الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

نداء الى العمل

Share

لقد تسلم اولو الامر منا مقاليد الحكم منذ زمن غير بعيد وما كان لهم بامور الحكم وشؤون السلطان كبير خبرة . ولقد شك الشاك عندئذ واساء الظن فى الداخل والخارج قوم كثيرون واذا بأولى الامر منا قد تحملوا مسؤولياتهم فاحسنوا ونهضوا من الامر لما لم ينهضوا له من قبل .

وينادى اليوم رجال الفكر منا واهل المعرفة والادب ان دعونا نتحمل مسؤولياتنا بدورنا ، والعمل بين ايدينا وافر والعزم وطيد . ويعلو هذا النداء اليوم ويتضح هذا الصوت فى جو جديد من الاهتمام والتفاؤل والفرح نرى بوادره في الشعب ( وهو دائب التوق الى المعرفة ) وفى الصحف والمجلات العاملة على نشر الثقافة ، الباحثة عن الطرق والوسائل وكذلك فى رجال الدولة

فهذه البلاد التونسية شعبا وحكومة ، افرادا ومنظمات ، تصغى الى رجال الفكر وتهتم بامور الفكر وتظهر اعانة وتشجيعا واحتراما وتفاهما وايمانا .

وهؤلاء رجال الفكر يسعون وراء العمل ولا يتأخرون امام المسؤوليات . فما هو دورهم وما هى اهدافهم ؟ ما هى الغاية التى ينبغى ان نعمل من اجلها وما هى العقبات التى قد تعترضنا وما هى مواطن العمل ؟

رجل الفكر هو الذى زاد الى عقله وعلمه وأدبه مروءة ونزاهة تجعلانه                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      لا يرضى بالدون ولا يقبل الباطل ولاياتي امرا من الامور عبثا . وهو ابدا مرتبط                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     بشعبه متضامن مع امته ودولته على الحق يبحث عن الحقيقة ويلقنها ويذود عنها .

وهو ابدا يشارك في مصير بلاده بأقواله وانتاجه ومؤلفاته وكذلك بسكوته .

واذا كانت هذه منزلة المفكر عندنا واذا كان طموحه الى الحق ظاهرا واتصاله بالشعب متينا وجب عليه ان يطلع على تراثنا الثقافى وان يجتهد فى فهمه وهضمه ثم

ان يعمل على تأديته وتبليغه والتعريف به عند مواطنينا اولا وعند الاجانب ثانيا كما ينبغي له ان يطلع قسما كبيرا من اهله وشعبه على ثقافة غيره . وانه يحسن به ان لا يفكر فى معاصريه ومن حوله لاصلاح العيش واكتساب الرزق فقط ولا لليقظة السياسية والوعى الاجتماعى فقط بل لاحياء الفكر ايضا للغذاء الروحى والثقافي . فعليه ان يتخير الطرق التى يستطيع ان يستهوى بها امته فيقودها - ولو بالسلاسل - الى حب العربية والقراءة بالعربية والى معرفا خاصيات التمدن الاسلامى والى فهم الثقافة عامة . والغاية من كل ذلك ان ندخل فى حياة المواطن اليومية استئناسا بامور الفكر وحاجة الى المعرفة واشتياقا . ولعل الامر لدينا يسير لما اعتدناه عند التونسى من الانفتاح والانشراح وقبول الجديد . فالرجل الذى (( سمن وأمن))  ينقصه الغذاء الروحى والوعى الثقافى والمشاركة العقائدية فى كل ما يقرر بالبلاد ويسطر .

غير انه قد يحول بيننا وبين تلك الغاية بعض العقبات منها ما نلتفت اليه ومنها ما لانكترث به ولعل اعظم العقبات ما نجده فى انفسنا من غالط الحكم وفاسد الراى بازاء لغتنا وتراثنا فلقد يسئ المواطن الصادق بلغته الظن ويرتاب فى امرها ولقد يظهر الاديب العارف بتراثنا ازدراء واحتقارا وينظر الى مالغيرنا بعين الاعجاب والتحبيذ وهو يعلم انا لا نستطيع ان ننقل من ثقافة اجنبية خاصياتها كما هى الى ثقافتنا . وهو يعلم ان الذى يريد ان يقلد ثقافة اجنبية

قد يصيبه ما اصاب الغراب الذي نسي مشيته ولم يحذق مشية الحجلة . وهو يعلم ايضا انه يجب علينا ان نجد الصلة والسر بيننا وبين اجدادنا فنفهم اغلاطهم وصوابهم ونفهم ما تركوه لنا من الداخل لا حسب مقايبس اجنبية

وقوالب لم تجعل لمثل ما نستعملها فيه . فاول ما نتسلح به هو الثقة فى تراثنا والثقة فى رجالنا سواء اعمل رجالنا فى الميدان الثقافى عامة ام عملوا فى التعليم والجامعة . فلا نظن ان كل اجنبى - مادة واشخاصا - احسن مما بين ايدينا واعمق معرفة من رجالنا . ثم ان الحسد آفة كل مشروع فعوض ان يصرف اصحاب الثقافة وارباب الادب همهم وتفكيرهم الى شؤون الادب والثقافة نراهم احيانا يتسرعون الى الامور الشخصية وعوامل الحسد والغضب والمغال ويتخذون الثقافة وسيلة للوصول الى غاية غير طاهرة .

فاذا نحن تجنبنا العقبات وانغمسنا فى ذلك الجو الذي يسوده العزم والارادة وحب المعرفة راينا ان الذين يحبون المعرفة كثيرون وان مواطن العمل متنوعة .

فمن العامل فى معمله الى الاستاذ فى مدرسته ومن البواب الى المهندس ، كل يهتم بالثقافة ويحاول الاطلاع على نشاطها . فالعزيمة موجودة والغاية واضحة واذ تنقص البلاد ( كما قلناه فى مقال آخر ) مدرسة ثقافية يجتمع حولها رجال الفكر يحسن ان تكون المنظمات القومية او الحكومية هى التى تسهر فى وعي واخلاص على توحيد الجهود وتوجيهها كان تحدث مثلا مجلسا قوميا اعلى للثقافة يتعاون مع المسؤولين عنها . ثم انا نستطيع ان نقسم العمل فى هذا الميدان الى ثلاثة اقسام :

اولا تحديد التراث الثقافي التونسى وابراز ما طمس منه واكتشاف ما جهل وانقاذ ما فرق ونسى مع تطهيره من كل ما لصقه من غلط وتصفية ما بقى من منحول ومزعوم ومشوه .

ثانيا المحافظة على ما ورثناه وذلك بالتدوين والتسجيل والنشر والبعث واقامة المتاحف والمكتبات . ويكون همنا فى ذلك الاحترام ثم التوزيع . ولعله يحسن بنا فى هذا الصدد - عوض ان ننقل الناس الى المتاحف وامهات التراث التونسي - ان نسهل على الناس الامر فننقل كنوز المتاحف الى انحاء الجمهورية ونقدم بين يدى المواطن كل ما يريد الاطلاع عليه .

ثالثا تنمية ذلك التراث بتوسيع نطاقه وتشجيع المبدعين والمنشئين .

ومواطن العمل عديدة فهى تشمل التراث المكتوب والمبنى والمصور والمنقوش والمروى والمعنى به الى غير ذلك من الميادين وانا نستطيع ان نبرز ذلك بالكتب والصحف والمجلات والتمثيل والاسطوانات والتصاوير والرسوم والمعارض الى غير ذلك من الوسائل

فهذه الكنوز مخبأة مبعثرة فى المخطوطات والمطبوعات في الصحف والمجلات في البيوت والشوارع فى الحواضر والبوادى وهذه العقول مستعدة للعمل فى نشاط وايمان فالى العمل لاحياء تراثنا والتعريف بثقافتنا فى الداخل والخارج .

اشترك في نشرتنا البريدية