تحت عنوان " مطالعات " فى مجلة الفكر الغراء - عدد جويلية 1960 - عرض الاستاذ توفيق بن عياد ، محاولة جدية تهدف الى اصلاح النحو العربى ، وتحديد بنوده ، حتى يصبح هذا النحو ملائما لروح العصر الحديث ، وسهلا قريبا الى اذهان دارسيه . ذلك لان النحو العربى ، كما وضعه سيبويه وتواضع عليه نحاة البصرة والكوفه وظل النحاة ، الى عصرنا ، مرتضين له ، لم يعد هذا النحو ينسجم مع روح العصر ، وهو الى ذلك ، يمثل عقبة كؤودا ، تتحدى كل من يريد الالمام بالنحو العربى ، فى امد وجيز ، كما اعتاد ان يدرس نحو اللغات الاخرى بكل سهولة .
يدعونا الاستاذ السودا فى كتابه " الاحرفية " الى الثورة على نحو القدامى والى وضع نحو جديد يلائم العصر ، فى بساطته وفى قربه الى الاذهان ، ونحن على اتم وفاق ، مع الاستاذ فى هذه الدعوة النبيلة ، التى ينبغى ان تجد كل التشجيع ، وان تبارك من جانب اولى الثقافة والفكر . والسودا لا يكتفى بهذا الدعوة العامة الغامضة ، حين يقدم الينا محاولة لتحقيق هذه الدعوة وابرازها الى عالم الواقع . وفي المستطاع ان اورد اهم الخطوط البارزة لمشروع السودا على امل ان ادلى برأي فيه . ولا اعتمد فى ذلك ، سوى دراسة الاستاذ ابن عباد التى ظهرت في مجلة " الفكر " . وكم اكون سعيدا لو انى استطعت الرجوع الى السودا نفسه ، فقد افيد منه الكثير
تقوم محاولة السودا على هذه النقاط : 1 - دراسة ابواب النحو ، على اساس المعنى ، بعيدا عن تأثير الشكليات من رفع ونصب وجر . . الخ .
2 - دراسة ادوات المعاني ، على اساس معانيها ، لاعلى اساس اثرها الاعرابى في الكلمات . فادوات النفى تدرس كلها فى باب واحد ، وادوات التوكيد تدرس ايضا في باب خاص بها . وهكذا بقية الادوات .
3 - العناية بالمعنى وضبط التعريف ، وتجنب الخوض فى فلسفة اللغة . وبهذا يصبح التفرقة بين الفاعل ، والنائب عن الفاعل والمبتدا فى مثال ( محمد اكل ) ، عبثا من العبث .
4 - اعتبار ضمائر الرفع الملحقة بالافعال ، ملحقات تصريفية على نحو ما تعتبر فى اللغات الاخرى .
5 - تجنب درس الادغام وفلسفته ، بالاكتفاء بدرس المدغمات كما تدرس الشواذ فى اللغات الاخرى .
6 - المصطلحات الجديدة :
أ - فعيل : اصطلاح يطلق ليدل على الفاعل ونائبه واسم الفعل الناقص فيكون تعريفه : من فعل الفعل او اصابه الفعل او على حالة الفعل
ب - تميم : يطلق على ما يشمل المفاعيل والحال . فيقال ، بدلا من المفعول فيه ، : تميم بمعنى تحديد الزمان او المكان . . الخ .
ج - مظهر : يطلق على خبر الافعال الناقصة ( كان واخواتها ) التى يرى الاستاذ السودا ان تعتبر افعالا مساعدة . وقال : " انه منصوب بطبيعة الحال " ؟
د - اليعربيات : تطلق على التحذير والاغراء والندبة والاستغاثة والترخيم والتعجب واسماء الفعل ولبيك وحنانيك وسعديك . على شرط ان يكتفى بالاشارة الى المقصود منها ، من غير اطالة فى الشرح
ه - القاعدة العامة : الاصل فى الاسم الرفع .
وعلى التلميذ معرفة عوامل النصب والجر ، وهي قليلة سهلة .
و - الجملة نوعان : فعلية : يدخل فى تركيبها فعل اسمية : لا يدخل فيها فعل .
ز - النعيت : يطلق عوضا عن " الخبر "
ح - الدعوة الى تعديل الابواب الآتية :
كان واخواتها - كاد واخواتها - ان واخواتها - ليس واخواتها - لا النافية للجنس - الاختصاص - الاشتغال - التنازع - اسم الفاعل والمفعول - الاشتقاق - المصادر - الضمائر - المضاف - تركيب الجملة - تصريف الافعال - العدد .
يدعونا السودا الى تعديل ذلك ، من غير ان يعرض علينا المشروع الذى يراه صالحا للوفاء بما يدعو اليه .
نقد المحاولة :
1 - أول ما يلاحظ على محاولة السودا ، انها محاولة لاتفى بما نسعى اليه من وراء كل محاولة تجديدية . فنحن نتطلب من كل محاولة من هذا النوع ان تحيط بالموضوع وبقضاياه الاساسية ، احاطة لا تدع لنا مشاكل قائمة من غير حلول ، فاما ان ندعها من غير حل ، وهو امر يناقض ما نهدف اليه من وراء المحاولة ، واما ان نتحيل عليها ، بمختلف الاساليب ، فلا تبقى المحاولة ، بعد ذلك ، ايجابية سليمة ، وانما هي تلفيق ومراوغة واصطناع . وبهذا يكون ابقاء الميدان ، على ما هو عليه من غير تجديد ، اسلم واجدى .
ولا اجدني في حاجة الى ان ادل القارىء على نواحى النقص فى محاولة الاستاذ السوداء . فقد اشار الاستاذ ابن عياد الى جانب منها عندما لاحظ اغفال او تجاهل بابي التمييز والاستثناء عند استعراض انواع التميم .
وفى المستطاع ان نلاحظ اغفالا آخر ، يتمثل فى دعوة الاستاذ السودا الى تعديل خمسة عشر فصلا من فصول النحو ( راجع النقطة - ح - من تلخيص المحاولة ) . وقد جاءت دعوته عامة غامضة لا تظهرنا على راى صاحبها فى اسلوب التعديل . وانا اعتبر هذا الصنيع عملا لا يقل سلبية عن الصنيع الذى يتمثل في دعوة عامة غامضة الى اصلاح النحو اصلاحا يتلاءم وروح العصر .
2 - تهافت القاعدة العامة التى وضعها الاستاذ السودا ، وهى ان الاصل فى الاسم ان يكون مرفوعا " فماذا يعنى قوله " الاصل " فهل يعنى به الغالب الكثير فهل هذا يكون صحيحا فى حين ان المنصوبات الاسمية منفردة تستغرق اكثر من نصف اعراب الاسم علاوة على المجرورات والمبنيات من الاسماء ؟ ام ان الاستاذ يريد بالاصل المعنى الفلسفى الذى يعنيه النحاة القدامى من قولهم الاصل فى المبنى ان يسكن " عندما يفسرون الاصل بالراجح المصطحب . ذلك لان المبنيات المحركة اكثر من المسكنة . على انى استبعد ان يكون هذا مقصود الاستاذ . فاذا كان القدماء اخذوا مصطلحهم وقانونهم تأثرا منهم بفلسفة عصرهم ، فان الاستاذ يدعونا صراحة الى الثورة على هذه الفلسفة وما اصلت من بنود
وعلى اية حال ، لا اظن ان هذه القاعدة العامة ستبقى قائمة كما يقررها الاستاذ ، الا اذا كان من المستساغ المقبول ، ان نرتضى قاعدة عامة تكون مستثنياتها اكثر من مشمولاتها كثرة مهولة .
3 - ويلاحظ على محاولة الاستاذ السودا ، انها محاولة تناولت الشكليات القريبة ، ولم تستطع التحرر من فلسفة النحو القديم . حاولت تجديد المصطلحات ( فعيل - تميم - مظهر . . . ) واغفلت الصميم . ذلك لانها لا تزال تؤمن بفلسفة العامل التى تجاوزها الزمن . بعد ان قرر الاستاذ قاعدته العامة " الاصل فى الاسم الرفع " قال الاستاذ ابن عياد معلقا :
" بهذا لا يبقى على التلميذ الا معرفة عوامل للنصب والجر ، وهى قليلة سهلة . " على ان هذه المصطلحات التى يقترحها علينا الاستاذ ، لاتلائم روح اللغة
العربية ، وانما نقلها نقلا عن النحو الغربي الاجنبى على العربية . ذلك لان اللغات التى تأثر بها الاستاذ في تجديده للنحو العربى ، لغات هند اوربية تخالف ، مخالفة جذرية ، اللغات السامية التى تنتمى اليها اللغة العربية . وهذا الصنيع ، فيما ارى ، يضيف شكليات غريبة عنا الى الشكليات النحوية التى نشكو منها ، ويخلق مشاكل مصطنعة تتحدانا ان نجد لها الحلول . وفى هذا بعد عن روح لغتنا ، وتبديد للجهود فى غير شىء . بينما الغرض الذى نرمى اليه جميعا هو تبسيط النحو العربي ، والتخفف من اوزاره ، والتقرب الى روح العربية ، وتوفير الجهود فى دراسة هذا النحو . وليس التعقيد للمشكل واضافة الشكليات والتلفيق ما بين المفاهيم والمصطلحات الحديثة والقديمة .
الذي لاحظه على الاستاذ السودا ، انه حاول التجديد فى النحو العربى ، في جو بعيد كل البعد عن الروح العربية . وهذا ، فيما ارى ، عيب جذرى . يجعل كل محاولة للتجديد فاشلة مبدئيا . حاول الاستاذ السودا ، تجديد النحو العربي متأثرا بنحو الانقليزية والفرنسية واللاتينية واليونانية ، وكلها لغات اجنبية عن العربية . وقد ظهرت آثار هذه الطريقة فى اقتباسه لمصطلحات نحو هذه اللغات ، من غير ان يظهر اثر كبير للتمثل ، وللاستقلال عن المفاهيم والمصطلحات لهذه اللغات . انا لا انكر على احد ان يستهدى نحو اللغات الاجنبية ، ولكن ينبغي لهذا الاستهداء ان يكون استلهاما لروح النحو الاجنبى لا اقتباسا ونقلا لمصطلحاته ومفاهيمه . وينبغى ، مع ذلك ، الاقتصاد فى هذا الاستهداء ، ولا سيما اذا كانت اللغات التى نستلهمها بعيدة عن الروح العربية كاللغات غير السامية .
لذلك كله اتردد كثيرا فى قبول محاولة الاستاذ السودا . وبالتالى لا ارتضى أية محاولة تقوم على دراسة ، لنحو لغة اجنبية ، وتحاول نقل مصطلحاته , متحيلة عليها ، كي تجعلها مستساغة مقبولة فى النحو العربى . والمحاولة التى اراها موفقة ، هي التى ترتد الى المنابع الصافية للعربية ، والى آثار دارسيها الاوائل ، دراسة ناقدة بصيرة ، تقبل ما ينبغى قبوله ، وترفض ما هو جدير بالرفض ، وتستهدى بمنهاج البحث الصحيح ، وتجعل من التبسيط والتيسير هدفا لا تبيح لنفسها الحيدة عنه .
ومثل هذه المحاولة الموفقة ، قام بها استاذ مصرى جليل ، منذ ما يزيد عن عشرين سنة . وكان هذا الاستاذ مختصا فى النحو العربى . وكان يعانى فى هذا النحو ، هوى مضنيا ، كاشد ما يكون الهوى بين الحبيب وحبيبه ، حتى اصبح يدعى ، بين زملائه امثال الدكتور طه حسين ، بالفراء .
تلك هي محاولة الاستاذ ابراهيم مصطفى فى كتابه " احياء النحو " الذى
اخرجته للناس فى سنة 1937 مطبعة لجنة التاليف والترجمة والنشر بالقاهرة . وهي محاولة تقوم على مناقشة النحو القديم مناقشة متأنية بصيرة ، تنتهى بالحكم المعلل الذي لا يقبل جدلا ، على النحو القديم بالافلاس .
بعد ان يقرر الاستاذ افلاس النحو القديم ، يضطلع باقامة مشروع متكامل ، لتجديد النحو ، ويقتصر ، فى تجديده ، على نحو الاسماء ، رجاء ان يقدم نحو الافعال ، في كتاب مستقل يخرجه للناس ، بعد ان يكون قد تلقى مختلف الردود والمناقشات حول باكورة محاولته .
وفي المستطاع ، اجمال هذه المحاولة - على امل ان اخصها بدراسة تفصيلية فيما بعد - في الكلمات التالية :
يؤسس الاستاذ ابراهيم مصطفى محاولته على مبدأين اساسيين :
أ - رفض نظرية العامل من اساسها ، لما فيها من تعقيد وغموض واخلال ، جعلت النحاة في خصام لاينى ، وفى جدل عنيف ، لا ينتهى الى طائل .
ب - الحركات ، فى العربية ، هى الاشارات الدالة على المعانى . .
على هاتين النظريتين تقوم المحاولة ، لتنتهى الى تقرير هذه البنود :
1- الضمة علم الاسناد ودليل على الكلمة المرفوعة يراد ان يسند اليها ويتحدث عنها . وتحت هذا الباب يدخل المبتدا والفاعل ونائب الفاعل واسماء الافعال الناسخة
2 - الكسرة على الاضافة ، وهي اشارة الى ارتباط الكلمة بما قبلها ، باداة او بغير اداة ، كما في : كتاب محمد - كتاب لمحمد . وعلى هذا تكون الحروف الجارة حروف اضافة .
ولا تخرج الضمة ولا الكسرة عن الدلالة عما قرر ، الا ان يكون ذلك فى بناء او فى نوع من الاتباع
3 - الفتحة : ليست علما على اعراب ولا دالة على شىء ، بل هى الحركة المستحبة عند العرب - لكثرتها اثناء الكلمة وآخرها - التى يراد ان تنتهى بها الكلمة كلما امكن ذلك ، فهي بمثابة السكون فى لغة العامة . والفتحة تكون فى سائر المنصوبات ، القسم الذى حشره الاستاذ السودا فى " اليعربيات " والقسم الذي لم يستطع اخضاعه لمحاولته ، فاكتفى بدعوة غامضة الى تعديله .
هذا مجمل محاولة الاستاذ ابراهيم مصطفى فى خطوطها الكبرى . وعسى ان أتحدث ، في مقال آخر ، حديثا مفصلا ، عن هذه المحاولة السديدة الموفقة , رجاء نقدها والافادة منها فى تجديد النحو العربى . وهى ، فيما ارى ، خير كثيرا ، من محاولة الاستاذ السودا على ما اكنه للاستاذ من احترام وتقدير ؟

