طالعتنا هذه المدة أصوات جادة (1) من مواقع القيادة السياسية والفكرية والتربوية تستكر تفشي ظاهرة العنف فى مجتمعنا محللة أسبابها ودوافعها ومستعرضة لدرجاتها ومشهرة بعواقبها على كيان الفرد والامة . وتكاد تجمع هذه الاصوات على أن الحل العاجل لمجابهة أخطار العنف بدرجاته الثلاث وهى : العنف اللفظى والفعلى والسلوكى . هو كامن فى " مراجعة سياستنا التربوية حتى تكون الى جانب تلقين المعارف ميدانا فسيحا لزرع القيم فى نفوس الناشئة سواء كانت قيما اسلامية سمحة بلا تعصب مقيت و نغلاق مشين أو قيما ثقافية ارتضتها البشرية بأجمعها . . " (2) .
واستخلص الاستاذ البشير بن سلامه فى خاتمة الفصل " قضايا للتدبر " " أن الاحداث التى كانت البلاد التونسية مسرحا لها تحتاج الى التحليل العميق ومراجعة أنفسنا واختياراتنا ليمكن لنا أن نجنب البلاد الهزات واللازمات ..." .
كما استنكر على بعض المؤمنين بالمسار الديمقراطى بل أنصاره ودعاته سلوكهم المنافى للروح الديمقراطية اذ هم جوزوا العنف وسكتوا عنه وغذوه بصورة من الصور .
وانطلاقا من الميدان التربوى الذى أنتمى اليه سأحاول الاسهام ببعض الاقتراحات لعلاج ظاهرة العنف اذ لا يكفى معرفة الدواعى والبواعث والتذكير بالاخطار والعواقب المهددة لكيان الفرد والامة . فما هى السبل الضرورية لمجابهة تيار العنف بصفة موضوعية طويلة النفس تجنب بلادنا هزات مستقبلية . لا يقدر أى منا مدى خطورتها إن تجددت - لا قدر الله - وأحداثا مماثلة للتى عشناها مطلع هذه السنة ؟
إنى سيأركز تدخلى ثلاث اقتراحات جوهرية تتصل الاولى بالمدرسة والثانية بالثقافة والثالثة بهياكل الشباب ومنظماته .
1- دور المدرسة فى مجابهة العنف :
إن ما نلاحظه خلال السنوات الاخيرة من تفشب تيار العنف لا فى الجامعة والملاعب الرياضية فحسب بل فى معاهدنا الثانوية يجعلنى أتمسك بأن دور المدرسة فى علاج هذه الظاهرة لم ينته كما قد يظن أو يتوهم بعض السطحيين والمتشائمين بل فى المدرسة ومنها ينبغى أن يلقن النقد النزيه وتعلم مبادئه ومناهجه ويرغب فى مسالكه حتى ينشأ شبابنا المدرسى على حب الفكر الحر والبحث النزيه فى مختلف وجوه الظاهرة قبل التسرع باصدار الحكم الذاتى الانفعالى العاطفى .
غير أننا لو فحصنا برامج التعليم الثانوى فى اللغة والآداب العربية (3) مثلا لوجدناها تكاد تكون خالية من محور النقد واعلامه ومدارسه ومناهجه .
فلماذا لا يدرس النقد الادبى الا في السنة السادسة آداب فقط بواسطة " مختارات لطه حسين وميخائيل نعيمة ومحمد البشروش ومحمد الحيوى " ؟ وبقطع النظر عن مدى تمثيلية هؤلاء النقاد الأربع لظاهرة النقد الادبى
عند العرب - وهو ما يحتاج الى نقاش - فهلا يشجع هذا الفراغ وقلة الوسائل المساعدة على تربية ملكة النقد على جهل ناشئتنا بدور النقد والناقد وصعوبه النقد والتقييم للظاهرة وللخطط والمشاريع والاوضاع مما يجعلهم ينساقون بسهولة الى كل داعية أو متمذهب ؟
ولا يكفى فى نظرى مراجعة برامجنا التعليمية بشكل يبوئ قضية النقد مكانة ملائمة فحسب ما لم يرتكز تحوير البرامج على نقطتين أساسيتين هما نخدمان المسار الديمقراطى المنشود عمليا بعد أن حظى بالترخيص القانونى , وأولهما استشارة المعنيين بالامر من معلمين ومتعلمين وأولياء فى عملية المراجعة ، وثانيهما ضبط خطة طويلة النفس للتدريب على حرية التفكير والعمل والابتكار للطفل والشاب سواء داخل الفصل أو الورشة أو فى الملعب الرياضى وحديقة المدرسة .
11 - وظيفة الثقافة فى مجابهة ظاهرة العنف :
غير أن علاج هذه الظاهرة الخطيرة أى ظاهرة العنف ليست من مشمولات المؤسسات التربوية والعائلة فحسب بل انها تقتضى الى جانب مراجعة الاختيارات فى الميدان التربوى اختياراتنا الثقافية .
فلئن صرفت الهمم منذ فجر الاستقلال الى تأسيس الهياكل والمؤسسات الثقافية الى الآن وسنت القوانين والاوامر لتشجيع العمل الثقافى وترشيده والخروج به من التهميش فنشأت عديد المؤسسات الرائعة آخرها بيت الحكمة وصندوق التنمية الثقافية فان هذه المجهودات الجبارة التى لا ينكرها الا جاهل جاحد أو مغرض أعشى تظل مفقودة الجدوى ما لم نتفق على سلم قيم ثقافية نابع من تصورنا المستقبلى لنوع المجتمع ونمط العيش وأسلوب الرؤية الى الكون والبشرية أى لنوع المستقبل الذى نروم لا العيش فيه بل نحته وصنعه يوميا . لذا فالمقترح هو مواصلة الاستشارة فى الميدان الثقافى حول محتوى الثقافة المنشودة الهادفة المناسبة لروعة هذه المؤسسات الثقافية التى تحملت المجموعة القومية اعتماداتها وتمويلها ، وينبغى الاسراع بتوجيه عملنا الثقافى الى ما يستوعب تطلعات شبابنا ويطفئ ظمهم لمنابع المعرفة والفكر والحركة
المعبرة والحوار المجدى والمحاضرة المفيدة والتوجه الذكى الى أهداف الامة واشواقها الى المناعة والعزة
وإن الثقافة المنشودة تكون وبالا على ذاتها والمجتمع ان هى أريدت لذاتها وقصدت الى ترف ذهنى أو بذخ فكرى مقنعين بشعار الفن للفن وبعنوان رفض الالتزام والقيود والضغوط التى هى خيالية عند دعاتها فعليها أن تسهم الاسهام الاكبر فى نحت المجتمع المنشود وتهندس لملامحه وصفاته على أساسى الاصالة والمعاصرة المعتبرتين لذاتية البلاد التونسية بأبعادها المغربية والعربية والاسلامية ، والأفريقية ، والمتوسطية ...
بذلك تمسى الثقافة لا عاملا هامشيا (4) يستهلك أثناء الفراغ وتعج به دور الثقافة والمسارح فى جلبة وضوضاء بل عنصرا فاعلا مؤثرا فى العملية التربوية لشبابنا تقيه عثرات الحيرة وتحميه من خطورة الفراغ وتغذى وجدانه وتزكى منه النفس وتحملها عبء الاسهام فى الثورة الاصلاحية على مظاهر التخلف
كما أن مراجعة اختياراتنا الثقافية والتحمس لتطبيق ما حظى بالاجماع يجعلان من الثقافة عاملا من عوامل مجابهة العنف الذى يلجأ عادة اليه حين يعجز الحوار ويكبو جواده وتدلهم السبل والمسالك لان الثقافة فى جوهرها إنارة لدروب اليقين وتبصير بسبل الحق والعدل والحرية وإنقاذ لنفوس الشباب الحائر اليائس - فى أغلب البلدان - من المستقبل المتبرم بالحاضر ما تنكر للماضى .
فعسى أن يتجه التفكير مجددا الى نوع الغذاء الثقافى الضرورى فى المرحلة التاريخية من حياة شعبنا وذلك بواسطة الاستشارة الدائمة عموديا وأفقيا لكافة المعنيين بالثقافة أى الى الشعب بكامله على النحو الذى يجعل الحوار متواصلا فيجنب الكبت الذى يفجر العنف .
111 - دور الهياكل والمنظمات الشبابية فى مجابهة العنف :
والى جانب مؤسساتنا التربوية والثقافية فى مجابهة العنف فان مهمة الهياكل والمؤسسات الشبابية لا تقل خطرا فى عملية التأطير للشباب والوقاية من داء العنف .
ذلك أن ما تشكوه بلادنا ليس قلة الهياكل والمؤسسات الشبابية بالنظر الى ما أنجز ولا يزال منذ فجر الاستقلال الى الآن من دور شباب وملاعب رياضية وما زخرت به الساحة الشبابية من هياكل واطارات وجمعيات ومقابلات ، بل ان ما يشكوه شبابنا وما ينتظره من مؤسساته وهياكله الشبابية - والاحداث الاخيرة خير دليل على انعدامه - التعلق بمثل وطنية عليا تجعله يفخر بماضيه المشرق ويعتز ، ثم يحافظ على مكاسبه وينميها لمجابهة المستقبل من جهة ثانية .
وقد آن الاوان لمراجعة سياستنا فى هذا الميدان على ضوء الخروج من النظرة السطحية المتعالية التى تعتبر نشاط الشاب وتنشيطه عملا هامشيا يقصد منه ملء الفراغ والترفيه ، الى نظرة أعمق تستدعى من الاختيارات الشبابية والتمويلات ما يجذر به الشباب فى بيئته وعصره ، وتحميه من اللجوء الى العنف المدمر .
أما السبيل لاستنباط الاختيار لكسب الحماس الضامن لنجاحه فهى الاستشارة أيضا للمعنيين بالامر والانصات الى آرائهم ورغباتهم وتوجهاتهم بما فيها من عفوية ومثالية .
وختاما فان دوافع العنف لا تعالج بمراجعة الاختيارات فى الميادين الثلاثة المذكورة مع ما تكتسيه من خطورة للصوقها بالشباب ذاته بل إن مراجعة الميادين الاخرى وما سلكت فيها من سياسات وطرائق وأساليب متصل بالانتاج أو السلوك تتأكد أيضا لا سيما سياستنا التشغيلية والسياحية والفلاحية والصناعية وغيرها ...
وإن انكباب ذوى العزائم الصادقة من نخبة مفكرة وقاعدة شعبية وحماس القيادة السياسية لهذه المواضيع كفيلة بالخروج من دوامة العنف تدعيما للمسار الديمقراطى لبلادنا .

