الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، حول " ماجد والشاعرية الحق "

Share

لاحظ السيد البشير بن سلامة فى العدد الاخير من " الفكر " أن الاهتمام بالادب التونسى من قصة وشعر ظهر بصورة أجلى وأوضح فى الايام الاخيرة .

وقد كانت " الفكر " أول من احتضن هذا النشاط الادبى فطالعنا فى العددين الرابع والخامس دراسة قيمة عن " جعفر ماجد والشاعرية الحق " للسيد ابراهيم بن مراد . حاول أن يبين فيها طبيعة العمل الشعرى عند ماجد بدراسته دراسة تحليلية نفسية تحدد أبعاده ومكوناته وعناصر التأثير فيه . ذلك أن النقد الادبى بدأت تسيطر عليه المذاهب الفلسفية ذات الطابع العلمى فلم يعد يخضع للمقاييس الادبية فحسب بل تسربت اليه نظريات من علوم الجمال والنفس والتاريخ والاجتماع .

لقد اعتمد بن مراد اذن فى دراسته لشاعرية ماجد مبدأ التحليل النفسى فى الادب . فحاول بعد أن استشف احساس الشاعر الصادق تجاه بيئته القيروانية وما كان لها من أثر فى نفسه ، أن يرجع ظاهرة اهتمام ماجد بالمرأة الى كبت نفسى سيطر على الشاعر عند خيبته فى حبه الاول .

وقد أثبت علم النفس أن " وظيفة الكبت هى منع النزعات النفسية من السير فى طريقها الطبيعى وهذا المنع لا يقضى على النزعات النفسية . فهى تظل قوة متحفزة للظهور ولكنها تبقى مع كل هذا مختفية فيما يسمى باللاشعور " .

ولاحظ بن مراد أن الشاعر عاش على اليتم عصاميا يجاهد قسوة الحياة ، ومع ذلك لم يتفطن الى أننا نكاد لا نجد فى الديوان صدى للحالات المضطربة التى عاشها ماجد فى بداية حياته . فبماذا يمكن أن نعلل ذلك ؟

وبعد أن تمعن بن مراد فى الصفحات الباريسية واستنتج أنها كانت

مرحلة حاسمة من مراحل حياته الشعرية برزت فيها مأساة تمزقه الذاتى التى لم تنته به الى يأس ذريع ، حاول أن يتبين أثر الصدق فى تجربته الشعرية .

فأكد أن الصدق يتفاوت لدى ماجد : فهو فى تجربته الفردية أوفر منه فى التجربة الجماعية . فى حين أننا لو تمعنا فى القصائد التى وردت فى " مذكرات فى السياسة والمجتمع " والتى قال عنها بن مراد انها نجوم خابية اللمعان باهتة اللون ، لتبينا أن الشاعر لم يفرضها على نفسه فرضا وأنها لا تتناقض البتة مع تجربته الفردية ذلك أن الشاعر " كثيرا ما يعكس بصره - أراد أم لم يرد - الى داخل نفسه ليرى فى مرآتها العالم الخارجى المنعكس فيها ، وهو اذ يصف ذلك العالم لا يصفه كما يراه منعكسا فى مرآة نفسه . وهذه المرآة النفسية لا بد أن تلون الى حد ما ذلك العالم الخارجى بلونها الخاص بوعى من الشاعر أو بغير وعى . وكل ذلك على اختلاف فى النسب يرجع الى طبائع الشعراء ومقدار الحساسية الموجودة من مرآة كل نفس " .

فجعفر ماجد لا يصف مأساة " هيروشيما " كما يراها فى العالم الخارجى بل يصفها كما يراها منعكسة فى مرآة نفسه بوعى منه أو بغير وعى .

ثم إن بعض الغربيين المحدثين أكد أنه يكتب ليعرف لماذا يكتب . أى أن الغاية من كتابته لا تتضح له إلا بعد الفراغ منها . فعندما يكتب ماجد قصيد " صقلية " أو " هيروشيما " أو " لوممبا " تكون الكتابة بالنسبة اليه غاية فى ذاتها أى انه لا يضع أمامه هدفا مرسوما وإلا أصبحت قصائده عملا فكريا واعيا .

ثم يأتى دور الناقد فينظر فى الأثر الادبى فيدخله اما ضمن الأدب الملتزم أو ضمن الادب الذاتى الوجدانى .

ولست أدرى لماذا يحاول بن مراد أن يدخل على الأثر الفنى مقاييس الصدق والكذب فى حين أن هذه المقاييس لا يمكن أن تصبح كما يقول مندور مرادفة للتجربة الشخصية أو انعدامها . فهل من حقنا كقراء أن نطالب الشاعر بأن يعيش كل تجربة يصوغها صياغة فنية ؟

هل من حقنا مثلا أن نطالب دستيوفسكى وهو يحلل مشاعر المحكوم عليه أن يعيش هذه الحالة ؟

لا أعتقد ذلك . فالاديب يمكنه عن طريق تجربته الخيالية أن يعيش التجارب التى لا تسمح له ظروف الحياة بأن يحياها . فقد لا تواتى الفرصة جعفر ماجد لكى يعيش كل تجاربه الجماعية ومع ذلك يمكن أن يعيشها عن طريق الخيال .

فاذا نجح فى تصورها جعلنا ذلك من قبيل قوة الخيال عنده ولا نسميه صدقا فى التصور .

واذا فشل جعلنا ذلك من قبيل ضعف المخيلة عنده اذ لم تمكنه من تجسيم التجربة الجماعية كما ينبغى . ونحن لا ندخل على ذلك مقياس الكذب والتصنع المفتعل .

ويناقض بن مراد نفسه حين يجعل جعفر يكون صورته الشعرية نسقا لفكرة كامنة فى أعماق " البؤرة " التى يمتزج فيها الشعور بالمخزون اللاشعورى . ويقول فى موضع آخر إن أنفاس الفن للفن بادية آثارها فى كثير من قصائد ماجد . فى حين أن البرناسية والفنية تريدان أن تجعلا الشعر غاية فى ذاته لا وسيلة للتعبير عن الذات . وقد قامتا على معارضة الرومانسية التى تمثل مذهبا ذاتيا يعرض فيه الشاعر أفراحه وأتراحه .

ثم لماذا يعمد بن مراد بطريقة خفية الى تأكيد أن الشاعر لا يمكن أن يكون صادقا إلا فى تجربته الفردية وبنكر عليه أن يتناول المشاكل الجماعية . فيقول فى دراسته " لصمود بين ألوانه القديمة والجديدة " ( السنة 13 - العدد 8 - ماى 68 ) : " أين هو العالم الشعرى الصافى الهادىء المريح الذى تغمره أمواج الحياة والحب والجمال من هذا العالم الذى تتنفس فيه المداخن وتفجر آلات المصانع فى أحشائه براكين وزلازل " ويواصل قائلا : " . . . فرسالة الشاعر أن يطير بالناس على بساط من الريح ليحملهم الى عوالم الجمال الخفية ومتى عرفوها صفت حياتهم وانقشعت غيومها " .

ويحاول بن مراد أن يؤكد فى دراستيه لماجد وصمود أن الشاعر لا ينبغى أن يكون " كمصلحة للتعاونيات تمون الناس بالفحم والزيت والدواء ولا تهتم إلا بمعد الجمهور وجهازه الهضمى " .

وكأنه يدعو بذلك دعوة خفية كلا من صمود وماجد الى الاقتصاد على تجاربهما الفردية الذاتية . فيقول عن جعفر إنه يفرض نفسه على الشعر فى تجاربه الجماعية ويود لم يجعل جعفر " مذكرات فى السياسة المجتمع " ضمن ديوانه " نجوم على الطريق " . كما يأسف لتحول صمود فى ألوانه الجديدة .

فى حين أن الشاعر لا يستطيع أن يعى ذاته إلا اذا حدد وجودها من المجتمع . وهنا أسأل السيد بن مراد : هل من حق الناقد أن يطالب الأدباء بتناول موضوعات معينة دون غيرها من الموضوعات ؟

هل من حق السيد بن مراد أن يفرض على الشاعر الكتابة فى مواضيع

تتماشى مع ذوقه كناقد . كأن يدعو ماجد وصمود الى الاقتصار على التغنى بمشاعرهما الخاصة ؟

فى حين كان على السيد بن مراد أن يتساءل : هل استطاع ماجد وصمود باضفائهما صفة الشمول على تجاربهما أن يخرجا بأكثر انطواء ، من حدودها الذاتية الضيقة الى حيث حركة الانسان العامة ؟

على أن السيد بن مراد استطاع أن يبين بطريقة تحليلية طبيعة العمل الشعرى التى تتمثل فى مكوناته وعناصر التأثير فيه . كما تمعن فى عملية الابداع الفنى ملاحظا أنها تخضع لتشكيل مكانى وتشكيل زمانى يتمثل فى الاطار الموسيقى للقصيدة وفى اعتبار اللغة أداة زمانية . ويندمج التشكيلان فى عملية واحدة فتكون الصورة الشعرية .

كما لاحظ السيد بن مراد أن الشاعر يكون صادقا فى اختياره للشكل الذى يضع فيه قصائده . أى انه يختار الاوزان التى تناسب حالته الشعورية . على انه لم يتفطن الى أن الوزن كما أكد ذلك عز الدين اسماعيل لا يحمل أى دلالة خاصة . فيمكن للشاعر مثلا أن يعبر فى وزن واحد عن انفعالات مختلفة .

فقصيد ماجد عن " القيروان " ( البحر المتقارب ) :

حنوت عليك حنو الصبى            وبحت بشوقى فلا تعتبى

يشع منه اخلاص تجاه الارض التى انبتته وبهجة تتمثل فى حبه العميق للقيروان .

وقصيده الاخير " تقولين " ( البحر المتقارب ) :

تقولين لى يا حبيبى فماذا              تقولين لى بعد هذا النداء

نحس فيه بحزن الشاعر تجاه هذه المرأة التى لم تخلص له .

فالشكل القديم في الشعر العربى لا يمكن أن يحمل دلالة خاصة . فى حين أن الشعر الجديد المتمثل فى الحر والمنثور تخضع صورته الموسيقية لحالات الشاعر النفسية ومعاناته الحقيقية .

وعلى كل فقد استطاع السيد بن مراد أن يدرس شاعرية ماجد دراسة تكاد تكون مستوفاة ، فبين طبيعة العمل الشعرى عند ماجد وخصائصه الفنية وأكد لنا أن صاحب " نجوم على الطريق " شاعر " وما أقل الذين يصدق وصفهم بهذا النعت ! " .                                                                                           م . و .

اشترك في نشرتنا البريدية