1
أشباح ثلاثة تخرج فى غبشة الصبح الباكر ، متنافرة الشكل ، متباينة الحجم والهيئة ، ناشرة نشازا واضحا وسط دور الحي وعمارته المتلاصقة الرتيبة .
الأب ب " كدرون " أسود يلف جسده الطويل النحيل ، و " حرام " يتدلى طرف منه على صدره ، وطرف منه على ظهره
البقرة الشهباء الهزيلة بعظامها الناتئة ونظراتها الحزينة والحبل المتدلى من عنقها ينتهى آخره فى يد الأب
طفلة متوردة الخدين فى الخلف تخب فى " قشابية " صوف عريضة نازلة الى الكعبين تحجب أنوثتها وتقيها من عيون المتطفلين
الأشباح الثلاثة تنزل فى خط مستقيم . تتخلص من بنايات الحي حتى تصل الخنادق المحفورة بجانب الطريق الكبيرة
الأب الشيخ ينعطف إلى اليمين ثم يلتفت وراءه ليتيقن أن الجمع يتبعه بالمسافة التى حددها ، ثم يستقبل الطريق الممتدة أمامه ويبدأ المشي نشيطا
2
يعبرون بتلك الهيئة القرى فلا يأبه لهم واحد من أهلها . يشقون الحقول ليصفر لهم بعض الرعاة من فوق الكثبان وتنبح كلابهم . يرفع بعض الفلاحين رؤوسهم عن الأتلام والسواقى ويشيعونهم بالنظر حتى يغيبوا
يمشون . . يمشون . . الأب الشيخ من أمام ، والطفلة المتوردة الخدين من خلف ، والبقرة بينهما تهز رأسها يمينا ، وتهزه يسارا متابعة وقع خطاها وجلدة رقبتها المتماوجة تتأرجح كراية منكسة . قد تهن خطاها أحيانا فيشتد
الحبل في كف الأب الشيخ ويلتفت ، فتحرك الطفلة عصاها الصغيرة عند ذاك بين رجليها الخلفيتين فتستفيق من سهومها وتنشط من جديد ، وقد تهرول حتى تكاد تحاذى الأب ، فتحث الطفلة الخطو بدورها حتى تلحق بها وبه . ثم تعود إلى مشيها البطئ الرتيب وراسها يهتز هزاته المألوفة
يشتد بياض الشمس . يلجأ الثلاثة الى ظل بعض الشجر على حاشية الطريق . يتمدد الأب شارد النظر دون أن ينام . تأخذ الصبية الحبل منه وتقبع قرب البقرة . تدفن البقرة منخريها فى بعض الحشائش بنهم وتلذذ
3
الليل يلف إحدى القرى الضائعة فى سهل كبير . فى كتاب بعض المؤدبين قرفصت الصبية داخل " قشابية " الصوف العريضة بأحد الأركان ونامت . رأسها على ركبتيها . تمدد الأب عند الباب المفتوح واضعا طرف الحبل تحت رأسه . . وباتت البقرة ترعى النجوم وتنفخ فى ندى الليل مجترة بقايا ما فى جوفها .
يخرج الثلاثة فى غبشة الصبح مرة أخرى . الأب الشيخ من أمام الطفلة من خلف . . والبقرة بينهما تهز رأسها يمينا وتهزه يسارا . . والصمت والرذاذ البارد يلف الجميع
يمشون . . يمشون . . والطفلة تخب واهنة الخطى ، عسيرة الحركة . يشتد بياض الشمس فيشتد لهائها ، ويمتد لسانها مرات ليبلل شفتيها . . والأب صامت حزين . . يزداد ظهره انحناء .
4
ساعة الظهيرة . . في ظل بعض الشجر . الأب ينكت الأرض بعصاه البقرة تدفن منخريها فى الحشائش . . الصبية تخلع حذاءها المهترئ وتنظر الى أصابعها الصغيرة الدامية . . تلمع فى عينها دمعة . . تنظر الى أبيها الغارق فى حزنه . . تقضم شفتها وتبلع ريقها . تقوم وتتنفض ، فنهض الأب . يختار عكازا من بعض الحطب الغليظ . . يهش على البقرة . . ويعاود الجميع السير .
يمشون . . يمشون . . وعلى البقرة سهوم وفي نظرتها ذبول . . رأسها لا لا يهتز على وقع خطاها . . رأسها متدل يكاد يلمس ركبتيها . الحبل بينها
وبين الأب متوتر مشدود . . والأب لا يأبه لذلك ولا يلتفت . . وهنت خطاه ، ومد بأعلى قامته الى أمام كأنه يتأمل شيئا بعيدا . . أو كأنه يجر البقرة ، ويجهد فى ذلك جهدا
والصبية المتوردة الخدين تسير برجل وتجرجر الأخرى وفي إحدى يديها عصا صغيرة وفردة حذاء
5
مساء . . عند مشارف قرية صغيرة صغيرة . . وقف الأب الشيخ والصبية والبقرة . . أخذوا يتنفسون بقوة . . كأنما يتشممون رائحة ما . وفي الأفق القريب يتصاعد دخان " الطوابن " التى تعد خبز المساء ويمتزج بزرقة الغروب الزاحف على بيوت الطوب
يدخل الثلاثة الآن قريتهم في وقت واحد مع القطعان العائدة من الحقول القرية وعلى جنبات أفواهها آثار من عصير العشب الأخضر . يدخلون اشباحا ثلاثة مكدودة . . يندمحون فى زمرة القطعان العائدة . . لكن لا تستطيع وجوههم إبراز هذه البهجة التى تشيع فى وجوه الآخرين . كان مرعاهم أبعد ونصبهم أشد ، ولم يكن على فم بقرتهم أثر من عصير العشب الأخضر . ثم ضمهم ليل القرية . . وباتوا فى " عشتهم "
( 6 )
يدى على خدى . . وعيناى على غضون المربية العجوز وتلافيف جيدها الأجعد . . وفي ذاكرتى مناظر ورسوم وصور من قصتها التى شدتني لسماعها مع الاطفال واذ أوى الصبية الى مضاجعهم وبقيت معها وحدى أخذت أسأل عن البداية وألح فى السؤال
غارت الابتسامة التى كانت تسحر الاطفال وتشد عيونهم الواسعة وغابت العجوز ثانية للبحث فى ثنايا ماضيها البعيد
7
عاشت دهرا فى " عشة " ببعض أطراف قرية صغيرة صغيرة وسط حقول كثيرة واسعة ، لا تملك أسرتها منها شيئا ، ولا تعرف من الدنيا سواها
ماتت الأم ، أما الأب فيعمل " خماسا " أو " مكاريا " حسب الحال في كل سنة . . وحسب حاجة أهل الأرض له ، ولكنه استطاع أن يوفر لابنه الاكبر والوحيد قسطا من التعلم مكنه فى النهاية من الحصول على وظيف صغير بالعاصمة .
أرسل الابن فى طلب أسرته لما استقر أمره بالمدينة الكبيرة . . وكان على الأب أن يختار . . ومن هنا بدأت مأساته . لم يتصور نفسه يحيا بعيدا عن هذه الأرض رغم أنه لا يملك منها شيئا . . لم يسهل عليه أن يقطع الصلة بها . أن يتركها هكذا ويمضى . . أن يرتمي من قرار بحيرته الآمنة الى حضن المدينة الكبيرة . . هذا البحر الزاخر الذي لا يعرف عن أسراره وتقلباته شيئا .
ما الذي يشده هنا ؟ . . ولكن كيف سيعيش هناك ؟ ماذا سيفعل بمحصول السنة ؟ . . هل يبيعه ويأخذ معه ثمنه الى المدينة ؟ . . وهل تبقى النقود فى المدينة ؟ وماذا يفعل لو قدر له أن يعود ؟ ٠٠ أن يبدأ من جديد ؟
انقضى موسم الحصاد . . وأخذ الأب حصته ، فلم يعد لديه ما يتعلل به لتأجيل قرار الرحيل . وفي يوم قائظ حزم أمره ، ونزل الى سوق القرية بكامل ما جناه من محصول السنة . . وعاد فى المساء يجر بقرة شابة شهباء تلمع عيناها فتوة ونشاطا . . وتلمع عيناه زهوا وارتياحا .
8
الأب والصبية والبقرة الشهباء يدخلون الحي ويتوغلون فى أزقته وينزلون دار الابن الموظف بالعاصمة . نظرات الابن كانت تقول أشياء . . ولكنه لم يقل شيئا . . ترك لأبيه الأمر يتدبر تصريفه حسب ما يتوفر له فى الظروف الجديدة
بدأت أيام العسر بعد قليل ، إذ ثقلت الظروف الجديدة على الأب الشيخ وضاقت بها نفسه . كان يخرج صحبة البقرة كل يوم منذ الصاح الباكر الى أطراف المدينة فلا يصيب لها من القوت والعلف إلا التافه القليل . . ثم يعود بها آخر العشى واهنه ضامرة البطن ، فيسوى لها مضجعا فى سقيفة البيت ببعض الهشيم ، ويسوى له مضجعا قربها . . ويبيتان هناك تظللهما الكآبة الى صباح اليوم الموالى ، فينهض قبل الجميع ويزيل كل ما فرشه فى المساء لينسرح الطريق الى الباب . . ويخرجان . ثم كانت خصومات الجيران .
ومضايقات صبية الحى . . وملاحقة حراس الجنائن وخدم البيوت التى تمر بها البقرة الشهباء البريئة . . مما قلب حياة الأب الى جحيم ، أضافت إليه تلميحات ابنه الموظف بوجوب التخلص من البقرة يوما ما حطبا جديدا .
أما المحنة الكبرى فكانت يوم أمسك بعض الأعوان المقود من يد الأب يريدون تطبيق الحجز عليها . يومها بلغت المأساة قمتها . . ورأت الأسرة الأب يبكى لأول مرة ويومها كانت نظرة ابنه إليه حازمة ، وتجاوزت تلميحاته حدود الحديث الصريح
( 9 )
فى فجر اليوم الموالى أيقظ الأب ابنته وألبسها " قشابيته " الصوفية ، ولملم ما كان يفترشه ، ثم جمع كومة الهشيم التى نضدها للبقرة ، وأمر الصبية باتباعه على خطوات وراءها لتحثها بالعصا الصغيرة كلما توانت في المسير وعاد الجميع الى " عشتهم " التى ببعض أطراف قرية صغيرة صغيرة ، وسط حقول كثيرة واسعة لا يملكون منها شيئا . لكن البقرة الشهباء التى جاءت من السوق يوما تلمع عيناها فتوة ونشاطا شاخت بسرعة ، وغاض شبابها حتى أن الشتاء لم يحل إلا وقد قضت نحبها .
( 10 )
يدى على خدى . . وعيناى على غضون المربية العجوز وتلافيف جيدها الأجعد . . وأنا أسأل :
- وماذا صنع أبوك غامت عيناها بسرعة ، وقالت : - مات بعدها بأسبوع واحد
