لا يعلم احد بالضبط متى نبتت هذه النخلة ولا كيف نشأت غريبة فى هذه الربوة ؛ فالنخل بهذه الارض نادر قليل والنادر القليل منه عقيم غير ذى طلح وهو فى وجوده هذا كانما يشكو العقم والغربة ويحن الى " الحمل " ولا يجد السبيل وكانما هو لا يعدو ان يكون صورة . . ولنخلتنا هذه السامقة العقيم ، اخبار مشهورة وقصة بين الناس وذلك مند ان التجا اليها " عبد الحق " واصابه الجنون عندها
قال " ابو المدارك " وكان صديقا " لعبد الحق " : " هي قصة ما ذكرتها الا احست برعشة المقرور واجهدت الى النسيان ووجدتنى كانما امزق السجف وانظر الى الغيب ، فانا الى الحنان والرأفة
. لقد كان صديقى " عبد الحق جميل المعاشرة ، رقيق الاحساس ، حلو الحديث وكان يعيش مع الناس : فمعهم يعمل واليهم يتوق . وكان كانما يحمل اثقالهم ويسع امالهم ويقول : نحن الى الخلق والابداع وبعث القيم ويقول هى الطريق ، تتسع وتمتد وتترامي ولا تنتهي وانه للسير المضنى والجهد ! . وكان كلما لمس اعوجاجا او راي زيغا من القوم وحيرة ، عمد الى النصح وشرح المبهم وتسلل الى النفوس برفق ، يقوم منادها ويكسر اغلالها ويدفع عنها الظلمة والياس ويبعث فيها النور ومعسول الامل ويستحثها على السير والاقدام ويقول : حتام التواكل والانكسار وحتام تفرون فرار الجبان وتخادعون ، فتخدعون ويقول اين السواعد والايدى فتمسك بعجلة الزمان وتنطلق احد من السهم ، فلا ياخذها الدوار ؟ وكان يقول كلاما غير ذلك كثيرا وكان ذلك شانه ودأبه
قال ابو المدارك : " وافتقدنا صاحبنا يوما ، وكنا خمسة من الاوفياء الخلص نجتمع اليه ، ففتشنا عنه فلم نجده وكانت به بقايا حنين - من عهد الصبا - الى التامل والانفراد . وانتظرنا به يومين كاملين وطال انتظارنا ونفد الصبر ، والحيلة ، فقمنا الى الاليف من اماكنه فلم نعثر عليه وسالنا والحفنا ، فما اجدى السؤال بنا والالحاف وكنا نجد لافتقاده فراغا فى نفوسنا كالخلاء وسقيم الشك وكنا نقول : كيف يقوى على البعد والهجر ويضمر لنا الفراق والبين ؟ انه إذن لكفور
وضربنا فى الارض يوما وقد احتدمت الهاجرة واشتد القيظ فكانما الى جهنم مسيرنا ومسنا اللغوب والعطش وكاد الياس يتسرب لينا لولا ان قال احدنا : " بقاؤنا بعده كعجز اليائس نموت او نعثر عليه وسرنا صدر يومنا وليس منا الا عرق يسيل وغبار ولهاث الكلاب ونحن من عطشنا نتمنى ان لو تجمع العرق فشربناه واننا لعلى بعض الطريق اذ بصرنا برجل كمثار النقع يمشى ، فقفوناه ساعة حتى اذا لحقنا به واحس بنا قال : فيم سيركم ؟ فقلنا نبغي صديقا قد ضل ، فما اجدى التفتيش ولا اغنى الطلب وقد انقطعت بنا الطريق ، فنحن على وجوهنا ولا ندرى المصير ! فاوما الرجل بيده وقال : صاحبكم اشعث ، اغبر ، طريح ، يتلظى الى جذع نخلة وهو الى الموت اقرب فوقع كلامه فى نفوسنا كشديد النار ، فملنا الى النخلة وكانت تبدو من بعيد وكان منبتها السماء فما اشرفنا الا وقد هدنا الاعباء فصبرنا وقلنا : " نحن قاب قوسين او ادنى " . فلما انتهينا اذا " عبد الحق كخلق الثياب مرمي واذا به بقايا نفس كذبالة سراج واذا عنده ماء وفاس فتعجبنا وخاطبناه فما رد الكلام ، فشفقنا عليه واخذتنا الرافة وارسلنا الدمعة ؛ ثم إذا هو قد تحامل على نفسه فاستوى على رجليه وحد جنا بنظرة من عين قد غارت فكانما كان ينظر من وراء الكون ! وتقدم من الفاس فاخذه فتجمعنا للوثوب فقهقه وقال : الا تستحون فنزلت كلماته فينا كوخز الضمير وقلنا ننتظر ما هو فاعل ! فطفق يحفر الارض ويحثو التراب ويقول : سترون المعجزة ! حتى إذا ما تهيات له حفرة أخذ صلصالا فعجنه ولينه وليق به الحفرة ثم ملأها ماء ونحن اليه ننظر ولم يسكن روعنا ثم قام الى خشبة فرمي بها فى الماء ورمي بخاتم كان باصبعه وصاح : هلم انظروا الى الذهب قد غاص والى الخشب يطفو على الماء ! فقلنا صاحبنا قد جن ثم قلنا اننا لم نفهم عنك يا " عبد الحق
قال " ابو المدارك " : فشخص عبد الحق ببصره الينا والعرق منه ينضح ثم جعل يدور حول الحوض كانما يمشى على ايقاع ويحرك الخشبة ويقول : كذا انتم يا بني الانسان لا يطفو الا الخفيف ، الخفيف ، منكم ، اما من ثقلت موازينه ففى الاعماق ، تلك سنة الكون يا بني الانسان ! فمتى تقلبون الاوضاع وتعيدون الخلق ! ثم صاح بنا صيحة شدتنا الى الارض شدا وما منا من يجرؤ عليه ثم حملق وقال :
يا اخدع من سراب
يا احقر من ذباب
يا اطمع من ذئاب
يا انهش من كلاب
يا بني الانسان .
تتهافتون على المناصب كالذباب على النتن . وتعشقون الالقاب وتعبدون " الطواويس " ، وتمتطون ظهور العباد لغاياتكم ، وتهوون الزائف من الامور ، وتقبلون على القشور ، وليس منكم الا شاهد زور ، او ساذج مغرور ، او فاجر كفور ، او فاسق في ثوب راهب ! الا مزقوا السجف ، واهتكوا الاستار ، وازيحوا الاثقال عنكم ، ثم انفذوا بالبصر والبصائر الى الاعماق . الى الجوهر
وانظروا الى نفس عارية كيوم الحساب ، بعين الحق ! فالام الرياء ، والخداع ، وحتام النفاق والسير الى الهاوية يا بني الانسان !
انى لاراكم تمشون على رؤوسكم ، فكانما الارض شظايا زجاج ، وكانما هى كلما ادمتكم ازددتم لها جريا كالحمار به دمل تراه يجرى فتحسبه سليما ، وفي جلده الصديد ، والنتن !
ذباب يطن
وصوت يرن
وكون عفن
وطرف رنا
لدور الخنا
كذا انتم يا بني الانسان !
قال " ابو المدارك " واخذته رعشة ، وما منا الا وجل ، محتار ، ثم صرع صرعة حسبناها الاخيرة ، واخذ يئن انين الرازح تحت الاثقال ،
فكانه كان من الابعاد يسمع ! فقمنا فنضحنا وجهه ماء ، وظننا انه الموت ، ولكنه فتح عينيه كالميت يبعث ، واطال النظر الينا ، فزادت دموعنا ، فقال : حتى دموعكم هذه ، ضعف الجبان ! يا بني الانسان ! فقلنا : هو السباب قد عاد إليه ، او الحمى تعاوده
وتحامل على نفسه ثانية ، وجعل يحرك الخشبة ، ويردد : هي الخشبة تطفو ، وكذا انتم يا بنى الانسان لا يطفو فى الحياة الا الخفيف الخفيف منكم ثم رفع يديه ، وشخص ببصره الى السماء ، كمن يتلقى وحيا يوحى ، وصاح :
مدارسكم خلاء
واعمالكم رياء
وظاهركم طلاء
واقوالكم هباء
يا بني الانسان
تعلمون الصدق وتكذبون ، وتدعون الايمان وانتم كافرون ، وتظهرون ما لا تضمرون ! الم يئن ان يتحد الظاهر بالباطن ، ويخلص القول للعمل ام انتم لا تفقهون !
قال " ابو المدارك " : واشتد الجنون " بعبد الحق " وطفا عليه ، فجعل يصفقق بيديه ، ويهز كتفيه فى شبه رقصة ويقول : كذا كتابكم انهم كالراقصات ، لا يكتبون الا على دقات الطبول والمزامير
وكالراقصات ، ينتظرون جميل الشكر ، ومعسول الاطراء ! وكالراقصات ، يتغزلون بانتاجهم وكالراقصات ، ينافقون ! " افلا ترون كيف يفرون من الآفة وهم اليها سائرون " افلا ترون كيف يضحكون ولا يبكون ؟ ام انتم لا تبصرون ؟
ثم رفع صوته فقال
" الا اين نار بها تتطهرون ؟
" واين صيحة بها تبعثون
واين فاس بها تهدمون فتبنون !
" واين اجنحة بها تحلقون !
" يا بني الانسان
قال " ابو المدارك " وهوى صاحبنا بين ايدينا ، وقد خارت قواه ، فكان الارض بنا ارتجت ، وزلزلت منا القلوب
ثم قال : تلك قصة نخلة المجنون ، وذاك سبب انتسابها .
اما " عبد الحق " فما زال - من يومها - بمستشفى المجاذيب ، وما زال يهذى كما كان

