الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، اقليمية وامارة شعراء

Share

يقول الدكتور ابراهيم السامرائى فى رده المعنون بالاقليمية والنقد الادبي المنشور بمجلة الفكر ) العدد التاسع جوان 1963 ( انه نشر فى مجلة الاديب العراقي مقالة عنوانها ) امارة للشعر وامير للشعراء ( وكان امير الشعراء فى هذا المقال الشاذلى خزنة دار من شعراء تونس الكبار ثم قال :

وقد قلت : ان اخواننا التونسيين لا يؤمنون بالقول المشهور ) منا أمير ومنكم أمير ( وكأنهم يرون فى أنفسهم الوجه البارز المعبر عن افريقية الشمالية وربما قالوا للمشارقة اننا مثلكم او خير منكم الخ اه .

ولا أدرى لماذا يتشكك الدكتور فى قضية مسلمة فمن هو المؤرخ والاديب والباحث الذى يجهل منزلة ومكانة تونس العلمية والادبية بين أمم هذا المغرب العربي أو افريقية الشمالية على حد تعبير الدكتور قديما وحديثا ؟ فتونس يا حضرة الدكتور بدون تحامل او تعصب منذ رسخت فيها العربية وتوطدت دعائم الملة الاسلامية كانت ولا تزال الدرة المتلالئة فى تاج هذا المغرب تمده بانوارها المتواضعة وقرينة العراق تتجاوب معه بادبائها وشعرائها فى العصر الاغلبى ثم كانت الوارثة الوحيدة للعراق في القرن السابع الهجرى عندما رجع القهقرى وانطمست انواره باكتساح التتار الغاشم واقفرت معالمه وذهبت مدارسه وخمدت جذوته المتوقدة وتحولت اليها الخلافة الاسلامية من بغداد فى الطور الاول من حياة الدولة الحفصية وسل التاريخ ينبيك فاصبحت انذاك محط رجال العلم والادب من كل صوب وحدب فتسابقت فى ميادينها جياد الافكار وتفوقت على الشرق والغرب وبالتالى أليست تونس بلد ام البنين مؤسسة جامع القرويين بفاس ؟ والبلد الذى أسس الجامعة الازهرية وامدها بالمدرسين الاولين فهذا كله لا نزاع فيه وانما نقوله صدعا بالحق ويكفى بعضه أن يؤهل هذه البلاد

لتكون الوجه البارز فى هذا المغرب بدون أن ننسب الى العصبية او نعتز بالاقليمة . نعم اعترى تونس ما اعترى غيرها من الامم الاسلامية فتخلفت عن الركب ريثما اعدت العدة من جديد وهاهى تشق الطريق لنفسها بين الامم ولولا أن نرمى بالتغالى لاسترسلنا فى هذا البيان ولكن هي الحقيقة التى يعبر عنها الحاضر والماضى المجيد .

أما الاقليمية التى يعنيها الدكتور السامرائى وبالمعنى الذى عبر عنه فهي وهم بالنسبة للمغرب العربى الذى لا يعرف هذه الاقليمية فى الادب بدليل ان المنتمين للثقافة عندنا كانوا منذ القديم ازهد الناس في ادبهم الاقليمى وقد ذكر مؤرخو الادب العربى ان الصاحب بن عباد الاديب الذائع الصيت فى العالم العربى القديم كان يسبيه اسم كتاب ) العقد الفريد ( لاحمد بن عبد ربه الاندلسى فكان شديد التطلع والتلهف للاطلاع عليه لانه يظن انه درس الادب الاقليمى دراسة تمكنه من الاطلاع على ذلك التراث القيم فلما ظفر به واخذ يتصفحه سرعان ما طرحه من يده مغضبا وقال ) هذه بضاعتنا ردت الينا ( وقد شكا هذه النفسية نفسها ابن بسام صاحب الذخيرة فقال في مقدمة الذخيرة :

وما زال فى افقنا هذا الاندلسى القصى الى وقتنا هذا من فرسان الفنين (يعنى النثر والشعر ( وائمة النوعين قوم هم ما هم طيب مكاسر وصفاء جواهر وعذوبة موارد ومصادر لعبوا باطراف الكلام المشقق لعب الدجن يجفون المؤرق وحدوا بفنون السحر المنمق حد الاعشى ببنات المحلق فصبوا على قوالب النجوم عزائب المنثور والمنظوم وباهوا غرر الضحى والاصائل بعجائب الاشعار والرسائل ) ثم يتخلص الى القول ( الا ان اهل هذا الافق ابوا الا متابعة اهل المشرق يرجعون الى اخبارهم المعادة رجوع الحديث الى قناده حتى لو نعق بتلك الافاق غراب او طن باقصى الشام والعراق ذباب لحنوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما واخبارهم الباهرة واشعارهم السائرة مرمى القصية ومناخ الرذية لا يعمر بها جنان ولا خلد ولا يصرف فيها لسان ولا يد فغاظنى منهم ذلك وانفت مما هناك الخ ا ه

أما الاديب الشهير ابو الفضل بن شرف القيروانى فقد ترك كلمته المشهورة فى التذمر والشكوى المرة من هذه النفسية :

لعمرك ما حصلت على خطير .. من الدنيا ولا ادركت شيا

وها أنا خارج منها سليبا .. اقلب نادما كلتا يديا

وابكى ثم اعلم ان مبكا .. ى لا يجدى فامسح مقلتيا

ولم اجزع لهول الموت لكن .. بكيت لقلة الباكى عليا

وان الدهر لم يعلم مكانى .. ولا عرفت بنوه ما لديا

زمان سوف انشر فيه نشرا .. اذا أنا بالحمام طويت طيا

اسر باننى سأعيش ميتا .. به ويسوءنى ان مت حيا

وقد ظلت هاته النفسية غامرة لمجموعنا حتى مستهل العصر الحديث ومعنى هذا ان بيعتنا للشاذلى خزنة دار أمير للشعراء ببلادنا لا دخل للعصبية والاقليمية فيها بوجه من الوجوه ذلك أن شعر الشاذلى وبيانه له أهميته الفعالة في نهضتنا الادبية وثورتنا الشديدة على  الظلم ومقاومة المغير الذى كان هدفا وغرضا لسهام شعر الامير ترميه شهبها الثاقبة وتؤزه وتزعجه وتذهب رشده وتفسد خططه الجهنمية خصوصا اذ هدد بالشعب وثورته :

وما الموج في الهوج الاعاصير هولها .. باروع من شعب تماوج مزبدا

وما الزأرة المدهيك ضرغام غابها ..  بازعج منها حيث يغدو مصفدا

وما المجد بالميسور ويحك نيله ..  فلابد للاحراز عنه من الفدا

وهذي خضراء البلاد حنينها ..  يكاد يهز المشرقين مرددا

وهذى صرخاتى كدابى بينكم  .. على الحق ما حادت ولا ذهبت سدى

وما الله عما تعملون بغافل ..  ولا مخلف يوم التغابن موعدا

فكونوا كما شاءكم خير أمة ..  مع الحق انصارا على الناس شهدا

فاى بيان نفث الامير من فيضه فى روحه فى سلاسته فى انسجامه فى روعته فى ثورته فلا غرو ان مجدنا الفترة التى عاشها وهتفنا للشعر الذي ناضل به عنا لاننا فى ذلك العهد لم نجد فى ادبنا الروح القوى العتيد الذى كان يسكن شعر أمير الخضراء على ما لدينا من ادباء كانوا يعيشون فى الفترة التى عاشها وما خطر ببالهم أن يجاروا الامير فى اشعاره الملهبة المحمسة المشجعة لاجبن الخلق فى عهد كان الشعب فيه فى اشد الحاجة الى تشجيع الجبان وتوطيد عزم المتلهف على الكفاح وتنبيه الضمير النائم فى ارض الجلاد وميدان الجهاد فلا يشعر بنكبته ولا بنكبة الاخرين فينبرى أمير الشعراء محرضا ومهيبا فى حماس نادر مهما اشتد الكرب وعبست الايام واصطلحت الخطوب وجدير بشاعر يقف فى ميدان الجهاد يحث النائمين على

الاندفاع ويمدهم بما يبث فى نفوسهم من اسمى المعنويات ان يكون اميرا للقوافى على الاقل :

دب الشعور فاحيا كل عاطفة ..  فينا واوجدنا من بعد اعدام

فخف من خف منا للوغى طربا ..  مستسهلا حتفه مستصغر الرامي

ان الشجاع سخى الكف يشبهه ..  هما الشقيقان مقدام لمقدام

كلاهما ابدا ان ازمة عرضت ..  تجده للوطن المستبسل الحامى

أولئك القوم صرعي في معاطنهم .. مسيجون بالآم واسقام

وانتم فى ظلال الامن مرتعكم ..  الم تكن بينكم وصلات ارحام

ما السجن والابعاد عار انما ..  ما العار الا العجز والاذلال

كم من شريف فى القيود مكبل ..  وفتى وضيع سره التجوال

هذا يرى الحياة تنفسا ..  وسواه ذلك عنده القتال

دون اقتناء المجد كل كريهة ..  فاصبر لها تتحسن الاحوال

فهل هذه المقاطيع الشعرية رصف للقوافى ونظم اجوف يذهب برونقه وروعته النقد السخيف المحبر على طريقة كتاب " الحواشى " فى العصور المتاخرة التى اشتغل الكتاب فيها بمناقشة العرض واهملوا اللب . . ام هى السهل الممتنع والجزالة المؤثرة التى تروعك وتبث فى روحك وروعك التضحية والثبات وتغريك بالجهاد والنضال وتحدو بك الى العزة وتحبب اليك الاستبسال وتواسيك فى احزانك وتشاطرك آلامك .

وها هو امير شعراء الخضراء يحدو بالرعيل بموسيقاه الشجية ليواصل السير الى الامام متأثرا بالايقاع المطرب المنبعث عن شعور حي وضمير طاهر واع مدرك لعظمة الرسالة التى يدعو اليها فيكون اول من يمد يده :

الا بالتعاضد فلنبتد .. فمدوا يديكم فهذى يدى

فهذا بجاه وهذا بمال .. وهذا بعلم لكى نهتدى

وكونوا رجالا يصان حماهم .. فهل للمحنة من عضد

وكونوا لرايتنا رافعين .. فهل للعزيمة من موقد

الا ايها القوم لا طاب نوم .. لمن بالبسالة لا يرتدى

هو الجبن لا كان للحر وصفا .. فكم ساق وحشا الى الاسد

فماذا التنافر ماذا التقاط .. ع - ماذا التأخر بالبلد

وماذا التقاعس ماذا التخاذ .. ل مآذا التظاهر بالجلد

وماذا التهاون ماذا التكاس .. ل ماذا التدله بالخرد

وماذا التراجع ماذا التجاه .. ل ماذا التصامم عن مرشد

فاين التعاون اين الحماس .. ة اين التوصل للسؤدد

واين الديانة اين الامان  ..  ة اين النجاة من الكمد

واين المروءة اين الشهام .. ة اين المقاوم للمعتدى

اترجون عزا وعيشا شريفا .. وفى الجيد حبل من المسد

حياة المذلة اردى حياة .. فهل للتقهقر من أمد

فما تعدون الشاعر فيكم يا حضرة الدكتور أهو الداعى للفضيلة والحاث على المثل العليا والمخاطب للشعب باللغة التى يفهمها والعذوبة التى يترشفها والسلاسة التى لا ينبو عنها ذوقه ولا يمجها أم الشاعر فيكم هو الذي يتوقل اعلى قنن البيان ويجيد ) الفن الرفيع ( ويحلق فيغيب ويستهتر فلا يدرك ويهزأ بالمبادى ويهتكها كلا فنحن دائما فى اشد الحاجة إلى شاعر ثائر على العوائد الممقوته يهاجمها وينال من أصحابها ويعالج امراض مجتمعنا :

وقد كان أمير الشعراء السباق لهذه الغاية والمجيد لتصوير فظاعتها والمتفنن في مقاومتها فهو أول شاعر رفع عقيرته منكرا وهو اول محطم للاصنام

مما تذوب به الالباب لو وعيت .. ما قد عراها وما منها الزمان وعى

ما ساغ شرعا ولا عقلا تمسكنا .. بالمخزيات فراجت بيننا سلعا

لو صورتها يد الرسام وارتسمت .. للناظرين عرفت المنظر البشعا

ومنها :

ساء التصرف فى حزن وفى فرح .. راهن بما شئت من تلقاه مقتنعا

لم تنفتق زهرة فى الاقتصاد لنا .. كلا ولا البذر من مبذوره زرعا

يجني الاطايب مما شاء غارسها .. اصلا وفرعا بذاك المجتنى انتفعا

الفقر ينهك والاسراف يعضده .. ضدان يا عجبا فينا قد اجتمعا

كم ضاعف الخطب في الارزاء مأتمنا .. فازداد منه فؤاد المبتلى هلعا

كأنما فوهة فى القبر قد فتحت .. ما خلف الميت فى اثناءها ابتلعا

طيب واكل وازهار واكسية .. زادت على الميت مما جره جزعا

تلتف حوله من احلافهم زمر .. ما من فتى منهمو الا وقد هرعا

يتلو الكتاب وآى الله تلعنه .. تعسا لحرفته يا بئس ما صنعا

وليس هذا فحسب فأمير الشعراء لم يترك ناحية من نواحي حياتنا الا عالجها وشملها شعره وحوتها رسالته الحصيفة فى اتزان وبلاغة وفصاحة وعذوبة بيان ولم يهمل الشاذلى خزنة دار المعذبين فى الارض والمنكوبين من بني الانسان . وانك لتململ حزنا وتهتز حسرة واسفا عندما تصغي اليه وهو يزجى اليك الصور الفاجعة التى تذوب لها الافئدة فاليك وصفه للبائسة التى ينتهكها المرض ويذيبها الفقر .

قامت وفى الطرف منها دمعة سقطت .. تسقي المورد اشفاقا على الغصن

مالت لايقاظ من نادته يا أبتى .. وفى المناداة ما ينبى عن الحزن

فاستيقظ الوالد المنكود طالعه .. لرقة الصوت مذ هفت على الأذن

ازاح عن رأسه أطمار غاشية .. وقام يعثر فى المسحوب كالشطن

وبالتالى فاننا وان نوهنا ببيان الشاذلى خزنة دار ودللنا على البعض منه فلسنا ندعي انه نسيج وحده في العالم الادبى وانه معصوم عن الاخطاء لا يتطرق لشعره النقصان كلا واى شاعر سلم شعره من ضعف التاليف ونجا من السخافة والكبوة فقد تجد في شعر المجيد الدرر المتألقة الشعاعة بجانب النظم المهلهل الضئيل الذى لا يؤبه له بل يستحى الشاعر نفسه من انشاده وقد تتصفح القصيد الطويل من شعر الفحول فتقرأ فيها السوقة المبتذلة والمعانى المرذولة كما يعلم ذلك من دراسة كتائب النقاد عن اساطين الشعر ورجال البلاغة وايمة البيان كابي تمام والبحترى وابى الطيب المتنبى وما اليهم من المجيدين وهذا الشأن في كلام البشر ) ولو كان من عند غير الله لوجدوا ) فيه اختلافا كثيرا ( ومن راجع ما حبره الادباء فى نقد شعر قائد الشعراء في الجاهلية وحامل لوائهم ) امرىء القيس ( وما اوضحوه من اخطائه في النحو في العروض في المعاني علم صحة هذا القول . ومن قرأ رساله الحاتمي في نقد شعر ابي الطيب وكتاب الوساطة بين المتنبى وخصومه للجرجاني ايقن ان الكمال الانسانى فى سائر الفنون كمال نسبى ) والكمال لله وحده ( .

اشترك في نشرتنا البريدية