أشار ناسك الشخروب ، منذا مستهل القرن الحالى ، الى ان هناك من الشعراء من استطاعوا فرض مواضيعهم الشعرية على عروض الخليل فوفقوا فى ان " تساور أرواحهم احلام من عالم أعلى " حتى كانوا اكبر من " الخليل ومن عروضه " . . ولقد عارض من قبل الخليل حيث قال : لا الاوزان ولا القوافى من ضرورة الشعر ، كما ان المعابد والطقوس ليست من ضرورة الصلاة والعبادة . . " ( 1 ) ولعله قصد من ذلك ان يقول : ان عروض الخليل قد وافق اذواق بعض الشعراء ، وصادف هوى فى نفوسهم ، فوفقوا كامل التوفيق فيما قدموه لنا رغم انهم الزموا انفسهم باتباع قواعد الخليل لكن هذا لا يعنى كما افهم من " نعيمة " ان هذا العروض ، يجب ان يجرى فى مجراه كامل الشعراء كما فعل الذين المع اليهم وهم اقلية ، وهذا يعنى بالتالى ، ان على بقية الشعراء ان يبحثوا عن قوالب جديدة يصبون فيها مادة شعرهم ، وطين أفكارهم واحاسيسهم . . فقد كان " نعيمة " اذا موفقا فى هذا التكهن ، ولا ادل على ذلك ، من المعارك الطاحنة التى تقوم فى هذه الحقبة بين العموديين العروضيين وبين المجددين . . فهؤلاء جميعهم ، قد اقتنعوا بعد صراع بضرورة تبديل المضامين الشعرية وحتمية التنقيب على مادة جديدة وطينة لينة توافق شخصية عصرنا الحديث ، ولكنهم لم يتفقوا بعد على القالب الذى يصلح لتقديم هذه الاكلة الجديدة ، فبعضهم اراد ان يقدمها فى جفنه خشبية ، اما البعض الآخر ، فقد قدمها فى اوان صينية او زجاجية ، وقدم لنا معها فرشاة وملعقة ومنديلا ، بينما تركنا الآخرون نلحس اصابعنا من دهن علق بها .
وهم لا يزالون يتحاورون ويتلاكمون ، ونحن المتفرجون ، وقد جلسنا قبالة المائدة ، نشكو الم الجوع ، لانزال تتابع هذه المقابلة بكل تشوف ، ولانزال " نزوى " اعيننا اذا مال احدهم هاما بالسقوط والاذعان ثم نفتحها متى استرجع انفاسه وتوازنة . . وهي وضعية احبها الشعراء والنقاد ربما لينفقوا سوقهم ويستهووا قلوبنا وينبهوا الحاظ اكثرنا من الذين شغلهم انتظار الاكلة عن الاكلة ذاتها . . وانا - شخصيا - اشفق على نقادنا وارجوهم ان يكفوا عن مثل هذه الملاكمات لان ذلك ، سوف لن يؤدى الى اية نتيجة ايجابية ، وسوف تطول بسببه مدة صراع ، كان من الممكن ان يكون طبيعيا وهادئا وعميقا دون
ان يؤدى الى الفوضى ، والاضطراب وتمزق الجهود ، ويخلق أنواعا من الانفجارات التى يملا طنينها الاذن ، ويكون نوعا من الغليان الذى يسمح للفم بان يطلق صراخا نهاية فى الحدة دون ان تعيه الاذن ويهضمه التفكير النزيه . . وقد كان السيد مفدى زكرياء ( 2 ) احد الذين انتابهم هذا الصراخ ، وابتلاهم بطنينه الى حد بات معه يتفنن فى اطلاق سبابه وشتمه بدون حساب . . واظن ان الشاعر الجزائرى ، الذى نحترم شخصيته ، لو هدأ قليلا من اعصابه لوعى بعمق خطأ اطلاق الكلام على عواهنه . . ولتلمس ما اتسم به حديثه من عمومية خالية من كل موضوعية ، ومن سطحية فى الراى غطتها لهجته الحماسية الحاسمة التى لا تفيد ابدا فى مثل هذه المواضيع . وكانى بمفدى زكرياتوهم بأنه على رأس كتيبة عسكرية على اهبة الانقضاض ، فهو يستحثها ويستثير حفيظتها بشتى الوسائل . . ولعل السيد مفدى عن يدرك ان الناقد بعيد عن ان يكون قائدا يروض بشرا على اجتثات عنصر الحنان من قلوبهم ، حتى يستسيغوا هدر الدم وتمزيق الجسيم البشرى الحى . وما ابعد الادب عن هذا الجو الصاخب .
كان ينبغى على السيد مفدى ان يكون واعيا كل الوعى لوظيفة الناقد ومجال عمله . . حتى لا يذهب من مثل الى القول بان حديثه حول الشعر الحديث ، يمثل تلك السرعة والاندفاعية . . وهذا ليس امرا هينا ولا بسيطا ، لان الشعر الحديث ، الذى " صفعه " اصبح رواده متفهمين وواعين لحقيقة ما ينتجونه ، وهذا ما حدا بهم ، الى ان يحزموا أمرهم ويكتبوا مقالات موضوعية تبرر موقفهم الذى وقفوه . . وقد نشروا ذلك فى مجلات يقرؤها الاديب المتعمق ، والمثقف العادى على حد السواء ، وهم لا ينتظرون من مفدى زكرياء وغيره الا مقابلتهم على نفس المائدة التى جلسوا تجاه جانب منها ، والا التفاهم معهم على صعيد التفهم والوعى والنقاش البرئ . . اما ان يدير رواد الحركة التجديدية فى الشعر وجوههم نحوا بغية مصافحتنا والتشاور معنا ، فنواجههم بظهورنا ، ثم ننبرى فى سبهم ورميهم بما ليسوا مسؤولين عنه ولا داعين اليه ، فذلك الظلم عين الظلم
واود ان اهمس الى مفدى زكرياء ، بان كلامه الذى رمى به رواد مدرسة الشعر الحديث قد ترتب عليه اقصاء " عباقرة " - فرضوا انفسهم بقوة عن دولة الشعر . . ومن هؤلاء عبد الوهاب البياتى الذى اصبح شعره بترجم الى لغات عالمية ، وبدر شاكر السياب صاحب الرائعة الشعرية " انشودة المطر " وديوان " اساطير " ، وهذا هو الآخر لايبخسه عبقريته كلام مفدى زكرياء و لا غيره ، ومن هؤلاء صلاح عبد الصبور الذى اوشك ان ينصب اميرا للشعر العربى ، ثم نازك الملائكة ، ونزار قبانى ، وفدوى طوقان ومحمد الفيتورى ولويس عوض ، ومحمد الماغوط وغيرهم من عباقرة الشعر الحديث . وحسبى ان اذكر للسيد مفدى هذه الشخصيات ، لكن ادعوه الى
تدير الامر بشىء من الروية والدقة ، ولكى ابعد عنه شبح التعصب الاعمى الذى جره إلى حديثه ذلك . . فعلى صعيد الموضوعية يجب على السيد مفدى ان يطلق آراءه ، فهي وحدها التى تكفل لها الخلود اذ كانت مقنعة . .
ثم كان على السيد زكرياء ان يدرك ، ان الدكتور مندور وملك عبد العزيز قصداه وقصدا امثاله بجملتهما المتكاملة در . . وفى دمشق وقف صالح جودت يقول ان الشعر الحديد صهيونى ، فالحقيقة ، انا اهزا من هذا الظلم والافتراء ، وهاجممت هؤلاء الناس فى الصحف والمجلات ، لانه نوع من الحرب الخسيسة . . " من الفخر ايضا ، المفروض انهم يناقشون مشكلة موضوعية فنية ) 3 ( . . "
وكان بودى ، لو سمعت راى السيد مفدى فى هذا الكلام ، والحال انه قد انهر بالظير والافتراء ، بل وبالعجز ايضا ، والواقع انى لا اميل الى انكار هذه اللهجة الصارمة والحادة التى اتخذتها السيدة ملك ولا غيرها ممن دافعوا عن الشعر الحر او الحديث ، لان ذلك حدث بعد ان صفعهم العقاد ، ومثل بهم طه حسن وركلهم الزيات ، وصالح جودت واعوانهما من ادباء مجلة " الرسالة " . . وتلك ظاهرة لا تشذ عن القانون الفيزيائى الحكيم " لكل فعل رد فعل مساو له فى القوة "
هذه بعض ملاحظات على هامش ( 4 ) حديث السيد مفدى زكرياء ارجو ان يتقبلها منى بصدر رحب . . لانى اعتقد - على الاقل - بانى قد جانبت الواقع وانصفت الحق . . بل أعتقد بانى قصرت فى حق المحدثين

