لقد لفت نظري ما كتبه الشاب فتحى أورير فى آخر دراسته عن الغناء الموسيقى والموشحات فى مقدمة ابن خلدون ) " الفكر " ، السنة 19 - العدد أكتوبر 1973 ، ص 45 ( وخاصة منه رأيه فى الموشح وإيراده نظريتى فى هذا الشأن
قال : " أما بخصوص الموشح كفن شعري ، فانى لا أوافق البشين بن سلامة فى ما ذهب اليه من أن " الحرية المطلقة فى اختيار القوافى بالنسبة للموشح تؤدى حتما الى الفشل
ويضيف : " حقا ، إن " استكمال العدة الفنية " كما يقول ابن سلامة اصعب فى الموشحة منه فى الشعر العمودى ولكن بما انه وجدت موشحات استكملت عدتها الفنية - مما جعلها تخضع لظاهرة المعارضة كما هو الشأن بالنسبة للقصائد الموفقة - فهذا دليل على أن من الأوزان ما يمكنه استكمال عدته الفنية مع اكثر من قافية واحدة " .
وبورد فى تعليق عن هذا قائلا : " عكس ما ذهب اليه البشير بن سلامة ص 166 ) من كتابه اللغة العربية ومشاكل الكتابة . وقد حاول إرجاع صدى القافيتين في مطلع موشح ابن سهل الى صدى قافية واحدة ، ولكن اذا صح ذلك بالنسبة لمطلع الموشح لوجود القوافى الداخلية فهل يصح بالنسبة لبقية الأقفال سواء كان ذلك فى موشح ابن سهل أو فى المعارضات العديدة لهذا الموشح الشهير ، لأن معظم هاته الأقفال قد استكملت في رأيى عدتها الفنية ،
كان بودى أن يكون التحليل أوفى ، والنقد أشفى ، لأن القارىء غير مطالب بالرجوع الى ما قلته عن الشعر العمودى سابقا ، ذلك أن النظرية - التى كنت
عرضتها على القراء والتى تحتاج كما قلت فى كتابي الى الدقة العلمية أو بالأحرى الدقة التقنية إذ الشعر اليوم علاوة على تذوقه وتجاوب المشاعر معه يقاس فى المخابر حسب كمياته الصوتية وإيقاعاته - هي فى الواقع تنبني من جهة على ضرب من الحدس ومن جهة اخرى على استقراء عاجل للقصائد العربية التى لم يعمل فيها الزمان عمله هذه النظرية تقول بأنه : " لن تجد فى الوزن الواحد إلا قصيدة رائعة واحدة " تكون قافيتها واحدة هي التى توفق الشاعر الى اقتناصها وهى التى جعلت هذه القصائد التى استكملت عدتها الفنية مهيأة الى المعارضات . واذا كانت الأوزان الخليلية لا تفوق سبعة وستين وزنا فهل نجد من القصائد المعارضة ما يشارف هذا العدد . ثم إن عبارة استكمال العدة الفنية يقتضى بطبيعة الحال القمة فى الصناعة الشعرية وليس معناه أن الشعر العربى لا يعد المآت من الروائع التى تقارب استكمال العدة الفنية وتستسيغها الأذن ولكنها لا تصل الى روعة قصائد المعارضات ، ثم ما معنى عبارة بيت القصيد ؟ أليس هو ذلك البيت الذى يجهد فيه الشاعر نفسه حتى تتلاءم ألفاظه مع القافية من حيث الايقاع والنبرات والكمية الصوتية فتستسيغه الأذن ويقارب بذلك استكمال عدته الفنية .
على كل فان التحليل يطول فى هذا الشأن وللقارىء الكريم أن يرجع الى الكتاب إن أراد .
على أن ما فهمته من ملاحظات كاتب المقال ، هو محاولته فى عجل لا محالة إثبات أن هذه النظرية غير صحيحة بدليل أن الموشحات التى لم تحد عن الوزن الواحد امكن لها ان تستكمل عدتها الفنية بأكثر من قافية . والحال أننى بينت أن شعراء الموشحات الذين ضاقوا بسجن الوزن الواحد وراموا خلق لغات أخرى للشعر العربى لم يجدوا طريقا آخر غير التلاعب بالقافية ولكن فى حدود وهذا الذى جعلنى أجزم بأن الحرية المطلقة فى اختيار القوافى بالنسبة للموشح تؤدى حتما الى الفشل . وهذه الحدود هي فى ظنى تقتضى من الشاعر أن يلائم قوافيه المختلفة بصورة تكون فى جملتها بمثابة القافية الواحدة ، وهذه نظرية أخرى يقول القائل كيف يمكن لقواف عديدة مختلفة أن تساوى قافية واحدة وتكون هى القافية المناسبة للوزن ؟ هذا ما أحسست به بالذوق وبميزان الأصوات الكامن فى نفسى ، وإنما الذى أدعو اليه هو أن يتوصل الباحثون في المخابر - والأصوات والايقاعات تقاس اليوم بالآلات - الى التدليل على هذه النظرية وإثباتها . ورغم هذا فان الذواقين للشعر والعارفين به والذين تتماوج فى أنفسهم الايقاعات والنبرات الشعرية لا أظنهم إلا شاعرين بهذا . وقد اتجه حازم القرطاجني هذا الاتجاه في كتابه منهاج البلغاء وإن فى شئ من
الغموض ) راجع كتاب اللغة العربية ومشاكل الكتابة ، ص 177 ( وبدون أن يستنتج نفس الاستنتاج .
ثم إنه ، هل يمكن لكاتب المقال أن يجزم لى أن مطلع موشح ابن سهل يساوى فى استكمال عدته الفنية بقية الاقفال ؟ لا أظن وهذا يوافقني عليه كل الذين اطلعوا على هذا الموشح
لذا فاني أدعو الدارسين للشعر العربى أن يتجهوا الاتجاه العلمي وإنى اعترف أن ما قلته إنما هو نظري يحتاج إلى التجريب فى المخابر لكن ما دام العلم الصحيح لم يفند ما قلته فاننى أتمسك برأي وأعرضه على القراء فى كل مناسبة متمنيا أن يتاح لى في يوم من الأيام القيام بهذه التجارب فتزول عند ذلك كثير من الأساطير

