منذ ثلاث سنوات خلت تناولت فى العدد 81 من الموقف الادبي موضوع أزمة اللغة فى المغرب العربى الذى رد عليه الاديب التونسي محمد مزالي بمقال مطول فى مجلة " الفكر " التونسية بعنوان " وظلم ذوى القربى " اعتقادا منه ان كاتب الموضوع من المشرق : واذا كان أهل مكة ادرى بشعابها فان الامانة تقتضى أن نضع النقط على الحروف لان ما كتبته آنذاك كان من وحي واقع عشت فيه وعايشته بحكم اننى من أهل مكة - اذا صح التعبير - وبعد زيارات متعددة لبلدان المنطقة وبحكم مهمتى مراسلا صحفيا للانوار والصياد والثقافة العربية بالمغرب العربى وكباحث ودارس متخصص بشؤون الادب واللغة . وفي العام الماضي 1980 وفي نيسان كانت لى مقابلة أدبية مطولة مع الاستاذ مزالى نشرت بالانوار ) 198/4/22 ( واحتلت صفحة كاملة تناول فيها معى جميع القضايا الفكرية والثقافية فى تونس وبلدان المغرب العربى والثقافة العربية بصورة عامة وأحسست يومها ان الاستاذ مزالى يعد لمرحلة جديدة على درب الانطلاق الادبى فى تونس وفي انفتاح فكرى تونسى ) عربيا ودوليا ( ولم يخب ظنى اذ وجدت تونس فى اذار ) مارس ( 1981 م . أى بعد عام فقط من
لقاء الاستاذ مزالى تضج بتجربة أدبية حقيقية وسط جو ديمقراطى لم تعرفه تونس من قبل ، تيارات مختلفة تعبر عن ذاتها فى الصحف التى تفتح صدرها لها وهي ظاهرة جديدة لم أعهدها فى تونس من قبل ، تعدد دور الثقافة ، تعدد النوادى الادبية ، نوادى الشعر ، نوادى القصة ، تعدد المجلات الادبية " فكر ، قصص ، الحياة الثقافية " تعدد الملحقات الادبية اليومية ، " الصباح والعمل للثقافة والادب وتنشر انتاج الادباء الناشئين منهم والبارزين على حد سواء : تمكن الاتجاهات الفكرية من التنافس الايجابى الذى يعبر عن تجربة أدبية فى مرحلة المخاض الاكبر والذى لا شك سينتهى الى افراز حركة ادبية متطورة تكون فى مستوى تطلعات الجيل الحاضر وتخدم الفكر والثقافة العربيين وتصب فى بحر الانبعاث الفكرى العربى المعاصر . ساعد على ظهورها تولى الاستاذ مزالي لمنصب رئيس الحكومة وتوظيف سلطته فى خدمة الحركة الادبية وكان أن أحدث شبه ثورة بيضاء داخل الوسط الثقافي ويمكن تلخيص ما قام به في ثلاث نقاط :
1 أعطى لحرية التعبير مدلولها الحقيقي وأعاد هيكلة أجهزة الاعلام والثقافة وعين على رأس وزارة الثقافة الاديب التونسى البشير بن سلامة وتولى مسؤولية تسيير دور الثقافة أدباء منتجون ومبدعون كما هو الحال لدار الثقافة " ابن رشيق " حيث تولى ادارتها الاديب محمد المصمولى ودار الثقافة " ابن خلدون الاديب والكاتب سمير العيادى والأمر ذاته بالنسبة للمراكز ودور الثقافة الاخرى .
2 - أعطى للصحافة اليومية والادبية أيضا حق التعبير عن ذاتها وفتح المجال لكل الآراء حتى وان كانت تتعارض مع آراء ومبادئ الحزب الاشتراكى الدستورى التونسي الحاكم . فلا تكاد صحيفة أو مجلة تخلو من انتاج ادبي متنوع فيه تيارات متنافسة ومتناقضة .
3 - فتح الاسواق للصحف والمجلات والكتب العربية على اختلافها الى جانب الصحف والمجلات والكتب الاجنبية على اختلاف أنواعها ومواقفها . ويوازي هذا الانفتاح الثقافي التونسي الانفتاح الاقتصادى والسياسى والسياحي حيث تحتل تونس الدرجة الاولى فى المغرب العربى فى هذا الاطار .
ويعكس هذا الجو الفكرى حقيقة مؤكدة وهي أن الاديب يمكن أن ينتقل من قمة الهرم الادبي الى قمة الهرم السياسي ليوظف السلطة المادية والمعنوية فى
خدمة الثقافة والفكر وليخلق عالما حقيقيا رأسماله الانسان والانسان بالدرجة الاولى . ان شعورى بالارتياح والسعادة وأنا أستمع الى الادباء الاشقاء فى تونس وهم يعبرون عن تفاؤلهم بالمستقبل هو شعور ذلك العربى الذى لا يحس أبدا بالغربة فى أى بقعة من الارض العربية يصلها أو يحل فيها . وهو تأكيد روحى لايمانى الراسخ بعمق الصلة وبروابط الوحدة والاخوة التى تجمع بيننا وينفى بالتأكيد أية نية سيئة قصدتها من كتابتى لموضوع ازمة اللغة فى المغرب العربى على الاطلاق . فأنا من دعاة التواصل والاتصال وبناء الجسور المقطوعة وهى فى رأيى مسؤولية عظمى ملقاة على عاتق ادباء هذه الامة من المحيط الى الخليج
تنافس ادبي :
على امتداد عشرة أيام كاملة من الاتصالات والاندماج مع الادباء وحضورى للندوات الفكرية والأدبية أحسست أن التناقض القائم بين مختلف التيارات لا يعكس صراعا ادبيا كما هو الشأن فى الجزائر والمغرب مثلا بل يشكل تكاملا وجزءا من الكل فجماعة ما يسمى فى غير العمودى والحر " أمثال آدم فتحى ونورة سندريلا ، وسوف عبيد وغيرهم لا يتعارضون مع جماعة " العمودى " وعلى رأسهم الاديب محمد المرزوقى وأحمد اللغمانى ونور الدين صمود وجعفر ماجد ونجاة العدوانى ولا يتعارضون مع جماعة " الحر والتفعيلة " أمثال عبد الحميد خريف وعلي دب وغيرهما فى الشعر بل هم يرون ان هذا التعدد فى الاشكال هو تقليد أدبي عريق فى الحركة الادبية العربية فى تونس منذ القدم واضح كل الوضوح فى أعمال البشير خريف والحمزاوى ، ومنور صمادح والميدانى بن صالح وعبد العزيز قاسم وأيضا عند جماعة " القصة التقليدية " أمثال محمد الهادى بن صالح وفي " الحديثة " أمثال نعيمة الصيد وحياة بن الشيخ وعروسية النالوتى ونافلة ذهب وبنت البحر ومصطفى المدائنى وغيرهم ، والحقيقة أن الدارس للحركة الادبية فى تونس تنتفي لديه الصورة القديمة التى تربط بين تونس والشاب دائما فكلما ذكرت تونس ارتبط اسمها باسم ابى القاسم الشابى مع أن لتونس أدباء وشعراء جديرين بمثل مكانته الادبية أمثال : الشاذلى خزندار وسعيد أبو بكر والطاهر الحداد وهم زملاء الشابى ومن الرعيل الاول غيرهم كثيرون
الكتابة والامل :
من خلال هذا التنافس وهذا التعدد فى الاشكال والتيارات التى تعيش مرحلة المخاض ينبعث سؤال هام عن مفهوم الكتابة وفي هذه المرحلة بالذات عند الاديب التونسي . بهذا الخصوص يقول الاديب التونسى فتحى لواتى " الكتابة المطلوبة هى الكتابة الحقيقية ، والكتابة الحقيقية ولاء للارض للجماهير ، للحرية ، للتطور الانساني ، الذي ينبع أصلا من الارضية الشعبية : الكتابة المسؤولية ليست امتيازا طبقيا لمجموعة متميزة على حساب مجموعة أخرى مضطهدة ومحرومة ، وليست اشباعا معنويا للذاتية الفريدة التى تتمسك بالتصورات الماقبلية - السائدة - وليست استعراضا كرنفاليا لمختلف النماذج العابرة التى يكتب عنها اكثر كتابنا الشباب ، الكتابة الصريحة تدعيم مصيرى لانسانية المواطن ، الكتابة الواضحة يجب أن تكون كتابة مطلوبة " .
التعريب :
يواكب هذه التطورات الفكرية تطور سريع فى حركة التعريب فقديما كان الحرف الاجنبى يصدم العربى الزائر لتونس مغربيا كان أم مشرقيا من المطار الى أى مكان يذهب اليه ولكن هذا الحرف يختفى الآن باحتشام فى بعض الادارات حيث احتل الحرف العربي مكانته فى المحيط والبيئة وعادت العربية تأخذ مكانتها اللائقة بها فى انتظار تعريب شامل وحقيقى ، وقد ساعد انتقال الجامعة العربية الى تونس على اعطاء القضية بعدا قوميا
قضية مفتعلة :
صدمنى الاخوة فى تونس وكما هو الحال فى الجزائر والمغرب أكثر من مرة بقولهم ان ازمة التواصل وانعدام الاتصال ترجع الى تجاهل اخواننا فى المشرق لنا . وفى اعتقادى ان هذا الطرح مفتعل وتحركه ايد اجنبية تدفع بذوى النيات الحسنة لترديده لغاية فى نفس يعقوب فالمتتبع للصحافة العربية والثقافية منها على الأخص يجد انها ترحب بانتاج ادباء المغرب العربى وتتسامح معه أحيانا ان كان لمواهب ناشئة على حساب مستواها واذا كان هناك من عتب فيجب أن يكون مقرونا بسؤال يبدأ من هنا وهو ماذا قدمنا
نحن لاخواننا فى المشرق ليتعرفوا على أعمالنا ؟ ما التسهيلات التى تقدمها المصالح المختصة فى تونس والجزائر والمغرب للاديب العربى وحتى الصحفى العربى عندما يزورها وفي نيته أن يعمل وأن ينقل صورة واضحة ومتكاملة عنها للقارئ الشقيق فى المشرق اذابة لجدار الثلج الفاصل وبناء الجسور المقطوعة ؟ كم دعوة وجهت لكاتب عربي أو صحفى متخصص لهذا الغرض ؛
للامانة أسجل هنا أن تونس هى البلد الوحيد الذى لا تهمل هذا الجانب وان الاستاذ محمد مزالى بالذات ينفرد بميزة خاصة فى تقديره للادباء والصحفيين فيستقبلهم واذا تعذر عليه ذلك فيجيب عن أسئلتهم كتابيا وهو ما حدث معى مرتين خلال اذار 1981 ونيسان 1981 وتبقى حقيقة أخرى أسجلها بكل أمانة وهي أن تونس تنفرد بهذه الميزة وتحتل الريادة الفكرية فى المغرب العربى فى وقت ينهمك أدباء الجزائر والمغرب فى التناطح والتنابذ بالالقاب وسط ترد فكرى وابداعى لا يليق بهم كأبناء لأمة تعتز بعراقتها وأصالتها وتواجه تحديات خطيرة
ومسك الختام أن جولتى الادبية فى تونس الخضراء هذه المرة أحيت فى نفسي أملا كان يراودنى منذ زمن طويل وهو أن يكون الادباء قادة هذه الامة يبنون الجسور المقطوعة شيئا فشيئا حتى يتحول الجزء الى كل ويتحقق الحلم الكبير بالوحدة العربية الكبرى من المحيط الى الخليج

