النقد الادبي - في حقيقته - أعسر بكثير من أى صنف آخر من الكتابة . لان مقوماته وعناصر تكوينة قلما توجد كاملة مجتمعة عند أحد النقاد . فهو لا يلين الا لمن اتسعت دائرة معارفه ، فدرس الآداب العالمية وميزها عن بعضها ، ووقف على دقائقها . وهو لا يلين الا المن رق شعوره ، وتهذب ذوقه وسيطر على عواطفه الطائشة . .
و " لكى بتاح للناقد النجاح في عمله لا بد له من أن يتصف ببعض الصفات كالاخلاص في النية والمحبة لمهنته والغيرة على موضوعه ، ودقة الذوق ورقة الشعور وتيقظ الفكر والقدرة على البيان " . (1)
والناقد - في حقيقته - شخصية ادبية نزيهة متزنة هدفها خدمة الادب لا الاديب ، ووسيلتها الجرأة الصريحة لا النفاق والمداهنة . .
واعتقد مع الكثيرين ان النقد الادبى النزيه يعتبر بحق العنصر الاساسى المنشط لحياة الادب . فهو المكيف العبقرى لشكلة ، والممهد البارع لسبيله التى ينوى سلوكها . اما هذه الملاحظات البسيطة والاحكام الطائشة التى كثيرا ما يرهق بعضنا بها البعض فمحاولات لم تتم نخاف أن تستحيل الى عبث محض لأن أصحابها يجهضون اجهاضا . . النقد عندهم وليد ساعته لانه أبسط ما تبديه أفكارهم من آراء . ألم يقولوا : " كل متفرج فارس " ؟ ثم ألم يقل إلى أحد الصلع من النقاد ، وقد اشتكيت له من صعوبة النقد : " يا بنى اسال مجربا ولا تسأل طبيبا . " ان ظاهرة النقد غريزة فى الانسان والحيوان فبكاء الوضع ضرب من النقد انه يحتج على الحالة التى سببت له هذا البكاء . وانت ايضا اذا قلت لاستاذك : اننى اوثر خوار الثور أو خرير الساقية أو صوت العصفور على صوتك وأوثر مدرسة الغابة والحقل والوادى على مدرستك فقولك نقد كذلك . " قلت له : نعم ! هكذا قال ميخائيل نعيمة ! فبرم شاربيه وكانه استحيي . وقال : " أعنى أن الناقد دوما على صواب . " .
وساحاول فى هذه الكلمات المتواضعة حول النقد في تونس ان اوضح بعض النقط اعتمادا على ما كتب لى ان اطلعت عليه ، ودون أن اتناسى ما قاله الدكتور نجم (2) : " الراى عندى ان النظر لا ينفصل عن التطبيق فى مجال النقد ، وناقد النقاد عليه ان يتتبع مناهجهم وآراءهم فيما خطوه نظرا وتطبيقا والإ كانت الصورة التى يخرج بها من دراسته ناقصة شوهاء . . الا اننى ساتناول جانب التطبيق وأترك النظريات لاننى ما عثرت على مقال او كتاب حيث فيه صاحبه التونسى عن قواعد النقد أو تاريخه او مشاكله أو ما يتصل بنظرية النقد . وسأخرج بعد النظر فى مقالات النقد وخصوصا ما نشر منها فى بحر هذا العام بنتائج سأحاول تلخيصها في أربعة أمور :
الامر الاول : ان بعض الكتاب أساءوا فهم وظيفة النقد في الحق الأدبي فهو عندهم خصام لا يكاد يختلف فى مضمونه عما عهدناه في الحياة الاجتماعية من خصام ومشاكسات . . فليس هم الناقد أن يغربل الانتاج الادبي ليقف القراء على حقيقة أمرة . . وربما شاطروه رأيه . انما همه الذي لا هم له سواه أن يقول القراء : للة در أبيه من ناقد أريب ! لذلك نراه يعصر قريحته عصرا لتدر عليه بعبارات جوفاء جافة سخيفة المضمون ، ولكنها مغرية بشكلها يجعل القارئ " المتفرج " يضحك ويصفقق دون أن يفكر في الاطلاع على ما كتب الكاتب ونقد الناقد .
والغريب ان لفظة " النقد " تعنى عند البعض محاولة العثور على نقط الضعف لا غير وقد سبق ان قلت مرة لاستاذى : اتشجعني عل انقد مقالك ؟ فما راعنى الا ان انتفض انتفاضة ضحك لها الزملاء . وقال أى عيب عثرت عليه ؟ قلت مبتسما وقد عرفت خطأه : ولكن سيدى لقد رأيت فى القاموس : " نقد الكلام : اظهر ما به من العيوب أو المحاسن . " فارتاح استاذى وقال مرعشا سبابته : يالك من شويطن اعرض عن مثل هذا .
فالناقد مصلح ومرشد ، ولكنه لا يرشد بالطريقة الفقهية . طريقة الوعاظ التى تجعل من النقد مأدة صلبة بعيدة كل البعد عن الفن ، قريبة كل القرب من العلم . انما غاية الناقد - كما يحددها ميخائيل نعيمة في غرباله التمييز بين الصالح والطالح ، بين الجميل والقبيح ، بين الصحيح والفاسد فما يفعل المغربل الذي يفرق بين القمح والزؤان (3) . " فان نظرنا مثلا فى نقد قصة " الصراع " (4) وجدناه فى بدايته رصينا حكيما يؤلف شبكة فنية زائعة . ولكننا سرعآن ما نلتقى بكلمات تعودنا أن نراها في مكاتب
البريد ، ومراكز الشرطة . . فبعد ان نظر الاستاذ خريف الى " صراع " كائن حى جميل لا عضو يفصل منه ، حن بسرعة الى " المذهب الفقهى " الذى كان سائدا فى الآداب العربية ، والذى يعتمد على تحليل النص بتقسيمه الى جمل أو أبيات والتحدث عن كل جملة أو بيت على أنه وحدة فنية مستقلة بذاتها ، فنراه يقول لكاتب الصراع ) 5 ( : " وبعد فاليك ايها الكاتب بعض " الارشادات " الى ما " نسميه " بالاساليب القصصية " وهي " : الحوار والوصف ، وابراز المواقف الرئيسية . . " الا تجعلك هذه النصيحة تتخيل الاستاذ خريف أمام مكتب مكتبه وقبالته السيد الليبى يأخذ عنه درسا فى القصة وأساليبها ؟ . الواقع انى تخيلته كذلك .
الامر الثاني : ان الناقد التونسى ناقد تأثرى بالمعنى العلمى لهذه الكلمة ، يعتمد على الذوق الادبى ، ويميز بالفطرة . وهذا - فى نظرى - من حسن حظه . اذ لا تنكر في حالة من الحالات ما للذوق من أهمية خطيرة فى حياة النقد . فهذه القيود التى يسطرها الانسان لنفسه لتنعم قوة الابداع وتموت ضحية قصره وجهله تفزعني إلى شخصيا اشد الفنع ، لانها لو كانت لنا قواعد ثابتة لتمييز الجميل من الشنيع والصحيح من الفاسد لما كان لنا من حاجة بنا الى النقد والناقدين كما يقول ميخائيل نعيمة ، بل كان من السهل على كل قارىء ان يأخذ تلك القواعد ويطبق عليها ما يقرؤه . وكم يعجبنى قول الياس ابي شبكة ) 6 ( : " ومن نكد الدنيا على الادب أن يكون الناقد ذا نظرية يتشبت فى تطبيقها على ما يقع عليه من أدب الناس ، فالنظريات فى الادب أمراض " .
لتقرأ ما شئت مما كتب نقادنا فلن تجد أثرا لتلك الشروط والمقاييس . وان رأيت " قصص البشير خريف فى الميزان ) 7 ( " فلا تعجب . فميزان الاستاذ مازيغ ذوقه لا غير . يقول حالما وضع القصص فى الكفة : " وانتم تعلمون موقفي من اول ساعة ازاء ما تسمونه " محاولات " وادعوه انا آثارا أدبية تونسية رائعة ممتعة لا غبار عليها . ولست فى حاجة بتاتا كيما " اتذوقه " أن استنجد بجان بول صارتر ، أو اعتمد على دستويافسكى ، أو ألوذ بغستاف فلوبار فى تربيته العاطفية . فهذا عبث محض ، ومخرقة جوفاء . . "
الا أن هذا الذوق الادبى كثيرا ما كان سبب الخطا والتورط ، لانه - وان تحرر من قيود تسلط عليه - لا يحيا ولا ينمو الا فى ظروف خاصة ولا يتهذب الا تحت تأثيرات متعددة قلما توفرت لناقد . فألدكتور طه حسين
الذي لا نشك فى صحة تجاربه لم ينج من التورط ، فرمي بالتطرف في بعض تاليفه ، " لان الذوق عنده كان فى كثير من الاحيان مدرجة للاحكام السريعة والتعميمات الجارفة (8) . " كما ان الاستاذ مازيغ قد تطرف الى حد ما وساتعرض الى هذا التطرف بعد قليل . أما محاولة الاستاذ المجدوب في تصنيف الشعر ) 9 ( فموفقة لانها صادقة . ألم تر كيف صنف الشعر وميز بينه بممييزا فطريا لا يقبل المناقشة ؛ لكأنى به يقرأ البيت للمتنبى أو المعري او السباب فيؤثر فى نفسه تأثيرا معينا . ثم يأتي دور ذوقه الشعرى فيرسم خطأ بيانيا لهذا التأثير . أما التعبير فبلغة المشاعر الصادقة . . يقول فى بداية المقال : " ان من الشعر ، وهو الوان شتى جل أن تحصى ، ما يروعك وينقد فيك لاول وهلة فيملك عليك نفسك وانت لم تصدق بعد موقفه منك ولا تدرى ماذا حدث لك وأى أمر حل بك ، فكانه العيون النجلاء تأخذ بلبك قبل ان تتبين الملامح التامة لهذا الوجه الذى طلع عليك . . " ألا ترى مع انه يريد بذوقه أن يعتنق حقيقة الشعر كما هى ؟ لقد وفق اذا . فذاك اعسر ما يطلب من ناقد الشعر
الامر الثالث : ثمة عاطفة أكاد أسميها " عاطفة النقاد " جعلت النقد يتارجح بين فكرتين لا ثالث لهما : الاولى تمجيدا الكاتب ونكره والتغافل عن كل العيوب والمثالب وعن كل ما يمكن أن يوحى بها الى القارىء . والثانية تحطيم الكاتب وازدراؤه والسخط عليه سخطا يكاد ينقلب الى " قلة معروف " . وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة عكسية ولا شك .
ولنضرب مثلا صاحب الميزان ) 10 ( . لقد خاف قوله تعالى : " ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم أو وازنوهم يخسرون . فأراد ان يوفى الكيل للمهدى المنتظر ) 11 ( ويزيده فوق ذلك صاعا وصاعا . . فانا ما علمت ان ناقدا أريبا مدح قاصا كبيرا كتيمور او محفوظ أو الحكيم يمثل هذا الشكل من المدح ! ولا انكر بهذا ما لقصص خريف من طابع قصصى جميل ، وما فيها من روعة متواضعة . ولكنى أسأل صاحب الميزان سؤالا بسيطا : إذا سلمنا بأن قصص خريف تونسى ممتع دسم ثرى فائق الاسلوب ، واضح ملامح الشخصية والفكر قد انصهرت في بوتقته مختلف العناصر والتأثيرات دون ان تفقده منحاه التونسى الرائع الاصيل ، أو تقصيه
عن مغزاه الانساني الناصع الجليل ) 12 ( " فهل نجد عبارات أقوى واصدق لنعبر عن منزلة " السد " فى الآداب العالمية ؟ لا أظن ذلك فكلها تفقد معناها باستعمالك هذا لها . ثم الا تسلم معى بأن تسميتك للاستاذ خريف بالمهدى المنتظر لقصتنا التونسية كانت نتيجة التسرع ؛ فأنا اعتقد أن خريف قاص تونسي يحاول النهوض بالقصة التونسية الى قصة انسانية . له اسلوب طرريف ، يدنو بالحوادث من زمانها ومكانها ، لا سيما فى " برق الليل " ولكن لا اسارع بحكم يكون غدا نقيضه . كان القبه بالمهدى أو بعيسى المنتظر ، لانني أومن بان الاستاذ خريف ليس بحاجة الى مثل هذه الدعوى يؤكد مكانته في القصة التونسية الحديثة ، ولان ابراز العيوب والعثور على مواطن الضعف يفيدني كناقد ، ويفيد خريف كقاص ، ويفيد القارىء كطالب للحقيقة !
اما النقاد الساخطون فكثرون . . ولا أرانى أبالغ اذا عددت الشاعر ماجدا زعيما لهم . فقد نظرت في ردوده على ناقدية فوجدتها لا تخلو من عبارات بعيدة كل البعد عن النقد الموضوعي ، والتقيت فيها بعواطف الادب الشاب المتاججة . ففي رده على الاستاذ المجدوب ) 13 ( شعور بالقوة صرفه الى نقد الاستاذ في شخصه نقدا لا يخفى عن ذوى الالباب . وفى تذييله على رد السيد الغالي ) 14 ( شعور بالعجز وضحته سابقا ) 15 ( جعله يخاف ان يقال له : باتت فيك " فالتمس اقرب الاسباب ، وكانت أو هى من خيوط العنكبوت الامر الرابع : ان الناقد التونسى لم ينصرف بعد الى نقد بعض المواضيع الخطيرة المتصلة اتصالا واضحا وتاما بالحياة ، والتى تجعل منه اديبا ناقدا مفكرا .
فالغريب تطالع ما يحرره الادباء فى تونس من الكتب والرسائل والدراسات فلا تعذر على سطر واحد تفهم منه ان لتفكير محرك السواكن الاستاذ ابن ميلاد صدى في نفوس التونسيين . وهو التفكير البناء ، لانه تفكير حر . وأما العجب العجاب فأن ترى اقواما يشمئزون من هذا التفكير ويقفون في وجهه ، ويرمون صاحبه بالكفر والزندقة ، حتى قال فى تبرم وضجر كلمة قيمة تحت عنوان : " وقفة مع قوم لا يعقلون ) 16 ( جاء فى اخرها هذه كلمة أقولها واعتقد انها كلمة الحياة مفعولها مفعول النار : تقضى على ما
هو الضعف ، على كل ما هو الوهن ، على كل ما هو الخمج . . ولا يثبت أمامها الا ما فان الحديد فى قوته وتصلبه وزكاة جوهره . وسبقول بعضهم هى وقاحه منه ، وهبها وقحة ، فان لها فى نفوسنا لبردا وسلاما وان كانت فى نفوس آخرين قيحا وعلقما . "
ان من ينقد كتب الاستاذ بن ميلاد نقدا صائبا نزيها يكون قد ساهم فى تغديه أفكار النشء وساعد على تحريك ما سكن من الاحباء تطور ما ركد من المعتقدات ويقص عبار السنين الطويلة من العقول الاسلامية فليس من قبيل المجامله ان يقول ميخائيل نعيمة : " وعقل الاسلام الباطن في حاجة إلى مسلمين يردون اليه حيويته الخلافة ومرونته فى التطور مع الانسان المتطور . وذلك ما يسعى اليه محجوب بن ميلاد فى كتابه هذا . فلنرحب به رائدا من الرواد الذين لا يبتغون الا الخير للاسلام والمسلمين وللناس اجمعين ! " ) 17 (
ان كتب ابن ميلاد وكتب آخرين غيره من ذوى التفكير المتحرك تجعل الناقد يغوص الى اعمق الاعماق ليسبر غورها . فهي كتب بمضمونها لا بشكلها . . وما احوجنا الى معرفة المضمون ، الى معرفة اللب ، أي الى معرفة الحياة . أما هذه المناقشات التى تدور حول " السرقة " في حدة وحماس فتشويش محض يخدش احاسيس النقد ، ويصعد له الى اسفل ! . . ولقد أضحكنى مرة أن رأيت شاعرا تونسيا شهيرا تقوم قيامته وتقعد لان تلميذه أخذ - على حد زعمه - كلمتين من قصيد له ، هو أبعد من ان يحسد علىه. فكتب تهديدا طويل الذيل . . ثم جاء دور " متفرج " فزاد في الطين بله حتى ذكرنى انذاك بالمثل العامى : " عيطة وشهود على ذبيحة قنفود " . ومما قاله تحت عنوان : " لصوص الادب " ) 18 ( : " ان نجم هذا اللص سيتلاشى قريبا وان اسمه سوف يفقد اشعاع الثقة فلا يشرف ابدا فى المستقبل اى عمود من صحفنا ، وأن نتاجه سيكون عبارة عن اشباح لا اثر لها ولا مفعول سوى كونها ذاهبة تحملها الرياح . " سبحان الله ! ايكون هذا مصير من اقتبس لفظتين أو سرقهما ؟ فما مصير من أخذ عن غيره تفكيره وهو الصق الاشياء بذاته ؟ لا شك انه كافر يرحم بالنقد رجما .
واعتقد ان كلماتى هذه لم تفصح كل الافصاح عن ارتساماتي حول النقد والنقاد فى تونس ، ولكنها صريحة - الى حد ما - صراحة فرضت على فرضا أرجو ألا يكون بينكم من يخشاها .
