الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، المغالطة

Share

" أول ما عليه تعتمد ، وإياه تعتقد ، ألا تستعجل باستحسان ولا باستقباح ، ولا باستبراد ولا باستملاح ، حتى تنعم النظر وتستخدم الفكر " . ابن شرف القيروانى

قرأت بعناية مقال : " الانسان الصفر . . . خيال وإلحاد . . . " الذى كتبه السيد على الشملى فى العدد الاخير من مجلة الفكر الغراء ، نقدا بل انتقادا للجزء الاول من قصتى " الانسان الصفر " التى نشرت فى نفس المجلة ( عدد ديسمبر 1968 ) .

أقول بادىء ذى بدء ان ردى هذا لا يمكن له أن يعتبر تهجما على السيد على الشملى ولا تبريرا للعمل الادبى الذى قمت به ، ولا ضربا من الفرار من المسؤولية . إنما هو زيادة فى التوضيح ، ومحاولة لربط الحوار بينى وبين من كتب نقدا او انتقادا بصفة نزيهة بعيدة عن كل مراوغة وختل ومغالطة ، ورفع للالتباس فى المفاهيم الادبية والفنية حتى يستقيم التأويل ، ويتم الفهم على الوجه الصحيح السليم .

وأريد هنا أن أوضح أن السيد على الشملى قد أخطأ فى الفهم فجاء تأويله خاطئا مما أدى - عن قصد أو بدونه - الى اتهامى بأمور لا علاقة لى بها . . .

واعتقد فى هذا الصدد ان السيد على الشملى قد وقع فى أخطاء جمة منها :

1) انه لا يميز بين " التجربة القصصية " و " القصة التجريبية " . وليس هذا كما يعتقد البعض بالامور الشكلية . بل من المفاهيم الاساسية فى الفن القصص والروائى الحديث . وهذان المفهومان مختلفان متباينان . ذلك ان كل

كاتب قصصى يقوم بتجربة قصصية ( وكلمة تجربة تعطى معنى المحاولة والمعاناة والتحمل ) بينما ليس كل كاتب قصصى يكتب قصة تجريبية ، لأن التجربة فى هذا المعنى هى فتح دروب جديدة من التعبير وادراك تام بالادوات القصصية المستعملة ، وتعمق للمضامين المشحونة فى القصة ، واختبار للشكل والاساليب والنماذج الشخصية .

وللتجربة القصصية معنى القيمة الادبية المطلقة ، فكاتبها يعدها من الاشياء التامة التى تقبل النقد ، بينما القصة التجريبية تعطى قيمة أدبية نسبية ، إذ ان كاتبها على وعى بأن قصته ستكون مادة للنقاش فى كل المستويات .

والتجربة القصصية لا تهتم بالقارىء بينما القصة التجريبية تسترعى انتباهه ويقظته ووعيه وعونه على حل المشاكل من مختلف الزوايا .

والاولى أعدها حاليا من الاعمال الادبية الجاهزة على الرغم مما فيها من التواضع اذ يقول صاحبها : " إنى أحاول " و " إنى آجرب " ولذا كانت التجربة القصصية لا تقبل المراجعة وإعادة التحرير وعجن الشكل والمضمون والاساليب من جديد ، بينما القصة التجريبية عمل أدبى متواضع لا يكون تاما إلا إذا شارك فيه القارىء بالنقاش وربما باعادة الكتابة والتحرير والتحوير والزيادة والنقصان .

وبايجاز فان التجربة القصصية انغلاق ، انغلاق الكاتب على قضاياه الادبية وعالمه الفكرى وكونه الثقافى ، بينما القصة التجريبية تفتح على القارىء تفتح مباشر يثير فيه صدمة فنية ، وحيرة خلاقة ، ونداء الى العمل المبتكر المثمر .

اذن فالتجربة القصصية هى عبارة عن همزة قطع اما القصة التجريبية فهى همزة وصل .

وهاك امثلة من الادب الروائى والقصصى العالمى :

من التجربة القصصية : " عودة الروح " للحكيم و " الاب غوريو " لبلزاك و " البؤساء " لهوفو و " الاخوة كارامازوف " لدستيفسكى و " رينى " لشاتو بريان و " دون كيخوتة " لسفنتتيس و " برق الليل " للبشير خريف و " للورد جيم " لكونراد و " راعى النجوم " للدوعاجى الخ . . .

من القصة او الرواية التجريبية : " القضية " و " القصر " و " فى البحث عن الزمان الضائع " و " أوليسيس " و " الصخب والعنف " و فى " المتاهة " و " مادام بوفارى " و " راشومون " و " الخالد " و " الطريق " ( فى مجموعة

القنطرة هى الحياة ) و " صحن كفتاجى بالعظمة " لمحمود التونسى والقصص الاخيرة لسمير العيادى ومحمود بلعيد . . . الخ . . .

والفارق الجذرى بين المحموعة الاولى والمجموعة الثانية ان الاولى مقننة ، خاضعة لقواعد جمالية معلومة معروفة ثابتة معترف بها ، وان الثانيه ناشزة ، باحثة عن قواعد جمالية ، ومختبرة لأساليب وأشكال شتى ومجربة لمضامين عدة .

2 ) الانسان الصفر ليست كما يعتقد السيد على الشملى " دعوة جريئة الى الانحراف والإلحاد " بل هى صورة قصصية ولا مقالية لرجل يبحث عن نفسه فى سجنه الذهنى واللغوى والزمانى والدنيوى فلم يستطع التخلص منه . وكانت الاحرف الغليظة فى المونناج المطبعى صورا لتلك الصرخات التى يطلقها الرجل فى سجنه والتى لم تجده نفعا . فهو اذن يدعو الناس الى الشفقه عليه والرأفة به . وهذا المعنى الاساسى يخالف ما ذهب اليه السيد على الشملى من تأويل خاطئ ...

3) لا يميز السيد على الشملى بين الكاتب وبين الشخصية القصصية . اذ يقول : "كان ( على الكاتب ) ان يبحث له عن طريق ينمى بها لديه الوازع الدينى " .

فهذا الكلام غير صحيح فى النقد الادبى . فانى أسأله هل " أحدب نوتردام " هو فيكتور هيفو ؟ هل " ك " هو كافكا فى " القضية " ؟ هل " مرسيل " هو " مرسيل بروست " فى " البحث عن الزمان الضائع " أين هو نجيب محفوظ فى " زقاق المدق " ؟ أين يحيى حقى فى " قنديل أم هاشم " ؟ أين " مورياك " فى " تريز دسكيرو " ؟ هل " فلوبير " هو " مادام بوفارى " كما يقول ؟ هل آلان ادغارب هو " الغراب " كما يحلل ذلك علماء تحليل النفس ؟ هل " ستاندال " هو " جوليان سورال " ؟

إذا كانت الشخصية القصصية الرئيسية " ناطقة رسمية " باسم المؤلف ، فسوف تكون تأليفه بدون شك من لون " الاعترفات " أما الرواية أو القصة فلا .

ولو تعمق السيد على الشملى هذا الفارق بين المؤلف وبين شخصيته الرئيسية لأدرك بدون شك الخطأ الذى وقع فيه ولما غالط كثيرا القراء . . . وليدرس السيد على الشملى هذه المفاهيم الادبية القصصية حتى لا يقع فى مثل هذا الخطأ فى المستقبل إذا اراد ان يكون ناقدا قصصيا حقا مسؤولا . . .

4) قال السيد على الشملى : " وإن ما ننكره هو ان الآية الكريمة التى تعيش فى أعماقنا يجعل منها الكاتب مادة يزيفها رجل قد يكون لا ذنب له ما دام لا يفهم ما يقول ، ولا يقصد الاساءة ما دام يحاول إخفاء افلاسه وعجزه فى تلاعيبه اللفظية " . هذا التأكيد - التزييف - غير صحيح . ذلك ان هذا الرجل الذى حكم عليه الكاتب بالصفر نائم لم يستفق الا مع الفجر قد نادته اعماقه الى الوعى الصحيح بكلمات مشرقة ( الآيات ) فلم ينتبه وظل يجتر احلامه المزعجة وليله المهموم ورقاده الدائخ واوهام المضنية . صحيح " لا ذنب له " لانه ليس بمدرك لما يقول لانه فى حالة نوم ، صحيح " انه لا يفهم ما يقول " لانه يحلم . صحيح " انه لا يقصد الاساءة " الى أحد ولا الى الدين لانه فى حالة لا واعية . " وانه يحاول اخفاء افلاسه وعجزه فى تلاعيبه اللفظية " هذا غير صحيح . لان هذيانه عبارة عن لا وعيه الحالك الدامس اما النداء فكان مشرقا ناصعا . الدليل على ذلك ان الآية الكريمة تقرأ بيسر وما بعدها ظلام فى ظلام لا يقرأ . فكان النص القصص تجسيما لهذه الادلة وتصويرا حرفيا مطبعيا لها " .

لكن لا يفوتنى ان انبه القارئ الى ان السيد على الشملى قد أشكل عليه النص والفهم والتمييز على الرغم من الملاحظة التى كتبها المؤلف لبيان ذلك فى آخر الصفحة الاولى من القصة التجريبية .

كما لا يفوتنى ان انبه القارئ إلى أن السيد على الشملى تارة يخلط بين الكاتب وشخصيته القصصية وطورا يفصل بينهما . وهذا تناقض سببه ماذا ؟

5) لم يبرز السيد على الشملى الاداة القصصية التجريبية التى استخدمتها . وهى المصطلح عليها " بتيار اللاوعى " ( Monologue interieur ) .

وكان الاحرى به أن يفعل ذلك اذ هو تصدى لنقد أو ( لانتقاد ) قصة تجريبية . وما ينجر عن استخدام هذه الاداة فى اللغة والاسلوب والصور والذكرى وسر النفس وتحليل الشخصية واستكشاف المجهول وابراز العقد والمركبات . . .

لو كان السيد على الشمالى ناقدا مسؤولا حقا لما وقع فى الاخطاء السابقة . فليطالع السيد على الشملى فى هذا الشأن ما كتبه مبتدع " تيار اللاوعى " " دوجردان " Dujardin لينمى به ثقافته النقدية الادبية .

6)  " الفن للفن " هذا كلام لا معنى له قد راج فى أوساطنا الادبية أيما رواج وهو لا يستند الى مفهوم مركز مدعم بل هو ضرب من التهمة والشبهة . ذلك ان كل من يكتب قصة أو شعرا أو مسرحية فى بلادنا تنزع شيئا ما الى التجربة والبحث يتهم بخدمة ركاب " الفن للفن " . لكن هل هناك من كتب فى تاريخ الحضارة قصة أو شعرا أو مسرحية من أجل " الفن للفن " ؟ لا أظن ذلك .

حتى ان اصحاب " البرناس " كانوا يعبرون عن مجتمعهم وعصرهم بشكل يخالف " الملتزمين " الذين يعالجون القضايا الاجتماعية والنفسانية لعصرهم ومجتمعهم . لكن كانوا يعبرون تعبيرا على اية حال ! . . .

7) العقيدة : هم الكاتب هو الاجتهاد فى مجال القصة التى يرى فيها النوع الادبى الوحيد الذى يعبر اصدق التعبير ويصور أصفى التصوير قضايا عصرنا ومجتمعنا ، ولم يفعل ذلك على حساب " العقيدة المقدسة " كما أكد السيد على الشملى ( وهذا لون من مغالطته ) بل اعتمد اللغة العربية فى قصته التجريبية . واعلم ان الكاتب يعرف التمييز - بدون غرور ولا مركب - بين " اللغة " و " العقيدة " . فلو كان يريد النيل من العقيدة لكتب مقالا لا قصة تجريبية . والفارق بين هذين النوعين الادبيين واضح جلى يدركه من مارس الخلق وباشر النوعين وانتج الصنفين . ولا أشك فى ان السيد على الشملى قد عانى المقال والقصة على الاقل .

8) " القوالب المستعارة " ما دام السيد على الشملى يتحدث بلغه التجار والقمارق فانى أذكره - وهو عليم - بأن القصة فى مفهومها الحديث فن دخيل على الادب العربى ، اى انه مستورد . وان الادوات القصصية : " تيار اللاوعى " و " الفلاش باك " و " الرسائل المتبادلة " و " تقديم وتأخير التصورات الذهنية " و " الحوار بطريقته الجديدة " كلها مستوردة من الغرب ما عدا السرد الذى هو فن عربى صميم . والشكل فى " زقاق المدق " مستورد ! ( انظر ما قال جاك بارك فى ذلك ) .

وبعد ، فانى لم أتعرض الا الى الاخطاء الكبرى التى وقع فيها السيد على الشملى اما البقية الباقية فيستطيع ان يبرز ذلك كل قارئ له إلمام بالأدب الحديث وبعلم اللغة وبالالف القصصى والروائى الحديث وبعلم النفس .

وانه ليؤسفنى ان أرى شابا مثقفا ينتهج ما ينعت بالنقد التهجمى التحطيمى الذى يفسد أسباب الحوار ويعفن ثمرة الجهد والاجتهاد ويغالط الناس فى مفاهيمهم الادبية .

وانى على يقين انه لو نمى السيد على الشملى ثقافته النقدية والقصصية والادبية لما كتب هذا ولتريث ولاطلق لعقله لا لعاطفته وشعوره واحساسه وذوقه العنان كما يقال .

وهكذا ما زلنا نطرح قضية النقد ومشكلة النقاد المسؤولين ومسألة ربط  الحوار لا بين المنتجين فحسب بل بين المنتجين والجمهور أيضا ( وذلك هو الأهم ) خدمة للفكر التونسى الحديث وتفانيا فيه وإخلاصا له .

ع . م .

اشترك في نشرتنا البريدية