الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، تعقيب على " تجربة الشابي "

Share

نشرت مجلة الفكر في عددها الاول ( اكتوبر ) مقالا للاستاذ البشير الزريبي تحت عنوان " تجربة الشابي " .

شاء كاتب المقال ان يدرس الشابي لا على " طرائق النقد واساليب التناول ومقاييس البحث " اذ " كلها لاتفي بالتشخيص المنشود لتجربة الشابي " وانما على " توضيح فكرة للشابي لا نعدها ام تجربته الشعرية فقط ، بل هي في الوقت نفسه معدة من الوجهة النفسية ركاز عملية تداعيه الفكري في كل انتاجه . "

ويقرر الاستاذ الكاتب ان : " الوقت قد حان لتناول مأثور الشاعر او الاديب بتمامه وكماله على انه يؤلف وحدة تربط بين مواضيعها المتباعدة في الطبيعة والمظهر نظرية عامة او فكرة مرجعية مطردة الوجود في كل عمل أدبي " .

ومن هذا نرى ان الكاتب لا يؤمن بوحدة القصيد فقط ، وانما هو يؤمن بوحدة كل ما ينتجه الشاعر او الاديب على انه مترابط متلاحم لصدوره من منبع واحد .

ذكرنا هذا لنبني عليه ملاحظة هامة عند تطبيقات الكاتب لهذه الفكرة . ثم ينتهي الكاتب الى اكتشاف الخيط الجامع لكل انتاج الشابي ، او ما سماه الفكرة المرجعية التي يعود اليها كل ما قال الشابي من شعر تقريبا : هذه الفكرة هي ايمان الشابي القوي بوحدة الوجود الاعظم .

ويتمادى الكاتب بعد ذلك في التدليل والبرهنات - كما يقول - على هذه الفكرة التي ابتكرها واستهواه بريقها ولمعانها .

وينتهي اخر الامر الى ابتكار فكرة اخرى بدا له فيها شيء من البريق على ما أظن : هي انكاره كل ما تعارف عند جميع الناس تقريبا من تشاؤم الشابي فيقرر في شيء من الزهو انه غير متشائم .

تلك هي خلاصة الفكر المحورية لمقال الكاتب . وكلها تستحق المناقشة والرد : اما ان طرائق النقد واساليب التناول لا تكفي لتشخيص نفسية الاديب فهذا صحيح ، بما في ذلك طريقة البحث عن الفكرة المرجعية - كما سماها الكاتب - الا ان ذلك غير مطرد بالنسبة لجميع الشعراء والادباء ؛ فقد نكتفى بتطبيق قواعد مدرسية واحدة من مدارس النقد بالنسبة لشاعر ما وقد نعدد الطرائق والمدارس بالنسبة لآخر ، وقد لا تكفي جميعها بالنسبة لثالث ؛ اذ الامر يختلف باختلاف ازمنة الشعراء وبيئاتهم واقاليمهم والعوامل الادبية التي تأثروا بها والامزجة والنفسيات الخاصة بالنسبة لكل واحد منهم .

ووحدة الوجود ! ما هي هذه الوحدة ؟ ان الكاتب لم يوضحها بشكل صريح ، وان كان الذي فهمته منه : انه يريد بها معناها المتعارف عند المتصوفين .

ولنأخذ في توضيح هذه الفكرة كما يراها اصحابها لنتبين بعد ذلك اهي موجودة في شعر الشابي أم لا تكاد توجد حتى ظلالها وأخيلتها فضلا عن وجودها باعتبارها فكرة مرجعية لكل ما انتج الشاعر كما يقول الكاتب :

يقول الحسين الحلاج شهيد الاتحاد بالله : " انا الحق " ويقول :

انا من أهوى ومن أهوى انا    نحن روحان حللنا بدنا

فاذا ابصرتني ابصرته         فاذا ابصرته أبصرتنا

الالوهية قد حلت في الحلاج فاذا هو والاله شيء واحد ، فلا وجود اذن لغير الله .

ويقول ابو يزيد البسطامي شيخ المتصوفين لعهده : " اني انا الله لا الاه الا انا فاعبدوني "  " سبحانى ما أعظم شاني " اراد موسى ان يرى الله تعالى ، وانا ما أردت ان ارى الله تعالى ، هو اراد ان يراني " فهو يعتقد ان الناسوت فيه ليس شيئا يذكر ، وكل ما فيه هو اللاهوت ، فهو عين الاله بهذا الاعتبار : ف " ما في الجبة الا الله " كما يقول بعضهم .

ومن تبنى هذه الفكرة وآمن بها واوذي في سبيلها من الشعراء المعارضين الرصافي الذي كثيرا ما نراه يبدأ رسائله على هذا النحو : " الحمد لله الذي لا اله غيره ولا وجود لاحد سواه " .

هذه هي فكرة وحدة الوجود كما يراها معتنقوها . فهل نجد لها صورة مشخصة واضحة في شعر الشابي ؛ بل هل نجد لها حتى ظلالا واخيلة قوية الدلالة ؟ سنرى .

لنورد الآن برهنات الكاتب المتعددة على تثبيت هذه الفكرة وسيتضح الحق من الوهم ان شاء الله :

يبرهن عليها اولا بهذا البيت من قصيد الساحرة :

ابدا يحمل الوجود بما فيه

كان ليس للوجود زعيمه

ايدل هذا البيت على وحدة الوجود كما رأيناها عند اهلها ؟ ! نترك الجواب للقاريء . ولكننا نشير الى ان البيت يمثل في قصيده وحدة متلاحمة في فلسفة اللذة وقتل الاحزان بها والتغلب على هموم الفنان وسآمته بالاغراق في هذه اللذة كما ترى الساحرة .

ولكن الكاتب ينسى ما لاحظناه سابقا من انه يؤمن لا بوحدة القصيد فحسب بل بوحدة انتاج الاديب بتمامه وكماله .

فكيف سوغ لنفسه ان يسلخ بيتا من قصيد موحد بعيد كل البعد عن موضوعه ؟ ! وكذلك الشأن فيما اشار اليه من قصيدتي " قيود الاحلام " و " احلام شاعر " اذ هما يمثلان حنين الشاعر لحياة الوحدة والانفراد بعيدا عن شرور الناس وآثامهم ، يتملى جمال الطبيعة بحسه الواعي وشعوره الدقيق فيجد لذلك لذة ومتاعا

اما قصيدة " الاشواق التائهة " فهي الوحيدة في نوعها تقريبا ، اذ نجد فيها اضواء باهتة توهم ان صاحبها يؤمن بوحدة الوجود ، يقول فيها بعد ابداء شكه اللافح وحيرته الممضة المتنافيين - كليهما - مع وحدة الوجود بما فيها من استقرار خاطر وراحة بال :

ليتني لم ازل كما كنت ضوءا شائعا في الوجود ، غير سجين . هذا البيت الوحيد الموهم ايهاما كبيرا لما ذهب اليه الكاتب لا يدل على اكثر من ان الشاعر يتحرق لان يعود كما كان سابقا في عالم النور حيث الانطلاق والتفلت من سجن الجسد وقيوده . وهذا يدل على ان الشاعر ليس هو الآن ذلك الضوء المتمنى . فاين وحدة الوجود اذن ؟ .

اللهم ، اني لم اجدها ، وارجو ان يبرهن الكاتب عليها برهنة نفسية - لتخصصه فى هذا الفن - حتى لا تخفى على امثالي .

ولا احب ان اتمادى مع السيد الكاتب في استعراض بقية الادلة ؛ اذ كلها لا تعدو ان تكون تمنيات شاعر في ساعات يأسه ومرضه ، او قلقه في فترات الضعف - من وضعه ومما حوله ؛ فراح ناقما على كل شيء نقمة جارفة احيانا متمنيا ان يتخلص مما مسه من ضر بالميل الى الغاب حيث الوحدة الممتعة ، او الى جمال الطبيعة الساحر في مختلف اشكاله وصوره ذلك الجمال الذى يشترك في تذوقه والتمتع به - بتفاوت طبعا - كل الناس حتى الذين لا يسمعون بوحدة الوجود هذا اصلا .

على ان الذين عاشروا الشابي ولازموه مدة حياته لم يكتبوا - فيما اعلم ، وان كانت المصادر تعوزني الآن . عن ايمان الشابى بوحدة الوجود .

اما نكران التشاؤم عند الشابي ، فلا اود ان اطيل فيه الحديث ؛ لان الكاتب ينكره ويثبته في نفس الوقت ، غاية ما في الامر انه لم يكن مذهبا خاصا للشابي وانما هو كما يفهم من كلام الكاتب - تشاؤم معلل مبني على اسباب خاصة ، ونتيجة لظروف وعوامل خاصة .

واي تشاؤم لا يكون كذلك يا سيدي الاستاذ ! ارجو ان ترشدني الى شاعر واحد من شعراء العربية المتشائمين كان تشاؤمه مذهبا اتخذه لذاته وخصص له كل انتاجه ، ولم يكن مع ذلك نتيجة لاسباب وظروف وعوامل خاصة دفعته إلى التشاؤم مثل ما عند الشابي تماما ، الشابي المتشائم حتى في قصيدة : " السعادة " ولو قلت ان تشاؤم الشابي كان من نوع ممتاز اذ كله تمرد وثورة وعدم اكتراث وعدم استسلام للضعف البشري وطوارئ النكبات لكان ذلك عند الشابي وعند الحقيقة افضل من انكاره .

واريد ان انبه في النهاية الى ان الذي دعاني لطرق هذا الموضوع هو ما بيني وبين الشابي - رحمه الله - من صلات روحية تجعلني اغار عليه من ان ينسب اليه ما ليس له حتى ولو كان ذلك عن طريق البر بالشاعر والاحسان اليه : لان الشاعر فى عالم الحقيقة - الآن - فلا اخاله يميل الى الاوهام .

وختاما اشكر الاستاذ الكاتب على ما اتاحه لي من تجديد صلتي بالفكر وقرائها .

اشترك في نشرتنا البريدية