الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

نحو نهضة اسلامية جديدة ، تحقق انسانية الانسان

Share

فى العالم الاسلامي اليوم " يقظة شاملة تبعث على الامل وتتطلب المزيد من العمل : العمل المدعم بالفكر الثاقب وبالعلم المضبوط وبالحكمة والشجاعة فمعظم شعوب العالم الاسلامى قد كافحت فحققت استقلالها السياسى منذ الحرب العالمية الاولى ) 1914-1917 ( الى يومنا هذا ) 1982 ( . ولم يبق الا شعبا فلسطين وإرتريا يكافحان من أجل استرداد حقوقهما المشروعة فى وطنهما وفى مقدمتها حق تقرير المصير

ثم هناك شعوب اسلامية عديدة تناهز ربع مجموع العالم الاسلامي تعيش  فى الهند والاتحاد السوفياتى والصين والفلبين والعديد من الاقطار الافريقية  والأوربية والامريكية تسعى لضمان حقوقها وحرياتها الدينية والسياسية على  قدم المساواة مع الشعوب التى تتعايش معها .

ولكن العالم الاسلامى معظمه يشكو التخلف : فالفقر والجهل والمرض  والاستبداد والعنف وسفك الدماء وفساد الاخلاق والفوضى تنخر فى بعض المجتمعات الاسلامية هنا وهناك

إن الباحث عن عوامل التخلف والمرض فى المجتمع الاسلامى يجد ان  للاستعمار نصيبا كبيرا فى حدوث ذلك . فالمستعمر أهمل وحاول أن يطمس  تثقيف الشعب ثقافة اسلامية صحيحة . كما انه غرس بذور الفساد والتفرقة  وطمس الذاتية فى البلاد التى استولى عليها . ولكن الاستعمار لم يكن ليتمكن  من الاستيلاء على البلاد الاسلامية لو لم يكن المسلمون قد ابتلوا بالضعف والتفرقة فيما بينهم . وذلك بسبب انحرافهم عن التعاليم الاسلامية وانغماسهم               فى اطماعهم المادية الزائلة . مما أدى الى الخصومات والتناحر بين الحكام واندلاع حروب تخريبية داخلية وخارجية مما أدى الى وقوع الاقطار الاسلامية

فريسة للمستعمر الواحدة تلو الاخرى . وهذه الحالة ما تزال قائمة بين ظهرانينا وفي يومنا هذا مع الاسف الشديد . فالحروب الدامية بين المسلمين  بين العراق وايران مثلا والحرب الصحراوية وافغانستان والخلافات بين دولة  مسلمة وجارتها هنا وهناك . كل هذه تلهينا عن مجابهة مأساتنا العظمى فى فلسطين حيث استولت اسرائيل على المقدسات الاسلامية وعلى الاراضى العربية  فشردت البعض من سكانها واستعبدت وأذلت من بقى فى أرضه وبلده يكافح  ويناضل . والحكومات الاسلامية التى حققت استقلالها حديثا ما تزال  ضعيفة تعتمد على الشرق أو الغرب فى تسليحها وتدريبها . وهي لا تستطيع أن تسترد الحقوق وتعيد الكرامة ما لم تتحد وتستعد وتجاهد كما علمنا ذلك القرآن العظيم . إن المسلمين قد اضاعوا الكثير من أوقاتهم وجهودهم حين اعتمدوا على الشرق أو على الغرب ليعيدوا لهم حقوقهم المغتصبة فى فلسطين ونحن بعد خبرة طويلة فى هذه الحياة المعقدة عدنا إلى قول الشاعر

ما حك جلدك مثل ظفرك      فتول أنت جميع أمرك

هذه هي الحقيقة . لا نستطيع أن نضمن سلامتنا ولا يمكن أن نسترد  حقوقنا وكرامتنا فى فلسطين ما لم نحقق نهضة اسلامية جديدة

وقبل أن نتناول طبيعة النهضة الاسلامية الجديدة التى نتطلع اليها ، لا بد لنا أن نؤكد بأن أسباب تخلف المسلمين وانحطاطهم هي والتعاليم الاسلامية   على طرفى نقيض . فمردها الى اهمال المسلمين لتعاليم دينهم او جهلهم بدينهم  وعدم فهمه فهما صحيحا هو الحقيقة . وما نرجوه هو ان يدرك الشباب المسلم   الواعى أن الاسلام والجمود والتخلف على طرفين نقيض . فالاسلام يأبى التعصب  الاعمى والانقسامات المذهبية سياسية كانت أم عقائدية والاسلام يأبى الضعف والاستسلام . والاسلام يرفض الصراع الطبقى واستغلال الانسان لأخيه  الانسان . والاسلام يشجب السيطرة المستبدة ) الفرعنة ( والتحكم في رقاب العباد . والاسلام يحرم سفك الدماء جزافا والاستخفاف بحياة الانسان والاسلام يشجب الجدل العقيم والجمود الفكرى والخرافات . والاسلام يأبي الاتكالية والقعود عن الانشاء المادى والمعنوى ، وينهى عن البخل والشعوذة  وعن الرياء والنفاق . والاسلام لا يدعو الى التقشف وحرمان الانسان من المتع  الحلال ، والاسلام يكافح الفقر المدقع وما يرافقه من مرض أو وسخ وقذارة . كل هذه علل وأوصاب منى بها المسلمون فى عهود التخلف حين قصروا في فهم دينهم وتطبيقه على الحياة الخاصة والعامة فلانقاذ العالم الاسلامى من

العلل والاوصاب التى ما زال يشكو منها ، ولاستعادة المسلمين مجدهم وعزتهم وكرامتهم وحملهم الرسالة التى أتى بها النبي العظيم الى البشرية كافة ، لا بد من نهضة اسلامية جديدة . فما هى طبيعة النهضة الاسلامية التى نقترحها للعالم الاسلامى  ؟ وما هى أهم ملامحها ؟ وما هي خير السبل لتحقيقها ؟ ذلك ما سنحاول الاجابة عنه بايجاز كلى فيما يلى :

طبيعة النهضة الاسلامية الجديدة :

فى العالم الاسلامى اليوم دعوات الى النهضة ولكنها دعوات الى اتجاهات مختلفة متباينة . فهناك بلاد اسلامية حاولت الاقتباس من الغرب الليبرالى العلمانى فى نهضتها فأدارت ظهرها على منابع القوة العظيمة الكامنة فى الدين  الاسلامى . وهناك بلاد اسلامية حاولت الاقتباس من النظم الاشتراكية  الديكتاتورية اللادينية فى نهضتها فوقعت فى هوة كبت الحريات والسلطوية المفرطة وضياع المبادرة الفردية التى هى من أهم منابع الثروة المادية والمعنوية للأمة . وهناك بلاد اسلامية حاولت مخلصة تطبيق الشريعة الاسلامية ولكنها لم تأخذ بدرجة كافية تطورات العصر ومتطلباته بعين الاعتبار .

إن النهضة الاسلامية الجديدة التى ندعو اليها هى تلك التى ترتفع بالمجتمع الاسلامى من وضعه المتخلف الى وضع مزدهر وراق على ضوء فهم معاصر  لتعاليم الدين الحنيف . نحن نعيش فى عالم سريع التطور تسيطر عليه  سياسات وعقائديات فيها الغث وفيها السمين . فلا بد من تفكير ممعن ودرس  عميق لاوضاع العلم الراهنة وحالة الانسان المعاصر فيه ، ثم الرجوع الى  القرآن الكريم والبحث عن سبل الشفاء والهداية التى يزودنا بها ، ثم  التخطيط لنهضة اسلامية جديدة تحقق انسانية الانسان

إن عالمنا اليوم يشكو ويتألم من ضعف وانحدار فى احترامنا واعترافنا بانسانية الانسان . فالانسان فى العديد من المجتمعات المعاصرة وحتى فى بعض المجتمعات التى تدعى مسلمة مهمل مهان يشكو من هضم حقه فى الحياة والكرامة يعيش على هامش الحياة . ما الذى نعنيه بانسانية الانسان ؟ نحن نقر بأن الانسان يشترك مع الحيوانات اللبونة فى العديد من وظائفه الجسدية من  اكل وشرب ونوم وتناسل . فهو فى هذه النواحي من حياته يعيش حيوانيته  ولكن الانسان يسمو بحيوانيته الى مستوى الانسانية وذلك بتمتعه بالحياة  الفكرية والابداعية والخلقية والروحية . وهذه هي ما تشكل انسانية الانسان

وهى فى الانسان السوى تسيطر وتوجه حياة الانسان الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لادامة حيوانيته . فالانسان هو المخلوق الوحيد الذى فى وسعه ان يسمو بفضل انسانيته على الحيوان فيحقق الرقى الانسانى فينشئ الحضارة  ويتمتع بالحرية ويبحث عن سر الوجود فيتعرف على خالق الوجود . وقد كرم الله الانسان فجعل منه خليفة فى الارض . كما فضله على كثير من الخليقة ذلك إذا كان الانسان قد حقق انسانيته فليستمع الى قوله تعالى :

ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات  وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " ) سورة الاسراء 7 (

ولمان كان الدين الاسلامي هو أكمل الاديان شمولا واتساعا ودقة فى فهم الانسان وفهم الوجود ، وموحدا بين المادة والروح وبين الفكر والعقيدة : إذ انه الدين الوحيد الذى نعرفه يعتمد العقل والمنطق الى جانب الروح . فهو فى نظرنا ) بما يدعو اليه من هداية وتبصر ( الدين المؤهل أكثر من أى دين اخر لتحقيق انسانية الانسان .

إن النهضة الاسلامية الجديدة التى نرجوها للعالم الاسلامي يفترض فيها أن تكون أكمل وأشمل من كل النهضات التى عرفها تاريخنا . كما يفترض فيها ان تكون أصح وأصدق من كل النهضات المعاصرة فى زماننا هذا . ذلك لأن الوسائل التى أنجزتها العلوم والتقنيات الحديثة قد تمكننا من بلوغ ما لم  يستطع بلوغه اسلافنا في العصور الوسطى يوم قدموا للعالم الحضارة الاسلامية المزدهرة فى بغداد والاندلس وغيرها من مراكز الحضارة الاسلامية فاسلافنا لم تتوفر لديهم وسائل النشر الحديثة ولا وسائل البحث والتحليل ولا وسائل النقل والمواصلات المتوفرة لدينا اليوم . وهى تسمو على النهضات المعاصرة شرقية كانت أم غربية وذلك لما تحمله من مبادئ واتجاهات تسمو بالانسان وتقضى على ما ينتاب البشرية من علل وأوصاب اجتماعية ) اقتصادية ( وسياسية وفكرية وعقائدية منيت بها المدنية الغربية . وذلك لفصلها المادة عن الروح ) إذ منيت " بالازدواجية " ( وغلبت المادة على الروح . فأصبح الانسان عبدا للمادة فاقد الحرية بالرغم من المبادىء الحرة التى يتبجح بها الغرب !

ملامح النهضة الاسلامية الجديدة :

ها نحن فيما يلى نشير بايجاز كل ملامح النهضة الاسلامية الجديدة التى ندعو الى الاخذ بها :

) 1 ( إنها نهضة توحيدية مؤمنة : إنها تربط وتوحد بين الانسان وأخيه الانسان ، وبين الانسان والطبيعة ، وبين الارض والسماء ، وبين الاول والآخر والظاهر والباطن وتخضع الكل للاله الواحد الإحد الذى خلق الكون وما فيه وفق نواميس رياضية وطبيعية واجتماعية ونفسية . وعلم الانسان التمييز بين الحق والباطل فأرسل الانبياء والرسل وحث على طلب العلم

( إنها نهضة شعارها حب الخير والتمسك بالفضائل الاسلامية : فالصدق والاستقامة والاحسان والرحمة والتعاون والوفاء بالعهد والعفة والشهامة والسخاء والشجاعة الادبية والاستعداد للتضحية بالنفس والنفيس من أجل سلامة الامة والوطن وفي سبيل الحق هى بعض الصفات التى نرجو أن تزدهر   فى أجواء النهضة الاسلامية الجديدة

إنها نهضة تضمن التمتع بحقوق الانسان للجميع بما فى ذلك ضمان حياة الفرد وحياة أسرته وماله الحلال وكرامة شخصه وحرية معتقده والمساواة مع غيره أمام القانون وتطلب من الجميع أن يقوموا بواجباتهم نحو أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم وخالقهم على الوجه الأتم .

إنها نهضة أفعال وتغيير أحوال أكثر منها نهضة أقوال وكثرة جدال فالمسلمون اليوم هم في أمس الحاجة الى الفكر الثاقب الذي يقرن بالعزيمة  الصادقة والمبادرة في العمل مع الاقلال من الجدل العقيم وتقليص البورقراطية المضيعة للجهد والوقت قدر المستطاع

إنها نهضة تعتمد العلم والحكمة . فيها درس شامل للخطط والمشاريع وحساب للنتائج والعواقب . فلا تقوم النهضة الاسلامية على الطيش والهوس إن العالم الاسلامي في حاجة دائمة وفي كل مناحى  الحياة الى قادة يتصفون بالاتزان والاعتدال ذوى بصيرة نافذة وفكر نير

إن النهضة الاسلامية الجديدة تواكب روح العصر وتؤمن بالتطور باعتباره سنة الله فى خلقه . فتأخذ بكل ما يجد ويثبت من العلوم المضبوطة والمخترعات . إنها تشجع الابداع والاختراع كما أنها تدعو الى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه .

إن النهضة الاسلامية الجديدة انما تتحقق بالايدى العاملة والسواعد المفتولة . فيكون العامل فيها مهما كان نوع عمله فكريا أو يدويا عزيزا مكرما

إذا اخلص فى عمله . والعامل يفخر باتقان عمله وحسن انتاجه . فالعامل هو بانى  مجد الامة ومصدر قوتها ومناعتها . ومن الخير اشتراك العمال فى ادارة  حقولهم ومصانعهم على أن ينالوا نصيبا معلوما من الارباح أو الخسائر

) 8 ( النهضة الاسلامية الجديدة تمارس الشورى في كل مناحى  الحياة ولا سيما فى الحكم . ويسود المجتمع بموجبها النظام والطمأنينة . فالمجتمع الاسلامي السليم يرفض الاستبداد واستعباد الافراد . كما يرفض الغوغائية وشراء  الضمائر باسم الحرية والدمقراطية . فلا مكان لشريعة الغاب فى المجتمع الاسلامى

النهضة الاسلامية الجديدة تؤسس على مبدأ المساواة أمام القانون وتحفظ كرامة الانسان الفرد مهما كان انتسابه العنصري أو القبلى أو المذهبى أو الطبقى أو الجنسي . عملا بقوله تعالى : " يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) سورة الحجرات 13 (

) 10 ( النهضة الاسلامية الجديدة تؤسس على التمييز بين الوسيلة والغاية . فلا تهمل الغاية العظمى ويضحى بها من أجل الوسيلة التى قد تكون غاية مرحلية . ولنضرب مثلا على ذلك جمع الثروة قد يكون غاية حتى تحصل ولكن الثروة فى حد ذاتها هي وسيلة لضمان البقاء وسعادة الانسان اما اذا اصبحت الثروة وتكديسها غاية نهائية وبقى صاحب المال بخيلا على نفسه وعلى أمته فلا خير فى ثروته . ولنأخذ الامتحانات الدراسية والشهادات الجامعية . إنها غايات الى أن يتحصل عليها الطالب ولكنها وسيلة لنيل الطالب الفرصة لتنمية مواهبه وقابلياته وتقديم الخدمات لمجتمعه وأمته . فلا خير فى دراسة ينتهى الاهتمام بها عند اجتياز الامتحانات فتجعل الامتحان غاية نهائية الهدف الاسمى فى الحياة الاسلامية هو تقوى الله والعمل بما يكسب رضاه أى الخير والحق والعمل الصالح . والنهضة الاسلامية تأخذ بأحدث التقنيات العصرية وتنميها لخدمة الانسان واسعاده وليس للسيطرة عليه واستعباده فالتقنيات وسيلة والغاية هو الانسان .  

) 11 ( النهضة الاسلامية الجديدة مستقبلية تفاؤلية إيجابية بناءة . فلا مكان لليأس فى الحياة الاسلامية المؤمنة بالله ! وليس التشاؤم من شيمة المسلم  الصادق الذي يعتمد على الله . فأرض الله واسعة وخيراتها غير محدودة بزمان  

أو مكان . " وهو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور " ) سورة الملك 15 (

فالمسلم العامل المجتهد يكون منشرحا وسعيدا فى حياته . يخطط لمستقبل أسرته وأمته

) 12 ) إن النهضة الاسلامية الجديدة تكون نهضة شعبية تعنى بكل فرد من من أفراد الامة وتنمى مواهبه الى أقصى حدود الامكان . فهى ليست نهضة  فئة خاصة من الشعب أو طبقة معينة . ولذلك يعد كل ابناء الشعب لتحمل  المسؤوليات وفق مبدأ " كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته " . والنهضة  الاسلامية تؤمن بوحدة المسلمين وتراحمهم وهي تشجب التعصب المذهبى أو العنصرى المفرق بين المسلمين وتدعو الى ازالة الحواجز بين المسلمين مهما كان مصدرها ، فالاسلام دين توحيد وانسجام وليس دين تمزيق وخصام

( النهضة الاسلامية الجديدة تمارس التوعية والتثقيف فى عملية الاصلاح والبناء . فلا مكان للقسر والارهاب والسوط فى المجتمع الاسلامي  السليم . " ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هي   احسن " . إن الدين الاسلامي يعلمنا بأن تكون الوسيلة نقية شريفة لتحقيق  الغاية النقية الشريفة فالاسلام لا يجيز مبدأ " الغاية تبرر الواسطة

إن النهضة الاسلامية الجديدة تدعو الى السلام المؤسس على الحق والعدل والقانون بين شعوب الارض كافة . فالمسلمون لا يحاربون احدا الا لدفع العدوان . ولذلك فان السلام الذى يتمسك به المسلم لا يجوز أن يصبح استسلاما وتنازلا عن حق شرعى . والقرآن الكريم يدعونا الى الاتحاد والاستعداد والجهاد لضمان السلام الذى تحميه القوة . فالضعيف لا يستطيع أن يمنع شر الاعتداء عليه فهو عرضة لتلقى الضربة تلو الضربة . وهذا ما  يجب أن نتعلمه من نكبة فلسطين

) 15 ( إن النهضة الاسلامية بما تحققه من انجازات إنسانية وبما تتصف به من حسن معاملة وتسامح لغير المسلمين قد تشجع غير المسلمين على الاهتداء الى دين الله الحنيف وهو ما حدث فى صدر الاسلام : " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا . فسبح بحمد ربك واستغفره إنه

كان توابا " .

إذن فلا بد من اتباع أوامر الله تعالى حين يقول فى كتابه العزيز : " ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي احسن

وقوله : " قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نبعد الا الله ولا نشرك به شيئا "

فحسن معاملة أهل الكتاب والتسامح معهم ) إلا الذين ظلموا منهم ( هي لخير الاسلام والمسلمين والانسانية كافة . فلنكن جذابين لا منفرين لغير المسلمين . ولتكن حياتنا وانظمتنا قدوة صالحة للغير لنضمن جاذبية الاسلام للبشرية كافة

من وسائل تحقيق النهضة الاسلامية الجديدة :

بعد ان استعرضنا عددا من الملامح التى نرجو ان تتصف بها النهضة الاسلامية الجديدة يحق لنا ان نتساءل كيف نحقق هذه النهضة ؟ إن الاجابة  عن هذا السؤال ليس بالامر الهين بل يتطلب ندوات ودراسات علمية وميدانية يقوم بها رجال الفكر والريادة المسلمون وما سأقوم به هو إبداء رأي  شخصى متواضع نابع من حقل اختصاصى الذى هو التربية والتعليم : التربية بمعناها الشامل الذي يتناول الحياة بكاملها ويحسب الحساب الكافي للامكانيات البشرية والطبيعية المتوفرة . إن التربية التى نحتاج اليها ( بل تتوقف عليها ( النهضة الاسلامية الجديدة هى تلك التى تجمع وتوحد بين الايمان والفضلية والعلم والعمل فى حياة المسلمين . الاركان الاربعة لكل تربية اسلامية تكاملية . ولا يقوم البناء التربوى السليم ما لم نضمن هذه  النواحي الاربع فى تكوين الفرد والمجتمع . وهذا يتطلب اعادة نظر جذرية في كل نظامنا التربوية وبرامجنا التعليمية فى كل أقطار العالم الاسلامي

هذا من حيث المبادئ . أما من حيث التطبيق والتنفيذ فنحن نقترح الاهتمام باعداد الأم المسلمة والمعلم المسلم والزعيم المسلم . فاذا توفر هؤلاء وأعدوا اعدادا صحيحا فهم يكفلون تحقيق النهضة الاسلامية فى الحقل   التربوى على الأقل :

اعداد الأم المسلمة : إن ما نريده للمجتمع الاسلامي الجديد هو الأم الفاضلة التى تحسن تربية اطفالها تربية صحية وخلقية وعقلية ودينية  صحيحة . ان ما تعانيه بعض المجتمعات الاسلامية من عنف أو فوضى أو قلة نظافة مرجعه الرئيسى هو الأم . فالأم الفاضلة تستطيع أن تؤثر على زوجها فتوجهه الى الخير وتستطيع التعاون معه على تربية اطفالها على اللطف والادب  ، وعلى النظام وحسن الترتيب وعلى النظافة والعادات الصحية والتعاون مع  الغير . فالأم لها الدور الاول فى تكوين المواطنين الصالحين المؤمنين الذين تتجلى فيهم الفضائل الاسلامية . واعداد الأم المسلمة يتطلب اعادة النظر جذريا فى برامج تعليم الفتاة المسلمة واعطائها القسط الوافي من التربية الدينية ومن أصول تربية الطفل ) نظريا وعمليا ( وادارة البيت  

ب المعلم المسلم : إن المعلم المسلم يلعب دورا كبيرا فى تحقيق النهضة الاسلامية الجديدة . وذلك يتطلب أن يحصل على مستوى عال فى الثقافة  العامة وفي المبادئ الاسلامية وفى أصول ومبادئ التربية والتعليم . إن التربية السائدة فى معظم أرجاء العالم الاسلامى هى من النوع النظرى اللفظي الحفظي . فالمدرسة فى العالم الاسلامى اليوم قلما ترتبط بالمحيط وبالحياة  قلما تعنى باخلاق الطالب وتكوينه دينيا . ثم إنها " تزود الطالب بجواز سفر  للهروب من العمل المنتج " . فاعداد المعلم ليكون مربيا الى جانب كونه معلما من الضروريات لتحقيق النهضة الاسلامية الجديدة . ثم إن مهمة المعلم لا تقتصر على ساعات التدريس فى الصف ( القسم ) بل عليه أن يكون شمعة تنير السبل على البيئة التى يخدم فيها فهو بذلك يكون مرشدا وهاديا فى المجتمع  الذي يخدم فيه وهذا ما تتطلبه النهضة الاسلامية الجديدة

) ج ( اعداد القادة المؤمنين : لا حاجة للتأكيد بأن النهضة الاسلامية الجديدة تتطلب وجود زعماء على رأس المجتمع الاسلامى يتحلون بالتقوى ويصبحون قدوة حسنة فى حياتهم لشعوبهم . فلا طمع فى المال ولا فساد في الحكم . يديرون شؤون البلاد ويخدمون الافراد بتحقيق مصالحهم المشروعة عملا بالقول المأثور " سيد القوم خادمهم . وبما ان الجامعات وسائر المعاهد العليا هى المسؤولة عن تخريج القادة . فلا بد من أن يدخل الاسلام ودرس القرآن فى برامج هذه المعاهد . ولا بد من تنشئة القادة على التقوى والعلم والحكمة والشجاعة . فاذا تيسر العدد الكافي من أمثال هؤلاء القادة المؤمنين فيصبح تحقيق النهضة الاسلامية الجديدة أمرا مضمونا . هذه ملاحظات وجيزة تمثل

وجهة نظر فردية حول نهضة اسلامية جديدة تحقق انسانية الانسان . ورب معترض يقول كل ما قلته نظريات ومثاليات عسيرة التحقيق . جوابي أولا انها ليست نظريات ومثاليات بحتة انها نظرية - مثالية - واقعية ، ثانيا نحن نعيش فى عصر وفى عالم ملئ بالتناقضات والاضطرابات . وإن انتشار وتكاثر  الاسلحة النووية الفتاكة والصراع بين العمالقة فى الحقل الدولى جعل البشر اليوم على حافة الهاوية أكثر من أى وقت مضي . فنحن اليوم على مفترق الطرق ) والساعة آتية لا محالة ) . فاما ان نختار الصراط المستقيم ونعمل على انقاذ انفسنا والبشرية معنا إذا استطعنا ، وإما أن نسقط جميعا فى هاوية  الفناء والدمار . فالمسألة مسألة إرادية وعزيمة . هل عند المسلمين الارادة القوية  والعزيمة الصادقة ليخططوا للنهضة الاسلامية الجديدة ؟ أم انهم قابعون فى زواياهم غافلون عما يحاك ضدهم ؟ نحن ندعو الله أن يحقق المسلمون نهضتهم الجديدة التى تحقق انسانية الانسان فى عصرنا هذا وندعوه تعالى أن يوفق تونس البورقيبية أن تكون قدوة يحتذى بها فى تحقيق النهضة الاسلامية الجديدة . واختم مذكرا بقوله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

اشترك في نشرتنا البريدية