ان المشاكل التى تعترض الباحث فى تاريخ العرب ، وهى ما تسمى فى مجموعها بالتيار " التقليدى " ( 2 ) Traditionnel والتى تعرض لها الدكتور نقولا زيادة ، فى المحاضرة القيمة التى القاها فى الاتحاد الثقافى بصفاقس ، قد تباحثها المؤرخون منذ ما يقرب من ربع قرن ، وأوجدوا لها حلولا أصبح من اليسير علينا ان نجد صدى تطبيقها فى المؤلفات والابحاث العديدة التى ظهرت خلال تلك الفترة .
واثارة هذه المشاكل من جديد ، كأنما هو تجاوز لواقع أمر ، او تجاهل لمجهود جبار قام به " جمهور " من المؤرخين لدراسة تاريخ العرب وارسائه على قواعد صحيحة .
وربما يلتمس للدكتور زيادة ، عذر حين يتصدى لهذه المشاكل اعتبارا منه لواقع - تاريخ تونس - حتى تتدارك ما ف تنا من بعث لتاريخنا العربى الاسلامى ولاستجلاء الحقائق التاريخية م ن الماضى البعيد ( 3 )
وبالرغم من هذا الاعتبار فأن - " واقع دراسة تاريخ العرب " - قبل الاسلام وبعده ، قد تجاوزت هذا - المجرى التقليدى - وانما نحن اليوم فى عالمنا العربى نسعى لمواكبة ركب الحضارة فى العصر الحديث والاخذ بتلابيب - البحث العلمى للتاريخ ( 4) - والذى استنبط منذ قرون ثلاثة تقريبا .
وقد بدأنا فعلا نحن العرب ، " ننتبه لأهمية هذا - البحث العلمى - ولضرورة سلوك طريقه وأتباع اساليبه ، ونأنف من ان نظل عالة على سوانا فى شأن من أخص شؤوننا ، اذ أى أمر الصق بنا وادعى الى اهتمامنا من حياتنا الماضية ومن تاريخنا الذى يفعل فى كل وجه من وجوه كياننا الحاضر ؟ ! "
وعلى هذا نرى اننا قد وصلنا الى مرحلة حاسمة فى دراسة تاريخ العرب - أظن انها - تغنينا فى الحديث عن اصحاب الموقف التقليدى ، وهم قليلون عندنا - أقصد العالم العربي - والذين لم يطلعوا على اساليب التحقيق التاريخى التى استنبطت ، بل لا نغالى اذا قلنا انهم ضعاف الصلة بأساليب النقد ، التى استنبطها العلماء المسلمون فى عصور نهضتهم وانتاجهم
وقد كانت تلك - النظرة التقليدية ، قد خلقت لنا المشاكل ، والتى عددها حضرة الدكتور فى محاضرته ، وهى تلك النظرة التى تجعل من مجرى التاريخ الاسلامى المجرى الرئيسى فى الت ريخ العالمى ، فكان ان أعتبر تاريخ العرب يبدأ بالبعث الاسلامى وان الاسلام قد جب ما قبله ، وبالاحرى ان تكون الخلافة الاسلامية انعزالية فى وجودها وعلاقاتها مع باقى العالم (5)
ومن حيث اسلوب البحث فان ميل أصحاب التيار التقليدى الى التىصديق والركون الى اخبار السلف ، وتعليل احداث التاريخ تعليلا خارقا للطبيعة ، قد جعلهم يخلقون تلك الهالة من التقديس حول الخلفاء ، والتي تحدث عنها الدكتور زيادة . . ، ويجعلون من التاريخ الاسلامي تاريخ خلفاء وسلاطين.
هذا فى رأيى حقيقة المشاكل التى تعرض لها حضرة الدكتور ، ولي ملاحظة أخيرة فيما يخص المشاكل التى تعترض الباحث فى تاريخ العرب قبل الاسلام ، فليس من الرائج كما يذكر الدكتور ان يبدأ بالبعث الاسلام - إذا تغاضنا عن التيار التقليدى طبعا_ لانه يقرر هذا . وانما الرائج جهل المؤرخين العرب والمسلمين تاريخ المناطق المجاورة وضحالة المعلومات وقلتها عن تلك الفترات وانكبابهم برواية تاريخ الاسلام ، جعلهم يهملون الحديث عنها إلا بكلمات عابرة نعثر عليها فى ثنايا الكتب التاريخية القديمة .
ونحن حتى يومنا هذا رغم تقدم العلوم والفنون المختصة بالآثار والنقوش والكتابات القديمةpalaeography والنقود Numismatics والاحتام والوثائق ) 6 ( لا يمكننا رسم صورة كاملة لمختلف نواحي الحضارات التى ظهرت فى الجزيرة العربية ، او تتبع خطواتها نظرا لان معلوماتنا لما تزل عبر وافية وغير موزعة بانتظام على الزمان والمكان رغم ما امدتنا به نصوص الكتابين . Corpus Inscrition Semiticarum Repertoire D' Epigraphie Semitique وهما من اوسع المراجع للكتابات والنصوص القديمة العربية .

