هذا تعليق على عدد " الفكر " الممتاز عن " الثورة الكبرى " ننشره عملا بحرية الفكر من غير ان " يلزم " أسرة المجلة الفكر
لعل الاجدر بنا قبل ان نحلل ما جاء في العدد الخاص بالثورة الكبرى ، ناقدين او محبذين ، ان نفهم القارىء المعنى الذى نعطيه لكلمة ومفهوم " الثورة " والثورة الكبرى ، لكلمة ثورة معاني متعددة ، تذكرها القواميس وخاصة مرجعنا الاصيل ، - لسان العرب - ولكن ، نريد ان ننظر توا فى صميم المشكلة التى بحثها العدد الخاص من الفكر : هل تشكل الاوضاع التى نعيشها وهل تعتبر التراكيب الاجتماعية التى ظهرت فى تونس بعد الاستقلال " ثورة كبرى "
ارى لزاما ، قبل ان نحلل هذه وتلك ان نعود بالتحليل الى الواقع التونسى هذا الواقع الذى " يتكيف " يوما بعد يوم هذا الواقع الذى ظهر بعد الاستقلال والذى نعد " البورقيبية " طابعه وخاصيته
وها هنا ، أرى لزاما ان اعبر عن دهشتى لعدم وجود بحث عن " البورقيبية " . وما دام الرئيس ، كما وصف في الصورة " قائد الثورة " فمن المعقول ، ومن الطبيعى ان نحاول بحث البورقيبية ، بالنسبة الى معنى " الثورة " وبالتالى ، الى معنى " الثورة الكبرى "
ولم أجد كذلك بحثا عن معنى الثورة ؟ ولا هل هو ينطبق أم لاعلى الاوضاع في بلادنا ؟ ولم اجد تحليلا للمفهوم الذى تبتغية اسرة الفكر لها .
ولعل هذا ناتج عن فوضى القيم والمفاهيم التى نعيش عليها ، وناتج
عن الخوف الذي يجابه بعضا فى انفسهم حين يتصدون للحكم على واقعنا التونسى . حتى انك لتجد فى ما يكتبه غيرنا عن اوضاعنا ، يمتاز بطابع اوسع من الحرية وبنزاهة وصراحة اكبر ، حقا كل شىء ليس بكامل ، ولسنا من الذين يطلبون الكمال ، لكن من البين جدا ، اننا نستطيع ان نحور كثير من شؤون بلادنا - وليس الحكم - اعنى البورقيبية بمسؤولة عن هذا ولا شك ان مقالة القرمادى قد اشارت الى ما يداخلنا من الحيرة أمام بعض الاوضاع غير العادية .
معنى الثورة : لا ارى حاجة فى ان اقول ان الثورة ، بالنسبة لوضع سياسى واقتصادى واجتماعي ما ، فى بلد ما ، هي قلب الوضع القائم ، راسا على عقب
ولقد عرفت بعض شعوب العالم ، ثورات ، اهمها ثورة فرنسا سنة 1789 ، وثورة روسيا سنة 1917 والثورة الصينية سنة 1950 وقد اتفق الناس على ان ينعتوا الاولى بالثورة البرجوازية ، - لانها حافظت على نظام الملكية ، وتركت وسائل الانتاج في ايدى اصحاب رؤوس الاموال - وحافظت كذلك على نظام الانتخاب التمييزى . واتفق الناس على ان ينعتوا الثورة الثانية بالثورة الشيوعية لانها اشاعت الملكية ، واعادت وسائل الانتاج الى المنتجين وعممت نفود الدولة فى جميع ميادين الحياة
وهكذا ، اصبح معنى كل ثورة ، واصبح مفهوم الثورة مصطبغا بصبغة جديدة ، صبغة الانقلاب ، والمباغتة ، ويمكن ان نضيف الى هذا وتلك ، صبغة الانقلاب " الدموى " الذى لا يقيم نظاما جديدا - على اسس النظام القديم - الا بعد قطف الرؤوس التى اينعت
وكل ثورة . تقدمية . وصفة التقدمية ادت الى الا يطلق معنى " الثورة " الا على الحركة التى هدفها وضعا تقدميا ، او ان شئت ان تعبر عنه تعبيرا عصريا ، وضعا " يساريا " .
ولقد سمع الناس " بثورات " متعددة ، تطالب لنفسها بالثورة والثورية ، ولكن الناس لم ينخوا - ولم يخدعوا - لهذا التزييف . فهم ادركوا ، ان حركة هتلر ، - النازية - وحركة موسلينى الفاشستية وحركة عبد الناصر وان ادعت صبغة الثورة ، فهى فى الحقيقة من الثورات " الرجعية " .
والثورات " العسكرية " المتوالية ، التى كان الشرق الادنى واميريكا اللاتينية مسرحا لها ، قد علم الناس أنها هى أيضا ، ثورات " رجعية " وهكذا قام معنى الثورة ، على مفهوم الانقلاب ( والانقلاب المباغت ) وعلى قلب الاوضاع قلبا دمويا ، وقام معنى " المعاكسة للثورة " ، على مفهوم الرجعية والتحجر غير ان مفهوم الثورة ومفهوم الرجعية ، قد ارتبطا ، - منذ ربع قرن تقريبا بمفهومين جديدين
اما الثورة ، فقد ارتبطت بمعنى الاشتراكية . حتى انك ترى وتسمع كل حركة ثورية قامت فى العشر سنوات الاخيرة ، تدعى ان " الاشتراكية " هدفها الاخير . ولا بد ان نشير هاهنا الى تأثير المبادىء " اليسارية " سواء كانت وجودية او مركبية على المفهوم الجديد ، الذى اصبح في اذهان الشباب والكهول عن الثورة . ولا نتعدى الحقيقة ان قلنا ان العالم باسره كان يلوح بانظاره الى الواقع الروسى ، والآن الى " الواقع الصينى "
ولرغبت ان اجد تلويحا من المشاركين فى عدد الفكر الى هذه المفاهيم ، والى هذه الحقائق ، ولاردت ان تدرس البورقيبية و " صيرتها " ، بالنسبة اولا : للثورات الرجعية - عسكرية كانت ام سياسية - وثانيا : للثورات " اليسارية " - سواء برجوازية او مركسية -
وذلك ، لانى اعتقد ، كما سنرى ، ان البورقيية ، " ثورة " يسارية (1) وان كان يغلب عليها طابع " الاصلاح "
ولكن لنعد الى تحليل فكرة العدد ، وروحه .
الاسلام والثورة الكبرى : لست من الذين يربطون بين الدين والثورة . وان نحن لا يمكن ان نربط بالمرة بين الاسلام - فى تاريخه - وبين ثورتنا الحالية ، التى قامت بالضبط نفيا للقيم الاسلامية - او على كل حال ، اعتقد هذا
ولهذا لم أجد شيئا هاما فيما قاله الاستاذ بو يحيى ولا فى ما جاء به الاستاذ غديره
ولا يمكن بالمرة ، ان نستمر فى الشعوذة والنفاق الفكرى . فالاسلام لم يكد يخرج من الجزيرة العربية فى القرن السابع ، حتى استقر فى ارض العراق ، وايران ، وسوريا ومصر والمغرب والاندلس ، واصبح " ايديولوجية " الطبقة الحاكمة . وسلسلة الثورات التى انارت التاريخ الاسلامي بانوارها الرهيبة - من ثورات الخوارج ، الى ثورة الزنج الى ثورة القرامطة ، الى ثورات محلية متعددة لا أرى حاجة لذكرها - كل هذه الاحداث تؤيد لنا أن التراكيب التى اوجدها الاسلام ، والتي كانت قائمة على النظام الاقطاعى وعلى مجتمع اباح الرق ( وكانت ثورة الزنج موجهة ضد هذا النظام الاجتماعى والاقتصادى الجائر ) ، لم تكن لتوافق رغبة الانسان في الكرامة والحياة العادلة
والذين يريدون ان يبحثوا عن " عقيدة عصرية " يبحثون عن امر يستحيل وجوده . ولقد اشار الفيلسوف جاك ماريتان Jaques Marritain فى كتابه " روح انسانية كاملة " Humanisme integral الى الخطأ الذي يرتكبة عادة اؤلائك الذين يبحثون عن " دين جديد " .
وما دمنا فى ثورة ، وفى ثورة كبرى ، فمن خطأ الرأى ان نحاول اصلاح ما لم يعد ممكنا اصلاحه .
ولقد اصبح المسلم غير مسلم ، لان القيم الاسلامية التى عاش عليها " الرجل المسلم " ، قد امحت من عقليته . فهو لا يأبه لا بالمعروف ولا بالمنكر ولا يأبه لما عساه ان يعده البعض اثما وفسقا . فهو رجل جديد ، وعقلية جديدة ، وستزيد الايام في البون الذى يفصله عن ماضيه . وهذا الرجل اصبح يلوح بعينيه الى قيم أخرى ، ويطالب بتحقيق واقع آخر . الواقع الاشتراكى ، هذا الواقع الذى - مهما قلنا ومهما حاولنا - هو نفي للواقع الاسلامى .
من " رواد " ثورتنا الفكرية ؟ قلنا : البورقيبية نبعث من نفس الروح الذى نبعث منه الاشتراكية . وقلنا ان الاسلام - وان بلغ تعلقنا العاطفي به ما بلغ - لا يمكن بالمرة ان يكون القاعدة لثورتنا الجارية الآن بل ارى ثورتنا هذه نفيا للتراكيب التى عاش عليها القرون الطوال ، فهل يصلح ان نعد ابن المقفع ، وابن خلدون وابن ابي الضياف من رواد ثورتنا الفكرية ؟
وان كان هدفنا الاخير ، قيام نظام اشتراكى عادل ، فهل من الصالح نعد هؤلاء الكتاب والمفكرين روادا وقادة لنا ؟
اما ابن المقفع هذا الرجل الثورى حقا - الذى مات شهيدا فى سبيل عقيدته ، وقد قتله " الحكم " خوفا من عدوى ارائه ، فلا بأس من ان نعده من رواد ثورتنا وارى لاختياره مغزى ومعنى لا يخلو من دلالة فهو قد يكون المفكر الاسلامى الوحيد الذى جعل منه المفكرون رمزا للحرية الواسعة التى يطالبون بها لانفسهم ازاء " الحكم " . وهو على كل حال ، رمزا كلما وجدته ادركت ان هنالك ازمة . وان المفكرين العرب يعيشون فى ازمة ولقد بحثت ابن المقفع وعصره وأراءه ومصيره ومصير تفكيره بحثا طويلا
وتفكيره اليوم ، يطالب بالانتماء اليه المفكرون البرجوازيون والمفكرون المركسيون . فهذا محمود المسعدى فى سانحة المباحث ( ديسمبر 1945 )، وهذا فرحات الدشراوى ( فرحات حشاد - الفكر ) وهذا عامر غدير. ( مسافر زاده الخيال - الفكر ) وهذا المنجى الشملى ( دور المثقف على حقيقته في مجتمعنا ) وهذا المهيرى ( العقل فى تراث ابن المقفع ) ، يعربون عن أزمة التفكير وأزمة المفكر التونسى امام الواقع " الثورى " الذى وجدوا انفسهم فيه وهذا رئيف خورى فى رواية " ثورة بيدبا " وهذا صلاح نمر فى مجلة الطريق ، - لسان الاحزاب الشيوعية العربية فى الشرق - قد جعلوا من كتبه ، البذرة الاولى ، لحصاد نزاع الطبقات والداعى الاول للوعى والتوعية - التى هدفها قيام نظام اشتراكى فى البلاد العربية
ولكن لا أرى ، والحالة هذه - كيف يمكن ان تعتبر حقيقة من رواد ثورتنا ابن ابى ضياف حقا ، ان تفكير ابن خلدون تفكير سابق لعصره ، لكن لا بد أن يفهم تفكيره على حقيقته ، على حسب ما نريده . وقد يكون ابن خلدون رائدا من رواد ثورتنا ولكن عند ذاك ، لا بد قبل كل شىء ان نخرج البذور الكامنة فى المقدمة ، وان نحلل مدى تقدميتها وابن خلدون ، وان كان قد عاش حياة " اقطاعية " وسار سيرة لا تخلو من " رجعية " وارتبط وربط حياته بالطبقة الارسطقراطية ، محتقرا " الغوغاء والعامة " ، كما يقول اكثر من مرة فى المقدمة ، فتفكيره يحمل بذور " الثورة " ، ولا تخش ان تقول : بذور الثورة المادية (1) اما ابن ابى الضياف فلقد انتظرنا بفارغ صبر ان نعرف وجهه وما عرفناه منه ، يسمح لنا بان نعتبره نوريا ومن رواد ثورتنا
المفكرون والثورة الكبرى : (1) فى الابراج العاجية لا اريد ان اعود بالتحليل فى هذه الفقرة لما قرأه الناس فى بحثى بمجلة الاذاعة . ولكنى اشير مرة اخرى الى لزوم الاندماج في ديناميكية التطور الحالى ، وان على المفكر ان لا ينعزل عن الوجود وعن الشعب . وكثيرا ما اسمع المفكرين يتحدثون عن الثورة وعن البورقيبية . ولكن هؤلاء قد بعدت بهم حياتهم عن الحياة . فلم اعد ارى منهم من يجلس للشعب فى المقاهى الشعبية ، ولا من يعبر ، مختلطا كما كان يفعل قبل ، الطرق العامرة الطافحة بابناء وبنات الشعب ، ( نهج الزرقون وسوق النحاس وسوق العاصر ) بل ناءت بهم المثل العليا التى اقاموها نصب اعينهم كالاصنام ( السيارة والمرأة والفيلا . . . ) الخ عن ادراك ما فى الواقع
( 2 ) الاختصاصيون ويقترب الاختصاصيون من الواقع ولا شك انهم حللوه تحليلا لا يخلو من عمق
فما قالته فتحية مزالى عن " النهضة الاجتماعية " وتحديد النسل " ، اشارة بليغة ، لمشكلة من اهم مشاكلنا ، ان لم نقل ام المشاكل فى بلادنا ودراستها هامة ، وان نحن لا يمكن ان نوافق ابدا على بعض خواتمها كما سنتعرض لذلك بعد حين .
وكذلك مقالة عز دين قلوز عن " انبعاث الوعى الاقتصادى " مقالة اختصاصي ماهر .
ولكن ، ما نصيب الحياة ، ما نصيب دنياميكية الحياة من هذا البحث وذاك .
البورقيبية : صيرورة او ما بين الفكر والفعل كل ما يظهر فى مجتمع يتقدم نحو صيرورة جديدة ، هو نتيجة لتطور داخلى ، وعملية جدلية بين الماضى والحاضر بين الواقع والارادة فى تحويره
والواقع ها هنا - هو هذا التخلف الضخم ، الذى ورثناه عن عصور الجمود والموت . ولكن من الصعب ان لا نعترف بان هذا الواقع قد دخل عليه التطور
وهذا التطور ما سمته مجلة الفكر بالثورة الكبرى - وان كان فى هذه التسمية شىء من المجازفة ، هو البورقيية فى صيرورة ناتجة عن الفكر - البورقيبى - وعن عمل الحكومة البورقيبية
وها هنا اريد العودة قبل كل شىء الى أمرين اساسيين . الاول الى الفكر البورقيبى ، الذى يرتكز فى ايجاز
- أولا وقبل كل شىء - على القوة ، او انقلب الثورى La violence وفي هذه النقطة ، اريد الاشارة الى ان البورقيبية نزعة ثورية محظة . ولا نطالع ما جاء فيما كتبه وما قاله الرئيس فى " تونس وفرنسا " Tunisie la la France et ولا نحلل ماجاء فيه دون ان تقوم في اذهاننا رابطة بينه وبين ما كتبه زعيم الفكر المركب engels دور العنف الثورى فى التاريخrole de la la violence dans ! histoire فالبورقبيبة ، قبل كل شئ - احببنا ام كرهنا - عنف ثورى ، ومواجهة ثورية للأوضاع والاحداث . وهى تستلزم اولا وقبل كل شى - القوة ، او العمل الثورى الايجابى . ومن هذه الناحية ، تدرك معى ان البورقيبية " يسارية " وثورية "
ثانيا : تقوم على التفاهم والتصادق والاقناع الديبلوماسى . ولقد عنون الرئيس كتابه ب " خمسة وعشرين سنة فى سبيل تعاون حر " .
ولقد استطاع الرئيس ان يحل تونس مكانة عالمية ذات بال ، بفضل طريقة " التفاوض " و " المسالمة " ما امكن . ولكن يقترف الذين يتحدثون عن البورقيبية ذنبا كبيرا حين يغلبون المظهر " التفاوضى " على الناحية " الانقلابية " وهذا غلط ، لان الرئيس نفسه قدم كتابه بجملة خالدة للزعيم والرجل السياسي الهندى جواهر لال نهرو ، " افضل الحرية التى تنال بالدماء والثورة على العبودية التفاوضية "
وهى ترمى الى ان تكون الفكرة التفاوضية مغززة مؤيدة بالقوة الثورية ، القوة العسكرية . ومن هذه الناحية الشبه بين التفكير البورقيبى والتفكير الثورى المركب يبدو بينا ظاهرا كل الظهور
غير ان البورقيية ، تبقى الى حد بعيد مرتبطة بالواقع التونسى .
البورقيية والطبقات الاجتماعية نقرأ فى مقدمة كتاب فخامة الرئيس " تونس وفرنسا " ما يلى " ان طبقة البرجوازية المتوسطة هى العمود الفقرى للحزب الحر الدستورى . وعليها ان تجمع حولها فى وحدة الطبقة البرجوازية الكبيرة والطبقة " العاملة " .
وهذا الحكم او هذه الحقيقة ، يكمن فيها مصير البورقيبية نفسها . كانت ، طبقة البرجوازية الكبيرة قبل الاستقلال هى الحاكمة للبلاد والمساكة لزمام الحكم . وكانت جماعة البايات ، وجماعات المماليك وطبقة الاثرياء الاقطاعيين والبرجوازيين الكبار ( فى المدن ) ، تتمتع دون سواها بالحياة .
واعتمدت الحماية الفرنسية على هذه الجماعات وابقت هذا الوضع على الحالة التى عرفتها له .
ولكن التاريخ يتحرك . . . واذا بالطبقة البرجوازية الصغيرة تنمو وتستيقظ وتعبر عن مكانتها
وكان ما كان من كفاح ثورى فى سبيل أخذ الحكم ، يذكرنا ولا شك بالكفاح الذى قامت به " البرجوازية " الفرنسية لاخذ مكانة انسانية فى المجتمع الفرنسى . ولا شك فى ان ارتقاء البرجوازية الفرنسية الى الحكم - بمعاضدة الطبقات الشعبية خاصة طبقة صغار عمال المدن وفلاحى الارياف - على شبه كبير بارتقاء البورجوازية التونسية الى الحكم اثر الاستقلال
وما دامت الحالة فى تطور ، وما دمنا نوجه انظارنا الى " الثورة الكبرى " والثورة الكبرى يسارية تكون أو لا تكون ، والثورة اليسارية ، فى كلمة وجيزة هى امتلاك العامل لآلة عمله ، والفلاح للارض التى يحرثها ويسقيها من عرق جبينه ، فمن الصراحة ان نقول بان صيرورة البورقيبية تهمنا .
ونريد ان نقول ، معتمدين على ما قلناه عن شخصية الرئيس الثورية ، بان مصير البورقيبية وصيرورتها تكمنان فى ائتلاف الطبقة البرجوازية الصغيرة والطبقات العمالية الشعبية ، لتطوير البلاد
واكبر خوفي ، هو ان يلتحق خيرة البرجوازية الصغيرة - كما بدأنا نشاهد ذلك - بالطبقة البرجوازية الكبيرة متناسين حقوق العمال والشغالين وسيكون اذ ذاك الوضع ثوريا . ولكن كما قلت ، لنا فى شخص الرئيس واعضاده خير ضمان عن تقدمية النظام
الطبقة العاملة في الحكم ؟ وقد يقول بعضهم ، اخطأتم ، انما الثورة الكبرى ارتقاء الطبقة العاملة للحكم . الثورة الكبرى : ديكتاتورية البروليطاريا والفلاحين ( بالنسبة للبلاد التى يغلب عليها الطابع الزراعى ).
واريد انناقش هذا الرأى ما دامت بلادنا بلادا غير صناعية وما دامت الطبقة العاملة " المختصة " قلية العدد ، وما دمنا لم ننجح نجاحا كاملا في نوعية العمال ، فكيف يمكن لنا أن نتصور ارتقاء الطبقة العمالية للحكم
واقول ان تونس احببنا ام كرهنا بلد يصطبغ بطابع البرجوازية الصغيرة . فالساحل ، الذى مد " الثورة " بخيرة ابنائها ، منطقة يغلب عليها طابع " الملكية الصغيرة " (1) واعنى بالساحل ، الساحل الجغرافى ، الذى يمتد من طبرقة الى بن قردان - وما دامت الحالة الجغرافية هكذا ، وما دامت الحالة والواقع الانسانى الذى يتولد عنها ، واقع " البرجوازية الصغيرة " فمن الصعب ، فى السنوات الاتية ان تقوم الطبقة العاملة بالحكم . . وان تضطلع به وثورتنا الكبرى هى فى الحقيقة اذا ، كما عبر عليها الرئيس تحالف البرجوازية الصغيرة مع الطبقتين العمالية والفلاحية . ولكن ، وما دمنا من البورقبيين ، وما دمنا من اليساريين فاننا نفضل ونؤيد تحالف البرجوازية الصغيرة مع الطبقة الشعبية - فى سبيل ايجاد جبهة متحدة - على تحالفها مع الطبقة البرجوازية الكبيرة . لان المستقبل للشعب
دور الحزب الشيوعي والشيوعية وعجبت حقا ، وانا اطالع عددا خاصا بالثورة وبالثورة الكبرى - ان لا احد شيئا عن الفكر المركب - ولا عن موقف " الفكر " وأسرة الفكر ، من الفكر والواقع الشيوعي . التفكير المركسي - احببنا ام كرهنا - يعد اليوم من اهم ينابيع الفكر الحديث خاصة تفكير الزعيم والمفكر الصينى ماوتسى تونغ رئيس الجمهورية الشعبية الصينية وحتى الوجودية ، فهى اخذت تتشرب من هذا التفكير الديناميكى الذى يجمع بين الفكر والفعل
ولا شك فى ان موقف المفكرين التونسيين القوميين أشاح بوجهه عن الينبوع المركسى - خوفا او جبنا ، لاننا ، على لسان فخامة الرئيس صرحنا بان الشيوعية لا تلائم اوضاعنا . ولكن هؤلاء المفكرين اراهم على غلط لانهم مزجوا بين الشيوعية السياسية ، التى تحدث عنها الرئيس ، وبين الفكر الشيوعي نفسه ، ذلك الفكر الحي ، الذى لم ينكر فخامة الرئيس
حاجتنا للتشبع منه وفى رايى انه لابد ان يلقح الفكر القومى التونسى ، بالفكر المركب ، - فمثل يوغسلافيا ، الدولة الصديقة فيه عبرة لمن اعتبر . وكذلك مثل الرئيس احمد سوكارنو وكذلك الرئيس سوكوتورى وكلاهما قد جمع بين الفكرة القومية والفكرة المركسية ، جمعا رائعا ، ونرجو ان تكون صيرورة البورقيبية هكذا .
وارى عدم تلقح فكرنا القومى بالفكر المركسى نتيجة عن تخلف الحزب الشيوعي التونسى ودوره الضئيل - فى المعركة القومية للتحرير المسلح من الاستعمار - وكذلك عن دوره الضئيل جدا فى التعريف بالفكر المركسى (1) ولعله لو كان للحزب الشيوعي التونسى بعض المكانة فى المجتمع التونسى لتغيرت اوضاعنا الفكرية وعسى ان يتغير الوضع
. . . والقومية العربية وعجبت كذلك ، أني لم أجد ، ولو مرة واحدة ذكرى للقومية العربية ولعل هذا ناتج عن شعور بمركب نقص يحس به عادة المفكرون التونسيون - من ذوي الثقافة الغربية - ازاء مفهوم القومية العربية فهم ، جهلا منهم يعدونها رهنا وحبسا على الجمهورية العربية المتحدة . والقطيعة التى تمت بين تونس وبين الجمهورية العربية المتحدة جعلتهم فى خوف مستمر ، فهم لا يجسرون ان يتحدثوا عنها ولا ان يقولوا كلمتهم فيها بينما ارى ان مفهوم القومية العربية من المفاهيم التى يمكن ان تدخل عليه البورقيبية - وهى فلسفة - حددنا شيئا منها وسنحددها بعد - لا بأس ان نعرف بها الشرق الذي يجهلها -
نحن عرب . وهذا أمر لا اختلاف فيه . ونشعر ازاء كل الشعوب العربية بالاخوة ونحس ازاءها برابطة تاريخية ولغوية ( ان لم تكن جنسية )
وما دمنا نعتقد ان من بين الفلسفات الحديثة التى على الانسان العربى أن يختار بينها ، توحد فلسفة هامة هي البورقيبية ، ارى لزاما ان نخوض المعركة مع مفكرى الجمهورية العربية المتحدة ، وغيرهم من البلدان العربية وان لا تكون القطيعة بيننا وبينهم سببا لعزلتنا
وهذه الفلسفة البورقيبية نرى اهم مظهر منها فى العقلية الدينية الجديدة
البورقيبية وحرية الفرد والدين . لم يفهم الناس عادة " الفعل " البورقيبى . فهم قد فسروا خطا تحديد الزوجات ، وفسروا غلطا حق المرأة في الطلاق ، وذهبوا مذهبا غالطا فى
تفسير دعوة الحكومة للانتاج فى رمضان . وذلك لان هذه ناحية من النواحي التى ظهرت فيها اصالة البورقيبية . فهى ، ثورة الفرد المكبوت على الجماعة الكابتة . وهى انطلاقة الانسان ذى العقلية العصرية على القيم البالية . وهي تعبير جديد عن الروح الانسانية الجديدة Humanisme التى نريد ان نحلها فى بلادنا . وأخاف أن تتنافى هذه الروح مع اعمال كثيرة - منها وآسف لذلك - تحديد النسل (1)
فما دامت البورقيبية ثورة كبرى ، فلندع الانسان التونسى ينطلق انطلاقته الكبرى - دون اى قيد - مادى او جنسى على شرط ان نحاول ايجاد مستوى حياة مادية يتماشى مع ما نرجوه له من خير عميم
اوضاع ثورية وتراكيب ثورية : جوابنا الاخير : الاوضاع التى نعيشها اوضاع ثورية : اهمها
- حرية " القاعدة " التى تتجلى في الانتخابات البلدية (2) - حرية المرأة التى تتجلى فى مشاركتها للرجال فى كل ميادين الحياة - تونسة البلاد : الاسماء اصبحت تونسية ( الوردية مكان بلفي والزهرة مكان سان جرمان ، والمنزه مكان كرميافيل ) والشوارع والمحلات الكبرى كلها تحمل طابعا تونسيا
- تونسة الاقتصاد التونسى : وهذه اهم ثورة - تونسة الثقافة : وان كانت هناك عوائق خطيرة لابد للحكومة ان تلتفت اليها .
- المكانة البارزة للتى اصبحت لتونس فى المنتدى الدولى ومعنى هذه الاوضاع ، ان التراكيب Sructures قد تغيرت أو اخذت فى التغير . وتغير التراكيب التى يعبر عنها صعود الطبقة البرجوازية الصغيرة الى الحكم ، هى فى الحقيقة ثورتنا الكبرى التى سنعمل بكل قوانا حتى يعم خيرها الجميع
