوا

بعضهم ليسوس ويسود وبعضهم ليطيع ويخضع ، لكن التاريخ يشهد بأن انتصارات الجماهير فى اطراد وان وعى الشعوب والافراد فى نمو لا سيما فى القرنين الاخيرين بحيث يشعر التونسيون بانهم اليوم اجتازوا مرحلة ودخلوا ثانية فيها اسباب العزة والكرامة وفيها اسباب الانعتاق والحرية والمساواة .

والى جانب ذلك ، ولانهم احرار متساوون ، فقد ادركوا معنى " المواطنة " ادراكا اعمق واوسع من ذي قبل والمواطنة هي الشعور بالانتساب الى جماعة على اساس عقد مبرم بين جميع افرادها يحددها ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات فتصبح العلاقات التى تربط بعضهم ببعض " عضوية " ايجابية بعد ان كانت " آلية سلبية ، وعن ذلك تنبثق طبيعة دواليب الحكم وانواع السلط وعلاقات بعضها ببعض وما الى ذلك مما هو معروف ، وانما الذي اتاحته الجمهورية هو مستوى الرشد الذي يجعل كل فرد مسؤولا عن نفسه ومسؤولا عن غيره ومسؤولا - فى آخر الامر - عن مصير بلاده وتلك ارقي منزلة يطمح اليها المواطنون فى الامم الراقية ، ولا يشير " جوريس " الزعيم الاشتراكى الكبير الى سوى ذلك عندما يقول فى خطابه الى الشباب : الجمهورية تقتضى ثقة كبيرة وجسارة عظيمة ، فاعلان الجمهورية معناه الاعلان بان الملايين من البشر سيعرفون كيف يضعون الخطة المشتركة لعملهم وكيف يوفقون بين الحرية والقانون ، بين الحركة والنظام ، وانهم سيتناقشون من دون ان يمزق بعضهم بعضا وان خلافاتهم لن تبلغ حد الهيجان الذي يفض الى الحرب الاهلية وانهم اخيرا لن يلتجئوا الى دكتاتورية ولو محدودة فى الزمن لينعموا براحة مشؤومة .

ومن ذلك نسنتج ان اعلان الجمهورية اذا كان في حد ذاته حدثا عظيما فى تاريخ الامة التونسية الا انه ليس غاية تقصد لذاتها بل هو فى حقيقة الامر نقطة انطلاق ، بالنسبة للشعب ، وتحرر امكانيات ، وفرصة الى بلوغ اعلى مراتب الرفعة الانسانية ، هو عمل يرشده ويلقي مسؤولية مصيره على عاتقه ، ولنا فى ماضى هذا الشعب وحاضره خير ضمان لمستقبله الزاهر .

اشترك في نشرتنا البريدية