الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

نحو منطلقات عديدة في التزام الادب العربي

Share

" لو ان كاتبا واحدا فى تاريخ الادب الانسانى قد استطاع ان يلتزم حقا قضية مصيرية لما بقى لنا ما نكتب عنه "

بمثل هذه العبارة الساخرة يعلق كاتب مسرحي معاصر على مسألة الحرية والالتزام في حياة الاديب ، وعلى الرغم من انه قد يكون رأيا عابرا ، غير ان هذه المسألة في حقيقتها كانت تنطوى كل حين على مثل هذا الالتباس ، فما من كاتب - مهما يكن عليه من عدم الاكتراث ، الا وهو ملتزم على نحو أواخر انه يكتب بلغة قومه ويطورها على الاقل - ومع هذا فان تاريخ الادب لم يعرف كاتبا استطاع ان يحل قضية انسانية كبرى او ان يتجاوز التناقضات فى نية مشكلة على نحو يتيح للنتاج الادبى ان يكون عنصرا حاسما فى صنع الواقع البشرى

ومع هذا فان هناك حوارا قديما بين الحرية والالتزام فى العمل الادبى ، ما يزال مستمرا ، يحمل الينا حشدا لانهاية له من المفاهيم المستهلكة والتصورات المألوفة ووجهات النظر المتباينة ، ولابد من تحديد الجوانب الجديدة التى تسوغ لنا تناول البحث على نحوما ، واعادة النظر فى بعض المنطلقات المستحدثة ، اى التى تمليها المرحلة التاريخية الراهنة من تجارب الثقافة العربية المعاصرة ، وهذا هو الهدف الاول لهذا الموضوع ، بل ان تحديد هذه المنطلقات الحديدة - وقد اسفرت عنها هذه التجارب فى السنوات الاخيرة - يمكن ان يكون اكثر تعبيرا عن الواقع الادبى بما تنطوى عليه معاناة الاديب العربى المعاصر من سلبيات المواقف العملية خلال المراحل ، وما يحمله التأكيد على العمل الادبى المجدد من ارتباط بالمرحلة وتفاؤل بالمستقبل

اننا نقتصر فى هذه الصفحات على التنويه بما يضاف فى الحقبة الراهنة من مفاهيم الى هذا الموضوع ، ولاريب فى ان التأكيد على ما يضاف من جديد الى كل موضوع ، انما هو محاولة لفهم التأثير المباشر الذي يمثله واقع التجربة الانسانية فى المرحلة على الفكر بصورة عامة . وليس من الصعب ان

نتبين فى هذا الصدد ما يمكن ان يعد من المنطلقات التى يقدر لها ان تلعب دورا كبيرا فى كل حوار فكرى او ادبى او عقائدى ، حول مسألة من هذا القبل ، ممارسة الحرية فى العمل الفني ، اللغة العربية فى دورها القومي وحركتها التاريخية وطبيعتها " البديعية " ، الثورة ومسألة الصراع ، المعرف الفنية وشرعيتها فى صنع الوجدان الجماهيري . . الخ .

فى طبيعة القضايا الانسانية الكبرى ، حين تطرح مشكلاتها العديدة على الادن ان الحوار الجاد حولها ينطلق عادة من تصور المستقبل اننا نقف امامها كما لو انها منعطف حاسم ، علينا ان نتبين فيه صبغة معينة لكل مصير الآخرين ، ومن ثم فان كل دراسة مجدية لاية مشكلة من هذا القبيل - مهم تكن هذه المشكلة ثانوية عابرة - تفرض اكبر قسط من حرية الاختيار ، لأنها تحتم الكثير من الوان الصراع الفكرى فحسب بل لانها تنطوى دائما على شئ يتكون من جديد ، يصنع هنا او هناك ، على نحو أو آخر ، ولابد من تدخل الارادة البشرية فى تحديد سماته الاخيرة ، او اعداد المناخ الصحى الملائكة لأن يصبح هذا " الجديد " صورة مغايرة للحاضر المثقل بالفجوات المزمنة ان لم تحمل هذه الصورة ملامح النقيض ، او البديل الذى انتزعت منه - على الاقل - كل دعائم الانهيار الراهن .

ومع ان هذه الحقيقة قد اصبحت تفرض نفسها على حياتنا الادبية ، فى سلسلة لانهاية لها من مفاهيم التمرد والثورة والنضال المصيرى . . وغيره من المفردات اللفظية المثيرة ، وعبارات " التعميم " الملتبسة ، فان صيغة " الادب - القضية " - على ما فيها من التصدى الجرىء فى عمليات التغيير - تمثل بجذورها البعيدة الى اعماق الواقع العربى ، وتبدو اشد ارتباطا بالتجارب الحية بكل ما تحمل هذه التجارب من طابع محسوس ملتصق بالمعاناة اليومية واضح المعالم ، وليس من الصعب ان نتبين الكثير من مظاهر هذا الارتباط من خلال المسائل الادبية الرئيسية التى تهيمن على واقعنا الثقافى منذ بدايا القرن وتتمكن جيلا بعد جيل من تأكيد اولويتها وجدارتها . . وليس على صعيد البيئات الثقافية فحسب ، بل في بوادر الوعى الجماهيري ايضا ، محنا اللغة العربية امام الحضارة الحديثة ، كيف يتاح للاديب العربى ان يتمثل صالة التراث اللغوي مثلا ، على نحو يمنح معاصرية قدرة التعبير عن معايش العصر ، اوريجسد لهم ولو فى نتاجه الفنى المحض تجربة الانعتاق من بني الاداء اللفظية او الشكلية او المتعثرة الركيكة فى عصور الانحطاط ؟ .

لاريب فى ان الحديث عن " محنة " فى هذا الصدد ، قد ينطوى على المبالغة فقد استطاع الادب العربي الحديث ، فى السنوات العشرين او الثلاثين الاخيرة ، على الاقل ، ان يمارس تجربة التحرر " اللغوى " - اذا صح التعبير - على نحو لا يخلو من الابتكار والتجديد ، غير ان مسألة اللغة ما تزال - وقد تبقى امدا طويلا - على احتفاظها بكل خطورتها عبر الاجيال المتعاقبة . وها نحن بعد اكثر من قرن على بداية التنبه الثقافي بين العديد من الجماعات العربية المتباعدة ، نقف فى بعض الاقطار امام مأساة من الاغتراب اللغوي الكامل تطرح مشكلة تعريب الجماهير من جديد ، مثلما نقف فى اقطار اخرى امام اغتراب اشد تعقيدا ، تعانيه الثقافة ذاتها :

ان يتقهقر الاداء المشرق ، المرتبط بوضوح الحقيقة واصالة التجربة ، أمام المحاولات الادبية الموغلة فى تعثر العبارة وركاكتها احيانا ، وفى كل صور الالتباس والابهام ، ليس ما يدعو الى الحذر القلق ، انها محض محاولات عقوبة متفردة ، تقتحم سباق الحياة الادبية ، بتأثيرات معينة ، بل انها تكاد ان تصبح بادرة التجديد الوحيدة فى مستقبل الادب العربى الحديث .

ان ارتباطها الصارخ بكل ما هو " جديد " معاصر " فى تجارب الاجيال الناشئة ، يتجاوز كونها " بدعا " طارئة تعبر عن التمزق الوجدانى الذي نعانيه الحياة العربية في مرحلة معينة ، - وهو التقييم " التقليدى " المألوف الذي يؤكد في تفاؤل صامت ، ان اصطفاء التاريخ الادبى ، سوف يعيد الى الممارسة الادبية بنيتها الصحية السليمة - غير ان هذا التفاؤل يبدو على جانب من السطحية ، ازاء ما ينال اللغة ذاتها من اغتراب عن متانة بنيانها وصفائه من ناحية ، وعن الحقيقة الانسانية من ناحية ثانية ، انها تجابه تيارا جارفا من الارتباك والهجنة فى الاداء الفني ، قد يحمل فى كثير من التجارب الرائدة كل معالم الاصالة والابتكار ، غير انه يشرع لكل جيل ناشئ منطلقا متعثرا لا يمكن ان يوصف الا بالخوف من الحقيقة والافتقار الى الصدق فى معاناة تجربة الواقع .

ليس هذا التأكيد على مسألة اللغة منذ البداية ، محض مثال عابرعن العلاقة الوثيقة بين الادب وقضية الثقافة العربية فى مرحلتها التاريخية الراهنة ، وما تحمله هذه القضية من اشكال الالتزام امام محاولات التعيير الحاسمة فى مصائر الآخرين . بل ان ازمة التعبير التى تثيرها مسألة اللغة هي احد جناحي الموضوع في خطوطه الرئيسية ، الجناح الآخر يتناول منطلقا لا يقل خطورة ,

يتمثل فى اكتشاف الارضية الاجتماعية التى تتحرك فيها المبادرات المتعاقبة للعمل الادبي . ان التلويح بصيغة " الادب - القضية " او الادب والقضايا المصيرية ، يضع امامنا مهمة البحث الجاد فى ميدان لم يقدر له بعد ان يتذرع بالمنهجية العلمية الواضحة ، هو ما يتعلق بعلم اجتماع الادب العربي . . ان نبض الدراسات والبحوث النقدية والتقييمية التى يحملها تاريخ ادبنا المعاصر لم يلامس بعد الاجوانب محدودة من الأسس التى يمكن ان يقوم عليها " علم الاجتماع الادبي الاديب والحياة بصورة عامة ، الاديب والالتزام العقائدى , الادب وواقع التعليم ، الادب والاحداث السياسية . . الخ .

وكثيرا ما تنتهى الدراسات فى هذا الصدد ، بالنتيجة السلبية المألوفة : الافتقار الصارخ الى نظرية " عربية " حديثة فى النقد او الادب ، او الى الناقد " الكبير " الذي يمتلك شرعية " التقييم المعاصر ، او الى المنهج النقدى الواضح ، ولشد ما تتعثر هذه التطلعات فى الواقع الادبي ، وتفتقر هى نفسها الى رؤية الحقيقة ، ذلك ان الذين يتوجهون بها الى الحركة الادبية يعترفون فى الوقت نفسه ، بأن علم اجتماع " الواقع العربي " البحت لم يتكون بعد , وان النظرية المعنية لن تكون الاثمرة لجدارة النتاج الادبى الفنية - وهي ما تزال موضع الارتياب الساؤل على الاقل - وان المنهج - مهما يكن مرتبطا بموضوعية العلم - لن يكون الا امتدادا لموقف عقائد تمليه الرؤية الشاملة للحياة العربية المعاصرة .

لاريب فى ان التعرض لمثل هذه الصعوبات على هذا النحو الجذرى الصارم ، يضعنا امام كل مظاهر الفراغ فى حياتنا الثقافية دفعة واحدة ، وقد يكشف لنا عن الكثير من من منزلقات الدراسات الادبية الراهنة فى تحديد مشكلاتها ومناهج البحث فيها ، مما قد يوحى بأن جميع البدايات خاطئة فى طبيعتها وانها لن تلبث ان تجد نفسها جميعا فى طريق مسدود ، غير ان هذا كله لا يحمل على اعادة النظر فى جدوى المحاولات الغزيرة القيمة التى تصدت لرصد الحياة الادبية منذ مطلع القرن ، وتولت شتى الاجتهادات فى تقييم النتاج المعاصر او تطلعت الى تقييم جديد للتراث القديم . لقد اتيح لهذه المحاولات ان ترفد تاريخ النقد الادبي في ماضيه وحاضره ، بالكثير من معطيات الثقافة العالمية فى هذا المجال ، وان تطعم . . فكرنا الادبي - اذا صح التعبير بشئ من " المنهجية " المعاصرة لاغني عنها فى تلافى المحاذير المألوفة الخطيرة فى اساليب النقد المتبعة : الارتجال والموقف الشخصى ، والمغالاة في الادانة او

التفريط ، والبعد عن الموضوعية من ناحية وعن الصفات المرحلية " التاريخية " للأثر الادبى من ناحية ثانية .

ومع ان الطابع التجريبى الواضح فى عمليات النقد الادبى الحديثة ، يمهد الطريق للعمل الثقافي الجاد فى هذا المجال ، فان التجريبية التى تستند فى الغالب الى معايشة الحياة الادبية فى واقعية " جريئة ، لا تستطيع ان تتجاوز حدودها الضيقة الا اذا ادرجت محاولاتها جميعا فى اطار البحث عن الخصائص المميزة لقصية الادب العربى كلها فى هذه المرحلة - لقد كان ينبغى ان لا تبحث مسائل الادب فى علاقتها بالقضايا الكبرى للحياة العربية ، وبالمصير العربى على نحو عام ، الا بعد تحديد المعالم الرئيسية لتلك الخصائص ، قبل ان نتساءل ماذا يستطيع الادب او الاديب فى واقع معين ؟ لابد من ان نبين فى شئ من الوضوح ، ما هو ادب المرحلة ، ومن هو الاديب فى مجابهة القضايا المطروحة ؟

وفي هذا السبيل نجد أنفسنا ملزمين بأولى المنطلقات الاساسية للعمل الادبى فى جذوره البديعية والاجتماعية معا .

ولئلا نوغل فى تشتت " التجريبية " المرتجلة التى تغمر حياتنا الثقافية فى هذا المجال ، فان حركة الواقع فى تغيراتها العميقة ، تفرض علينا منذ البداية ان ننتزع من كل موقف فنى او ثقافى او قومى ، ما يشير الى الصفة التاريخية ليس فى الظاهرة الادبية فحسب ، بل في دراستها وتقييمها ايضا ذلك ان ما هو " تاريخي " متحرك ، هو وحده الذي يطرح مشكلة الحرية والالتزام . ولا نملك من هذه " التاريخية " على صعيد الحياة الادبية ، الا هذا الاندماج التقليدى العرق بين حياة اللغة العربية وحياة الادب ، من جهة وهذا الارهاص العنيف الذى يهيمن به الواقع الاجتماعى ملوحا بالتجارب الجماهيرية بصورة خاصة ، على جدارة الاديب ومصيره .

على هذا النحو يأخذ الحوار حول مشكلات الحرية والالتزام صيغة الصراع الثقافي الجاد وهو يتناول موضوعاته الاساسية فى تحديد واضح ملموس لما يستطيع ان يمارس الادب والنقد معا فى عمليات التغير ، مهما تكن عليه العبارات الدارجة فى هذا المجال من تغطية الكلمات وعمومية المعاني واتساع ميادينها النظرية . إن الالحاح على ضيغة الصراع " بدلا من الحوار ، هو نقطة البداية فى معايشة الواقع الادبي والثقافى معا ، بصورته المحسوسة الواضحة ، ما دام الامر يتعلق بما نستطيع

ان ندعوه " الالتزام المصيرى " بكل ما يمكن ان ينطوى من الابعاد . قد يكون فى الحوار متسع ارحب لاكتشاف الحقائق ، وتعدد وجهات النظر ، وتعايش المواقف المتباينة ، غيرانه ينطوى ايضا على اخطر المحاذير حين يسوغ لكل ان يحتفظ " بحقيقته " الخاصة ، وان يتذرع بكل الشروط الموضوعية " الممكنة " لكى يتنصل من مسؤولية الالتزام ، حتى فى العمل الادبى المحض .

وليس ما هو اكثر دلالة على مثل هذا التنصل من موجبات الادب " المتبدل " او " اتغث " وهي لا شك ان تغمر الحياة الادبية ، تحت شعار " مساومة الواقع " . ما دامت شروط التخلف فى الحياة العربية اقسى من ان تقاوم , فليكن الادب متخلفا أيضا ، بل ينبغي ان يكون ، ومادامت العربية لم تبلغ مرحلة النضج " الحضارى " فى التعبير عن روح العصر ، فتدرج المخاطبة الجماهيرية المباشرة ، فى اساليب آلاد الفني ، بكل ما تحمله من التهاون فى تطلعات المرحلة الى بناء ثقافى جديد . بمثل هذه الصيغ الدارجة ، تنحدر التنازلات بالعمل الادبى الى المزيد من مظاهر الضحالة والركاكة ، والاساليب " البهلوانية " احيانا ، واصطناع الحذلقة احيانا اخرى ، فرارا من مسؤولية التعبير الجرىء الحر . غير ان ما هو اشد خطرا فى مثل هذا التنصل يكمن فى تجاهل الشرط التاريخي الوحيد الذى يفرضه المناخ الثقافي الراهن , نقطة انطلاق اساسية فى حرية العمل الادبى والتزام المصير القومى فى آن واحد ، انه لابد من التعبير عن شىء من الايمان العميق بأن هذا المناخ يحمل روح الثورة قبل كل شئ ، وانه لاحوار فى قضية الثورة ، ولا مكان لاية وجهة نظر ترفض رؤية المعاناة الجماهيرية فى حركتها التاريخية ، او تمنح نفسها حرية الاختيار فى اتخاذ موقف محايد ، الا اذا كان هذا الموقف محاولة لتجريد العمل الادبي من محتواه الانسانى ومن بنيته الحية المتجددة فى آن واحد . .

ان اقحام " الثورة " بمفرداتها المتشعبة فى مثل هذا الحوار الثقافي المحض كثيرا ما يبدو نوعا من اصطناع الازمات الفكرية ، لا يخلو من فرض الوصاية على المرحلة او التعنت العقائدى - كما يردد الكثيرون - غير ان رفض الحوار التقليدى حول هذه القضايا ، هو الذي يحتم التأكيد على ما هو ثورى فى كل مسألة ثقافية او ادبية مهما تكن جانبية او ثانوية ، فعن هذا التأكيد وحده , تصدر ضرورة التمييز بين موقف الالتزام المصيرى " الجاد " وبين الموقف الحائر الذى يوصف عادة بعدم الاكتراث . وليس هناك موقف ثالث . ومن ثم فان هناك صراعا حقيقيا ، وان لم تتحدد صيغته " العلمية " الواضحة وتتبلور عناصره وابعاده ، اما ان يكون العمل الادبى فى الاتجاه التقدمي

المتحرر لحركة المجتمع المرحلية ، ومن ثم فهو طرف فى معركة ، واما يكون فى الاتجاه المغاير الذى لا نملك من وصفه " الاجتماعى " الا العبارة التى يستخدمها عادة فقه القانون فى ايجابيته الوضعية : وهي عبارة " السكنية" على انها نهاية المطاف فى تكوين القيم الاجتماعية ، بعد القيمتين الاساسيتين التقدم والعدالة ، وما يغنينا من هذا المفهوم القانوني العريق ، هو الموقف الانسانى الذى يمليه فى الحفاظ على التوازن الاجتماعى ، وقد يتجاوز هذا الموقف حدود التشريعات التى تحقق هذا التوازن ويبرز التناقض بين القوانين " الجائرة " والقيم الاجتماعية والاخلاقية التى تحمل تعبيرا اوسع عن شروط الحياة الانسانية " العادلة " - غير ان ذلك كله لا يلغي خطورة الروح السكونية " - اذا صح التعبير - فى مرحلة تتعثر فيها اسباب التقدم ويشوه وجه العدالة ، ويتلفت فيها الوجدان الجماهيري ، بكل عفويته وشقائه ، الى منطلق حاسم للعمل ضد " السكونية " الاجتماعية الزائفة .

على هذا النحو ترسم اولى ملامح الثورة . وتلوح فى الوقت نفسه كل مغالطات العقلية " السكونية " وافتقارها الى الوعى التاريخي الحق ، فهى التى تتولى مساومة الواقع والاذعان لشروطه والدفاع عن اخطائه المزمنة ، فى حشد من معطيات الخنوع المتوارثة ، تحمل فيها الثورة كل سلبيات الرفض والعصيان والشغب والتمرد والتزمت العقائدى والهيجان القطعي المتهيج ،

الا انها - اى الثورة - تجسد وحدها ممارسة الحرية الانسانية فى خلق قيم جديدة وتكوين الانسان العربى المعاصر ، ولا مجال لاستعادة جميع المعطيات " الثورية " المألوفة فى هذا الصدد : ماذا يعنى التكوين الجديد بالقياس الى العمل الادبى ، وما الذى تغنيه الثورة ذاتها ، فى حركتها التاريخية ، وما هو الموقع الحقيقى المحدد للاديب العربى فى صيرورة الاحداث المتعاقبة ، غير انه لابد من التأكيد على ان - للادب والاديب معا ، قسطا كبيرا من ممارسة التجربة . الثورية كما تحياها المرحلة قد يتجاوز حدود الدور المباشر الذي يلعبه المثقف او السياسي او المناضل العقائدى . . ان الممارسة العملية قد تقف بهؤلاء جميعا عند حدود القضايا المرحلية الراهنة التى تغدق عليها تناقضات " الحاضر " كل الوان الخطورة المصيرية والمبادرة السريعة الحاسمة ، مما قد يعزلها فى الغالب عن مسؤولية النظر فى وراثات الماضي ، ورؤية المستقبل . اما ارتباط العمل الادبى بما هو مصيرى فى المرحلة ، فانه يفترض فى " ثورية الاديب ان تتمثل كل ما يمكن ان يمتد اليه وعى الوجدان القومى ، منذ ان ولدت الكلمة اداة للتعبير الفنى عن هذا الوجدان في حساسسته الفنية -

وتطلعاته الاخلاقية ، الى ان تصدت لمهمتها الاكثر مسؤولية والابعد طموحا ، ان تسهم فى اعداد ارضيه طليعية جديدة للمصائر الانسانية التى لم تتكون بعد .

ومهما تكن عليه الثورة فى الاطار السياسى او الاجتماعى او العقائدى , من رؤية بعيدة لهذه المصائر ، ومهما تكن صيغتها معنية بما يبغى ان يبقى من التغييرات الحاسمة ، بعد الثورة ، فان صفتها المرحلية وكونها محض وسيلة للتحرر ، يفرضان عليها ابدا ، ان تستنجد بكل ما يمكن ان يتجاوز المرحلة من الوان الوعى والمعرفة ، وصور التعبير عن الحقيقة الانسانية .

وفى  هذه الامور جميعا ، يمارس العمل الادبى - والفني بصورة عامة - وظيفة الكشف الجرئ عن كل الجذور الدفينة فى الواقع " التاريخي " الذي تعمل الثورة على تعرية تناقضاته وتبديل بنيته الاجتماعية من الاساس بكل قيمها المنهارة فى الوصف المألوف للثورة " ان جميع الاسرار البشرية تصبح فى العراء ، وان من العار ان يتراجع الانسان امام اخطاء الماضي ومخازبه . ان المرحلة الثورية تلزم الجميع بالتصدى لمشقة الكفاح من اجل البديل . " قد يكون فى هذه العبارات التقريرية الدارجة ، كثير من اعلاء شأن العمل الادبى من شأنه ان يؤكد الدور المزدوج للاديب : ان يحول الحقائق الانسانية التى نعريها الثورة الى قيم بديعية راسخة وان يكون مناضلا من اجل حرية التعبير فى الوقت نفسه . غير ان كل ما يحمله التأكيد من لفظية حماسية , فى واقعنا الراهن ، لا يزحزح الاديب العربى عن مكانه الطبيعى فى عملية الثورة ، الا اذا اضطرته وصاية القيادة الثورية ، او تبعته الطارئة للاندفاع الجماهيرى ، الى التخلى عن مهمته الاساسية فى ترسيخ القيم الجديدة في الوجدان الجماعى .

فى مثل هذا التخلى تنعكس على موقف الاديب ونتاجه كل التناقضات التى تحملها قضية الحرية والالتزام ، وهي تشير جميعا الى منزلقات الثور الكاذبة " فى التجربة الادبية . ان لا تكون اكثر من تحريض غوغائى فى المناسبات المثيرة ، يصدر عما يدعونه عادة بالموقف البطول . . أو ان تقتصر هذه الثورية على التعبير " البديعي " المصقول عن وقائع الثورة باسم التاريخ الحي او الرواية الاسطورية التى ترصد نماذج الصمود او التمرد او الايمان بقضية الثورة لا تستمد شرعيتها الا مما تقدم من اجل ما بعد الثورة ، من اجل ان يتكون الوجدان الجماهيري المتبع الذي يقاوم فى حسم نهائى كل

محاولة جديدة لاستلاب الانسان والعبث بمصير الامة . واخطر ما يمكن ان نتعرض له " الممارسة الثورية " من انحراف ، انما يلوح به هذا التساؤل العفو الذي يتبقى من القيم الجديدة للاجيال القادمة ؟ . . " .

فى مثل هذه الارضية الصعبة ، يحمل الاديب العربى فى المرحلة الراهنة ، كل الوان المعاناة . ان شيئا من الحتمية التاريخية يفرض عليه الانتماء الى الواقع " الثورى " فى حياة المجتمع ، الواقع " الثورى " الذى تمثله ارادة الانسان الجماعية فى تغيير واقع آخر لم تبق من ملامحه الانسانية الا الانقاض وسواء استنجدت هذه الارادة بالكفاح السياسى الذى يتوجه الى انتزاع السلطة وممارستها فى تحقيق المنجزات السريعة او اخذت صورتها الاجتماعية فى نحالف طبقى جديد يمتلك بروحه التقدميه زمام المبادرة فى صراع طويل الامد وسواء كان للكلمة " الفنية " - وهي ذريعة الاديب - اثر فعال مباشر فى عمليات التغيير المرتقبة ، ام احتفظ بخصائص النخبة المتعالية التى تتوجه الى المستقبل الابعد ، فان الممارسة الحية للعمل الادبى الجاد ، تضع الاديب العربي فى مسار التاريخ الذي يصنع من جديد ، قد يكون للانتماءات الجانبية فى حياته ، دور فى تكوين شخصيته الادبية او فيما يتاح لآثاره من الوصول الى الجماهير ، غير ان " حقيقته الفنية " بذاتها تمثل واقعا متحركا باتجاه التاريخ الجديد ، لا سبيل الى تجاهله او الحياد عنه .

لكى نتناول هذا الواقع فى معطياته المحسوسة الراهنة ، لابد من اشارة عابرة الى ما تعنيه هذه " الحقيقة الفنية " فى تاريخ الادب العربي على نحو خاص ، ما دمنا نغامر بهذه المقولة : ان تكون تجربة الحرية الحقة لدى الاديب متمثلة فى مثل هذا الالتزام الثورى " ، ان فى طبيعة الثورة منطلقا اولا هو معرفة الواقع على نحو يحدد معالم الحتمية والضرورة فى تغيراته جميعا ، ويجيز بالتالي اين تستطيع الارادة البشرية ان تمارس فعاليتها من اجل ماهو مصيري فى حياة الجميع ، ان الصفة المصيرية . . تحتم ان تكون هذه المعرفة - على ارتباطها بالحقائق العلمية والمنطلقات العقائدية - ذات طابع تقويمى واضح نسميه عادة " تبصر المستقبل " او " الرؤية الطليعية " الى العالم . وفي هذه الصيغة يمكن ان تنحل كل معرفة الى شكل آخر للمعرفة ، من هو من قوانين السياسة مثلا يتحول الى حقائق علم الاجتماع ، واطراد العلاقات الاجتماعية ينحل الى شىء من الترابط الضرورى فى الظواهر العلمية ، الا ما يمثله وعي الفنان للحقيقة الانسانية ، وما يتاح له من صياغة هذا الوعى فى الاداء الفني المبدع .

وعلى هذا النحو ففي كل مرحلة تاريخية من مراحل الانعطاف الجذرى الذي تمليه الثورة ، تبرز " المعرفة الفنية " او " البديعية " على انها الاطار الاوسع لممارسة الحرية الحقيقية ، على الرغم من ان الفكر العربي اصبح فى السنوات الاخيرة يقحم " ما هو مصيرى " فى كل مجال ، واصبح المفهوم نفسه فى شىء من الابتذال . ان المنطلق الطبيعى لفكرة المصير فى هذا الصدد ، هو اقرب الى التصورات العفوية الساذجة التى يمليها الوجدان الجماعي لاول وهلة ، بعيدا عن كل اجتهاد فكري غائم او اطار عقائدى متسع الابعاد ، " ما هو مصيرى " فى مسائل الفكر والادب والفن ، يعنى ان الحقيقة الثقافية سواء تجسدت في مسلمات الفكر ويقينه او فى اصالة العمل الادبى والايداع الفنى ، لا تعد حقيقة تاريخية حية ، الا اذا كانت على صلة وثيقة مما بتبدل بمصائر الناس المعاصرين . وبمقدار ما تحمل هذه الصلة من التطلع الجرئ إلى تغيير هؤلاء الناس ، او تكشف لديهم شيئا من ارادة التغيير الجذرى ، تكون الحقيقة فى مظاهرها المختلفة ، ذات طابع مصيري . من دون ذلك لا مجال عن اى شكل من اشكال الالتزام الحقيقي ولا سيما فى نطاق الادب والفن . ان تجاهل هذا المنطلق البديهى البسيط ، قد غمر حياتنا الثقافية الراهنة بفيض من الوان المغالطة والتضليل ، ليس حول معنى الكلمة وما يتفرع عنها من المفرادات الدارجة ، فحسب ، بل حول القضايا الاساسية للحياة الادبية والفنية ايضا ، ان يلتزم الاديب صناعته الفنية مثلا ! او يلتزم المعاناة التى تتيح له ان يبدع عملا فنيا ذا طابع انسانى شامل ! او ينتزم الحفاظ على اصالة التراث فى " نتاج " شامخ يمكن ان يندرج فى تقاليد هذا التراث ! . . او يلتزم التجديد فى الاداء الفنى عن طريق الاخذ بروح الحداثة فى انضج تجاربها والاستجابة لتقنية الفن المعاصرة ! . . صور لانهاية لها من مواقف الالتزام ، تملك كل شرعيتها ومسوغاتها على الصعيد الثقافي المحض ، غير انها ليست فى النهاية الا تعبيرا واضحا عن التقهقرام مسؤولية الالتزام الحقيقي الجاد بالمرحلة التاريخية الراهنة . فى مثل هذه المسؤولية بنطلق الاديب او الفنان من التساؤل العفوي الصادق الذي تمليه المرحلة ذاتها بكل ما فيها من اشكال التناقض والمعاناة : هل يملك العمل الادبي ان بنفصل عما هو مصيرى فى واقع التجربة الانسانية كما يعانيها الآخرون ، ولا سيما ان هؤلاء الآخرين ، ينحسرون جيلا بعد جيل ، عن قوى بشرية جديدة ، تمنحها الاحداث المتلاحقة ، ملامح شتى عن هوية تاريخية صارمة نتجمع كل عناصرها حول محور واحد هو ارادة الثورة فى ابعادها المختلفة ؟ وسواء اخذت هذه الملامح صيغة الكيان القومى المتحفز الذي يستنجد بوعى

الماضي العربي وتراثه البعيد - والصمود امام تحديات الواقع ، وشعار النضال المصيري الواحد ، او كانت الصيغة فى وعى الاستغلال الطبقى الاستلاب " اللانسانى " الذي يقوم على انقاضه كل بناء اشتراكى راسخ او اقتصرت هذه الصبغة على الافكار الثورية وما تفرضه على الجماهير من الشعارات التحررية ، فان أول مظهر للتحولات الجذرية فى الواقع العربى , يتمثل فى انحسار الطابع القطيعى ، الفارق فى الاذعان والتبعية واذا كان باستطاعة الاديب ان يفصل بين موقفه السياسى او العقائد او باحدى هذه الصبغ او سواها فى التعبير عن استجابته لحركة الواقع " الديناميكية " كمن يؤكد صفة المعاصرة ومعايشة الآخرين ، فى شخصيته الادبية ، فانه لا يستطيع ان يتحاهل ارتباط العمل الادبى حتى فى بنائه الفنى المحض ، بكل ما تحملنا المرحلة فى واقعها الجماهيري ، من مثل هذا الانحسار الذي يمثل الخطوة الاولى فى عمليات التحرر الذاتية للحياة العربية .

تبدو هذه الحقيقة لاول وهلة ، بصفتها التقريرية الصارخة ، وكأنها دفاع عن واقعنا الادبي كله ، فاذا كان هناك ثمة انفصال بين شخصية الاديب التى يمكن ان تأخذ بكل اشكال الالتزام السياسى او العقائدى ، وبين عمله الادبي الذي لا يحمل خصائصه الفنية الا لارتباطه بحركة التحرر العامة فان الاديب فى حل من اى التزام مصيرى ، بل ان تاريخ ادبنا الحديث ليلوح فى كثير من محاولات " التقييم " التقليدية المألوفة ، ان مثل هذا الالتزام قد يفسد العمل الادبي ذاته ، لا لأنه يقوم على قسر " الصناعة الادبية " - اذا صح التعبير - للغائية السياسية أو العقائدية ، فى حين تشترط هذه الصناعة نحرر الوحدان من اجل الغائية الفنية وحدها بل لأن " ما هو مصيرى " يحتم ايضا ان يكون التقسيم الفنى نفسه فى ابعد حدود الصراحة : ان يطالب ابدا بالاعمال الاصلية المبدعة ، والنتاج الذى يتسع لما تحمله القضايا المصيرية عادة من الطابع العالمي للتطلعات الانسانية ، وفي جميع الاحوال ، يجابه الاديب العربي ازمة الامتراف بجداراته الحقيقية فى كل مرحلة ، اذا كان التزامه العمل الفني المحض معبرا عن تفتح الوعى الثقافي فى المرحلة ، فلماذا لا يكون للكلمة دورها التحرري المباشر فى تحريك الجماهير ؟ . لقد اصبح هذا التساؤل الصارخ مألوفا فى حياتنا الادبية ، غير انه ، مع هذا ، لم يأخذا بعاده التاريخية الحقة ، بل ان الكثرة من الادباء يرونه دخيلا على قضية الأدب وكثيرا ما يعزي الى الحماسة الطارئة ، لدى الاجيال الناشئة فى تأثرها التلقائى بتحارب الثورات التحررية او البناء الاشتراكى فى كثير من اقطار العالم . . ماذا تستطيع الكلمة فى غمرة الصراع المرير من اجل تحرر الوطن ، وثورة

المجتمع على نفسه فى شؤون الحياة الاساسية ، التخلف والجوع والبنية " القطيعة " للجماعات العربية ، وتناقضات السلطة ؟ . . اليس هذا الصراع مهما تتعدد الوانه ، ذا طابع سياسي محض ؟ . وطوال عصور الانحطاط كانت التقاليد " الادبية " تحذر من تعاطي السياسة ، لانها مهلكة للكاتب . قد يكون التحذير مشروعا في مراحل الاصابة الاستبدادية الجاهلة التى كانت تفرضها سلطة اوكلت نفسها برعاية التناقضات وخلق المناخ الملائم لاستمرار الانهيار والسقوط ، بما فيها من ادانة للغة القومية السليمة ، والادب والفن ، والنظر اليها جميعا على انها اما ان تكون فى خدمة الواقع المتعفن واما ان لا تكون ، غير ان كل تلك المراحل ، لم تكن الا فترات انقطاع متعاقبة عن تاريخ الادب العربى ذاته ، ان ما اصبح من السياسة فى العصور المتأخرة لهذا التاريخ كان في العصور المزدهرة من اكثر التقاليد عنفوانا واصالة : ان تكون , حتى في ارهف ادائها الفني المحض - تجسيدا لوجدان الامة ، ورؤية جديد للمستقبل ان الشاعر الجاهلى مثلا لم يكن صدى لتجارب القبيلة ، ولم يكن القرآن وسيلة سحرية للايمان ، حتى قصائد الفخر والمديح والرثاء فى العصور التالية لم تكن وسائل تعبير عن مشاركة المشاعر الانسانية ، بل كانت العبارة تلعربية " فى صياغتها الفنية الواعية ، عملية بناء مصيرى جاد لس في الحياة العربية فحسب ، بل في سياق التراث الحضارى للانسانير كلها .

فى مثل هذا المنعطف تقف حياتنا الادبية المعاصرة ، منذ ان قدر للاديب ان يعايش شيئا من مصائر الآخرين ، وبدأ يشعر بأنه قد يملك الحرية المطلق فى اختيار اى موقف من المجتمع والحياة والعصر ، ولكنه لا يملك حرية التصرف بمصيره الثقافي : ان يتراجع عن كونه شاعرا او قاصا او روائيا , فى هذه الحقبة من تجارب المجتمع الذي يعيش فيه ، وخلال الوضع الثقافي الراهن بكل ما فيه من مظاهر الاضطراب والضياع او ما ينطوى عليه من التماسك والنزوع الى التفتح والازدهار .

ان ما يحدد الجدارة الحقيقية للاديب العربى هو هذا الارتباط الوثيق بين نحويته الفنية وبين ما يمكن ان تعنيه فى صنع المصير الثقافي للمرحلة التاريخية ، وسيان في هذا السبيل كان مؤمنا بأنها مرحلة انبعاث وتجدد ، وان له دورا مجديا فى رسم ملامحها الطليعية او كان ممعنا فى السلبية امام مظاهر الصراع فى الواقع الحي ، يرفض الاعتراف بأن فى هذا الصراع شيئا حاسما فى صيرورة المجتمع ومصائر الآخرين .

وعلى الرغم من جميع التطلعات الايجابية المتفائلة التى تحشد للتعبير عنها جميع المفردات " التحررية " المعاصرة ، منذ عشرينات هذا القرن ، فان تاريخنا الادبي الحديث ، ما يزال بحذو اليقظة القومية الممتدة حتى منتصف القرن الماضى ، يخضع لكثير من الاوهام فى تقييم المراحل المتعاقبة . ان المفهوم التقليدى القديم للسياسة كما يقحم فى قضية الادب ، هو احد هذه الاوهام الكبيرة ، ليس من السهل ان ننظر الى الالتزام السياسي فى حياة الاديب العربى خلال هذه المراحل ، نظرة تقويم مصيرى - اذا صح التعبير - ان يعزز الادباء فى لوائح الصراع الاجتماعى والعقائد ( الرجعية والتقدمية اليمينية والثورية ، التقليدية والطيعية . . الخ ) ، ما دام تاريخ الادب نفسه ينطلق من مسلمة اساسية هي انها جميعا مراحل تكون واختمار ، وان بداياتها فى كل جيل ، ما تزال تحمل شعار ترويض اللغة العربية على استيعاب التجربة المعاصرة ، او اكتشاف سبيل الاداء الفنى فى بنيته السليمة . لقد كان هذا المنطلق ، وما يزال ، على صلة عميقة بالتجربة السياسية فى اطارها القومي العام . ومن خلال هذا الاطار ، ما يزال الجيل التقليدى مثلا في العشرينات حتى الخمسينات يضم العديد من الرواد الحقيقيين فى هذا المجال رغم كل ما يحملون من التعثر والتناقض والارتباك ، فى انتماءاتهم السياسية ففي سنوات الاحتلال مثلا ، كان الشعر العربى كله يرسم بالكلمة صورة الوطن المتحرر ، والكفاح البطول من اجله ، قبل ان يتكون حتى مفهوم " المواطن " الذى يملك شرعية الانتقال من بنية الرعية القطيعية الى بنية الكائن السياسي . . المعاصر . وكان هم " الاداء " فى المقالة والقصة والرواية والمسرحية ، مثقلا بالتزاماته الشاقة امام الوجدان الجماعى ، فكيف يتاح للعبارة العربية بنيتها اللفظية الموشاة بالحذلقة والالتباس او بركاكة تعبيرها العامي المبتذل ، ان تحمل شيئا من صفاء المشاركة الوجدانية الحية بين تجربة الاديب ووعى الآخرين ، ان تصبح من واقع الاتصال الانسانى والقومى بعد ان كانت اشارة مبهمة ، او اداة تحريض غائم . .

على هذا النحو تحمل الريادة لدى كل جيل تقليدى فى النصف الاول من هذا القرن ، شيئا من ملامح الالتزام الجاد لا يمكن الا ان يوصف بالمعاصرة والتجديد ، ما دام يهدف تلقائيا الى ان تصبح البنية التقليدية للتراث اللغوى اكثر مرونة فى التعبير وأقرب الى حرارة التجربة المعاصرة .

من هذه الوجهة وحدها يمكن الحديث عن اوائل الرواد ليس بين ممثلي الجيل التقليدى فحسب ، بل فى التجربة الادبية لكل مرحلة تالية ايضا .

فى نصيحة لاحد النحاة القدامى : " وانظر كيف اصبحوا يقولون ماذا يريدون , لكى تعرف كم قصروا عن الاوائل ، وهل سبقوهم فى الكلام البليغ ؟ " .. منذ ان يوضع الاداء فى سياقه التاريخي ، وهو المنطلق الاول لكل تقييم ادبي جاد ، يبدو المضمون - رغم ارتباطه بقوة البيان - عنصرا ثانويا ، ولا سيما حين يكتنف الالتباس ما في تجربة الاديب من اصالة " ذاتية " ، أو وعى فني عميق يضع نتاجه فى المستوى الانسانى الشامل . بل ان مثل هذا الالتباس بمثل الآن ازمة النتاج العربى الحديث كله ، فاذا كان من السهل ان نتبين فيه التأثر البعيد بالتراث الادبي القديم وهو مصدر ادانة لجيل المقلدين حتى لثلاثينات ، فان التلقي المعنوى لتجارب التراث العالمي ، يمنع كل تمييز نقييمى واضح لما هو من شخصية الاديب الفنية ، ومظاهر ابداعه . وكثير ما تلوح فى هذا التلقي ظاهرة التسرب الحضاري الذي يفرض مبدأ الهيمنة والاذعان : ما هو ضح مهلهل فى التجربة ، يذعن بالضرورة لما هو اعمق وعيا واغنى فى التعبير عن المعاصرة . واذا كانت هذه الظاهرة طبيعية في انضاج العمل الادبى ، فان من سلبياتها الخطيرة الا يتجاوز هذا التلقي حد التأثر الذى قد تقتضيه المشاركة الوجدانية ، أو الاستيحاء او الاقتباس المتواضع الى تقمص التجربة وادعاء معاناتها وصياغتها الفنية على نحو او آخر . مظهر صارخ - للاستلاب في حياة الاديب العربى : ان يكون حتى فى وجدانه الفني اداة للتعبير عما هو من ثمار الابداع لدى الآخرين ، إذا تجاوزنا الصورة لهزلية لهذا المظهر الذى يعد فيه حتى الناشئة ، اكليل العبقرية سلفا من اجل ما لم يكتبوا بعد ، فان هناك وجها اليما لا يخلو من عنصر المأساة والرثاء ، ان الاديب المستلب فى هذا المجال ، لا يقتصر على التخلى الطواعى عن بدائيته وسذاجته العقوبة فى ممارسة الادب ، وقد يكون فيها الكثير من نفحات الصدق والموهبة ، بل انه يقوم بالدور المحزن لكل بهلوان دعى ، يحمل جسده فوق طاقته من جهد الحركات ، لكى يتسع له مكان فى العرض الكبير ، وبنتزع اعتراف الجماهير .

اذا كان المضمون على هذا النحو من الالتباس فى " تقييم " الاثر الادبى ، بالقياس الى الوضوح الذي ينطوى عليه تقييم الاداء ، والشكل الفنى ، فى ارتباطهما بالمرحلة التاريخية من حياة العمل الادبى واستجابتهما الحتمية لتطور الوعى الجماعى فى تذوق الادب ، فان هناك جانبا مشرفا فى كل مضمون ، يكاد ان يكون خاليا من الارتباك والغموض ، وهو الموقف الفكرى للاديب من مسألة الحرية والالتزام ، فى هذا الموقف تكمن الصلة التاريخية

بين " فنية " العمل الادبى وبين ما تمثله شخصية الاديب فى تفتح الوجدان الجماهيري من هذه الناحية ، وفي انغلاقه ايضا .

ان " تاريخية " الاداء تحمل لنا صورة واضحة للتجدد المستمر . من كان وشيا فى القرن التاسع عشر ، معبرا عن موقف سلبى محض من قدرة الاداء التقليدى على امتلاك تجربة الحرية ، يصبح منذ اوائل القرن العشرين معاناة ادبية جادة تعبر عن موقف ايجابي مناقض ، لا يؤمن بدور الكلمة العربية فى شؤون الحياة فحسب ، بل يجد نفسه ملزوما بقفزة نوعية في ممارسة الانبعاث الادبى : اصبح الامر لا يتوقف على ترويض اللغة واصطفاء ما  يصلح من بنيتها المتوارثة فى حياة العصر ، بل ان مفهوم الانبعاث يتجاوز كل ذلك ، الى استعادة الكثير من مضمون التراث نفسه . حيث تبدأ محاولات التجديد ، يبدأ البحث عن الجذور الدفينة . هذا ما تمليه حركة التاريخ الذاتية فى نطاق العمل الادبى ، وسواء رجعت هذه الجذور الى العروبة والاسلام ، اوغلت فى ينابيع الحضارات " الاثرية " البعيدة ، فان صنيع الانبعاث ، فى اطارها الثقافي المحض ، هي ذاتها فى كل موقف .

والسؤال نفسه يبقى مطروحا فى صدد البحث عن هوية " متميزة " لكل مرحلة ادبية جديدة : ما اصبح يعوق البناء الجديد للثقافة العربية لانه من تركة الماضى المندثر ، وما احتفظ بقدرته الخلاقة على توطيد هذا البناء ! . .

ومع ان هذا التساؤل العفو المألوف يحمل على الصعيد الادبى كثيرا من عناصر جوابه الحاسم ، فان هناك مواقف فكرية " دخيلة " على طبيعة الادب ، نحيطه بالكثير من الاوهام ولا سيما ان ما يوصف بانه دخيل فى الموقف يمكن ان يحتوى كل ما يتنكر " لتاريخية " الواقع الادبي - اذا صح التعبير - اى علاقته الوثيقة بتغيرات المجتمع والحركة الذاتية للمرحلة .

ان مثل هذا التنكر بما ينطوى عليه من الفرار العام تناقضات الواقع ، والافتقار الى الرؤية الموضوعية الواضحة ، هو اول مظهر لهذه الاوهام , ان فى طبيعة العمل الادبي شيئا اسطوريا تمليه الممارسة الفعلية للحرية من خلال التجربة الفنية .

ومهما تكن عليه بواعث العمل الادبى وشروطه واهدافه ، فانه ليس في نهاية المطاف الا ما يبغى ان يقال فى التعبير عن تحرر الوجدان وتطلعه الى رؤى جديدة لمسائل الحياة .

ان هذا الذى " ينبغى ان يقال " هو النسيج الحقيقي فى الاثر الادبى لا لان الاديب لا يملك اي التزام آخر فى تجسيد حريته فحسب ، بل لان ما ينبغى له ٠٠ ايضا ، يعبر بالضرورة عن مرحلة من التحرر فى الوجدان الجماعى . . انها صورة لاالتزام آخر لا بد منه تجاه الآخرين ، بل انه كثيرا ما يحدو وحده حقيقة الحرية فى تجربة الاديب ، ان يتحرك العمل الفني لديه على ارضية انسانية يمكن ان تضم مصائر الجميع ، وفي كلا الحالين من الالتزام ترتسم ملامح الشئ " الاسطورى " فى العمل الادبى ، شىء خارج الزمن بفرض وجوده على الحقيقة الانسانية فى كل جيل " لانه يمتلك من ناحية وسيلة خرجت على الزمن هي اللغة بنيانها المتماسك الصاق فى صيغة عبر الاجيال ، ولانه يرفض من ناحية ثانية ، كل تبعية زمنية تفرضها المرحلة ، وتجعل الاديب فيها اداة اتصال ثقافى لا اكثر ، تنتهى مهمته بانتهاء الدور الذى حدد له فى حقبة معينة .

لكى يؤكد الاديب العربي موقعه المتميز فى جماعات كبلتها العصور ، بارتباك الآداء والجمها القهر عن التعامل مع لغتها القومية الصريحة ، ولكى يعبر عن رفضه الا يكون اكثر من متعلم او مثقف عادى ، فانه يجد نفسه مضطرا الى التعلق بوهم الشئ الذي يتخطى الواقع بكل تقويماته النسبية ، لكى يضاف شخصيته الادبية " المنفردة " ونتاجه الذى يجسد وعى المرحلة ، الى حلقات التراث الجديرة بالبقاء والخلود .

من خلال هذا الوهم تبرز كل المعايير المطلقة فى التقييم الفني ، ويلتبس المعنى الحقيقي للحرية بشتى المفاهيم " الغبية " لما يوصف بعملية التحرر . فى هذه التعابير مثلا ، يتجاوز الموقف الفكرى تقييم العمل الادبى فى جوانبه البديعة " الجزئية " ( المعانى المبتكرة ، وأشكال الاداء الجديدة ) الى التأكيد على الشخصية الفنية " الفذة التى تكمن وراء الاثر واخطرما فى مثل هذا التأكيد ان يعنى ان المرحلة " التاريخية " كلها يمكن ان توجز بكاتب فذ ( شاعر او قاص أو روائى ( ينبغى ان يدور الجميع فى فلكه وهو ما يحدث فى واقعنا لاديبي حين نرى النقد كله يلهث وراء مثل هذا النموذج ، فى حين يؤكد الجميع ان الخشصية الادبية التى يقدر لها ان تطبع اية مرحلة ، لم تطهر بعد انها ما تزال تعطى الكثير من الجودة والتعثر معا ، فى انتظار الموسم الكبير

وعليها ان تكتفى من " التقييم " ما يتناول نفحة الاصالة فى نتاجها ، بين حين وآخر لا ما يحاول ان يكتشف فيها كل الملامح النهائية لتجزئة فنية اصيلة .

وهم آخر يتفرع عن مثل هذا " التقييم " المصطنع ، هو الذي يتناول " حرية التعبير " بذاتها . ان المعايير نفسها تفرض على الكثير من مواقفنا الفكرية .

وإن فى صدد هذه الحرية ، نوعا من الالتباس المماثل واللفظية القائمة ، ليست الحرية شرطا انسانيا لتكون الشخصية الادبية ، وممارسة الابداع فى العمل الفني فحسب ، بل هى ايضا منح الاديب حق الاصابة المطلقة على الوجدان الجماعى ، وبالتالى على كل المصير الثقافي للآخرين ، هذا ما نطالب منذ البداية . وسواء تناولت هذه المطالبة منح الحق او استرداده او الاعتراف بشرعيه ، فانها تتوجه فى الغالب الى واقع سياسي او اجتماعى يقوم على شئ من الاستبداد والقهر . وما دام كل واقع من هذا القبيل ، ذا طابع مرحلى يزدحم بصراع التناقضات ، فان مسألة الحرية على الصعيد الادبى ، تبقى مسألة معلقة ، شأنها في ذلك شأن الحقوق السياسية فى حياة الشعب ، مهما ايح لها ان تمارس فعليا ، فانها تلبث تابعة " للقضايا المطروحة ، ان قضية البطالة مثلا هي التى تطرح حرية المطالبة بحق العمل . وعلى هذا النحو فان حرية التعبير تتبع ايضا حق الكاتب فى ان يقول كلمته الصادقة فى " ازمة " نظام سياسي معين ، او فى مأساة تعانيها العاطفة البشرية او فى مأزق قومى . ان الحرية فى هذا المجال لا تعنى ان يقول الاديب شيئا باسم الالتزام الادبى الذى تفرضه معايشة الواقع البشرى فى معاناته الصارخة ، بل هى تعنى ان رؤية جديدة قد تكونت لدى الاديب ، لا بد من ان تقال على نحو لا لأن ذلك شئ من طبيعة العمل الادبي الحي فحسب ، بل لان ما " لابد من قوله " يجب ان يصبح من التقاليد الثقافية الراسخة فى المرحلة .

ان وهم الحرية يفترض النقيض . انه لا يكتفى بتجاوز القضايا الانسانية او القومية فى منعطفاتها التاريخية ، والمطالبة بالوصاية الشاملة ، بل يضع لاديب فى موقف السيد " القديم " فى تاريخ العلاقات البشرية ، فلكى يمتلك معنى وجوده ، ينبغى ان تتوفر له اولا كل شروط " السعادة " وفي طليعتها ان تناط به جميع المصائر . هكذا يقفز الاديب بروح اسطورية خارقة ، من موقع الكائن الاجتماعى البسيط الذي يكفيه ان يعترف الآخرون بجدارته المرحلية وبأن وظيفته الثقافية هى عنصر لابد منه فى عملية التغيير ، الى موقع الشخصية الانسانية المتميزة التى تشترط مسبقا كل ما يمنحها الخصائص الفوقية فى اداء رسالتها الفنية .

يكثر الحديث فى هذا الموقف عن الازدواج فى شخصية الاديب العربى , على انه يحمل قضية الادب ويلتزم قضيته السياسية فى آن واحد ، وتكاد ان تكون هذه الظاهرة ، طابع الحياة الادبية منذ اقدم العهود بل انها كانت من مظاهر الصدق والاصالة فى تجارب الشعراء الجاهليين الاوائل ، حين كان الشاعر صوت الجماعة القبلية ، او كانت الفردية الجامحة تحفزه الى التزام احدى قضايا الحياة الكبرى فى تحدى القوى الخارجية التى تمارسها السلطة السياسية فى هذا العصر ، غير ان مثل هذا الازدواج لا يملك فى اية مرحلة معاصرة ، صيغته المصيرية القديمة ، " الادب - القضية " .

لقد احتفظ الادب بكيانه الفنى ، اما القضية فقد تحولت إلى سلسلة لا نهاية لها من المواقف السياسية والانتماءات كلها تستغرق من تجربة الاديب اكثر من التدليل على صلته بواقع الآخرين ، ان لم تكن ذريعة مألوفة لاشهاد الجمهور . اكثر مظاهر الالتزام ريبة ورياء ، واشدها بعدا عن الحرية الحقيقية . . هذا اذا كان بمقدورنا ان نورد مفهومى " الالتزام " و " الحرية " فى هذا اللون من تبعية الكاتب للجماهير ، كما تعبر عنها ذرائعية الرواج التجارى فى السنوات الاخيرة .

لا سبيل الى تتبع جميع التناقضات المماثلة التى تتفرع عن وهم " الروح الاسطورية " فى شخصية الاديب العربى المعاصر ، واعماله الفنية ، وحرياته " الخيالية " والتزاماته النظرية ، غير ان الرؤية الموضوعية لموقعه الاجتماعى الراهن ، وتارخية واقعه الادبي يكشف عن الصيغة الاساسية لازمته الحقيقية مع الحرية والالتزام .

لكى نتبين هذه الرؤية فى وضوح ، لابد من اعادة النظر فى الكثير من التساؤلات المألوفة الدارجة فى صدد الحرية خلال ممارستها الحية ، وما يمكن ان يتمخض عنه طابعها التاريخي هذا ، من اشكال الالتزام .

" الحرية لمن ؟ ولماذا ؟ " هذا هو التساؤل الاول ، وقد اصبح فى السنوات الاخيرة جوابا فى حد ذاته ، لا يخلو من التحديد الحاسم الذي يرسم للاديب الجدير بالحرية كل ملامحه الطبقية والنضالية والعقائدية . . الخ ، مثلما يعطى صورة تكاد ان تكون نهائية عن دوره " التاريخي " فى تغيرات المرحلة . ومع ان الجواب السلبية هى التى تبرز غالبا فى تلك الملامح وهذا الدور ، ما دامت عملية التمرد على الواقع الادبي التغير فى خطوات التكون الاولى ، فان هناك مسلمات فى نظرية " حرية الاديب هذه لاسبيل فيها الى النقاش والجدل

"لا لا لانها اصبحت تهيمن على حياتنا الادبية فحسب ، بل لان ما هو ايجابى فى موقف الاديب حتى من عمله الفني ، انما تصنعه وتفرضه المرحلة الثقافية بصورة عامة ، بما تحمله من الوعى الفكرى وهو فى اوج ارتباطه نقضايا الانسان ، والتزامه الخط التقدمي المتحرر . فمن الايجابية فى هذه النظرية مثلا ان يتجاوز الاديب تعربة الجذور الدفينة لوراثات الانحطاط فى الواقع " الراهن " بكل ما يؤدى ذلك الى ادانة السلفيات الجامدة مثلا والنضال من احل المعاصرة ، لكى يجسد فى نتاجه الفنى ، شيئا مما يصبح دعامة للبناء الثقافي الجديد ، غير ان هذا التجاوز كثير ما يكون عملا فكريا محضا ، لا علاقة له بالنمو الطبيعى الناضج للحركة الادبية . عندئذ يفرض المناخ الثقافي العام وحده ، جوابه الرادع : " الحرية للذين يكتبون عن الشعب فى معاناته المريرة لشروط الواقع ، او للذين يرسمون بالقصة والرواية رؤية انسانية جديدة للحياة العربية ، - او للذين يصنعون ايقاعات شعرية صادقة للتجارب التى تحمل ارادة التحرر فى الكفاح القومى والجدارة الانسانية والحب والاحساس الفني بالطبيعة وما الى ذلك . والواضح ان صفة " الردع " فى مثل هذا الجواب تتناول جميع الذين لاحرية لهم فى الواقع ، ولا ينبغي ان نكون ، لانهم لا يتمثلون " ديناميكية " المرحلة - اذا صح التعبير - فى الوعى الذي يتيح لاالتزامهم الادبى على الاقل ، ان يوصف بحرية الاختيار ، غير ان هذه الحرية - وقد منحت للآخر بن - لم تعط ثمارها الادبية الحقة بعد . ان ما تفرضه من الالتزام لا يتعدى المخطط الثقافي الذي تمليه بوادر النضج والتنقح فى المرحلة ، وليس فى طبيعة اى مخطط من هذا القبيل ان يدرج فى قاموسه مفردات التقييم المسبق للمواهب التى لم تعبر عن حقيقتها كما ينبغى او الآثار الادبية لم تولد بعد .

اذن لابد من المنطلق الآخر في التساؤل نفسه ، وهو اقرب الى التعبير عن " ديناميكية " المرحلة التاريخية : " الحرية " لماذا ؟ . والواضح اننا لا نملك الا جوابا واحدا هو الذي تفرضه " الموضوعية " فى النظر الى حقيقة " الكاتب العربى ضمن الشروط المرحلية الراهنة . ان ما يمثل هذه الحقيقة هو الدور المزدوج الذي تقوم به الكلمة العربية فى التعبير عن وعي الوجدان العربى للتغيرات الجذرية تتمخض عنها تجارب الجماهير . انه دور الكلمة تصرف النظر عن انتمائها الى كاتب او اديب او مذهب فنى او موقف عقائدى وهو دور مزدوج لانه يمارس التزامه قضايا الواقع الثقافي ، من ناحيتين ، بناء الصيغة ، " المعاصرة " الجديدة ، لاداء اللغة العربية ، وامتلاك الرؤية المصيرية للواقع العربي عن طريق المعرفة الفنية . . وفي الحالين ، لابد من ان يكون

الاديب العربى قد عايش كل الشروط التى تتحكم بالواقع ، بما فيها من اسباب التغيرات التقدمية الحاسمة ، وما يثقل حركتها التاريخية أيضا من وراثات الماضي وانحلال الاجيال الغابرة ، وسواء كانت هذه المعايشة من اجل الاسهام فى تكوين الوجدان " الثورى " الجديد ، او من اجل الاثر الادبى المحض ، فان كل ما يمكن ان توصف به من الحرارة والوعى والصدق ، انما يقاس بمقدار ما تستطيع المعرفة " البديعية " المتميزة ، على نحو خاص ، ان تكتشف من الجذور الدفينة لارادة التغيير فى تجارب الانسان العربى ، ان نتوجه باستمرار الى ما يمكن ان يصبح من جديد موضعا للتساؤل فى كل قضية انسانية كبرى ان ما تحمله الصياغة الادبية المشرقة من دفء الحياة ، وتغلغل الرؤية البديعية فى وجدان الآخرين ، لا يفهم الا من خلال هذا الحنين الازلى الى احتواء التجربة بكل ما تستنفذ من ألوان المعاناة " المعاصرة " وما توحيه صياغتها الفنية من رؤى " جديدة " للوجدان البشرى عبر الاجيال .

اشترك في نشرتنا البريدية