يجب بادئ ذى بدء أن اعترف بأن مقال الاستاذ محمد العربى عبد الرزاق رائع، اذ انه يفتح آفاقا عديدة ومديدة للبحث، وهو ممتاز لأنه يضع نقاط استفهام كثيرة جديرة بالعناية من أصحاب الفكر والرأى فى البلاد العربية جميعا. واعجابى بالمقال يرجع الى كيفية تناوله لهذه المواضيع وجمعه لهذه الآراء الكثيرة
ومنذ زمن رأينا كتابا لهم شأنهم يشيرون الى بعض هذه الآراء ولكن الدراسة الواعية الممحص لم تستقر بعد فى نفوسهم بيد أن الزميل جمع هذه النقاط جمعا حسنا، وأخرج منها مقالا ملفتا للنظر، وباعثا على التأمل والدرس والتقصى.
واذن فمقال الزميل غوص فى حقيقة الشاعر ، فى نفسه ، فى فكره فى بيئته ، فى عصره فى مجتمعه وفى حقيقة الشعر وما هو عليه ، وما يجب أن يكون عليه أيضا . بيد أن الزميل خرج بتعريف جديد للشعر ما سمعنا به أبدا ، يقول : " فالشعر هو ذلك الجمال الخالد الذى يتوق اليه الانسان ولا يصل الى ادراكه الا بعض الموهوبين ممن دق حسهم وأرهفت عاطفتهم وروحهم " لست أدرى اى الجمال يعنى ؟ هل هو جمال اللفظة وجمال الجملة أو ما يطلق عليه اسم الاسلوب..؟ أم أنه الجمال لانه يعبر عن الخير ويدفع الى الحق ؟ أم انه الجمال لانه يصفى النفس ، ويطهرها كما قال فلاسفة اليونان ؟ وحتى لو سلمنا بهذا التعريف الجديد فاننا لا نرى ما يراه اذ أنه فات زمن المذاهب التى تنادى بأن يكون الفن للفن لجمال صوره وهو ما أثار متعة ولذة بقطع النظر عما ينطوى عليه بعد ذلك ، وهذا بالطبع جانب من جوانب مذهب الفن للفن أو ما يطلق عليه فى النقد الادبى " المذهب الجمالى " وهم يعنون الصور التعبيرية الشكلية.
وان كان يعنى أنه يدفع الى الخير والحق والفضيلة فاننا لا نرى ان الجمال هو الحق وهو الخير وهو الفضيلة ، اذ قد يكون الشئ حقا كل الحق ، وخيرا لكل
الخير ومع ذلك فهو ليس جميلا ، أو الجمال فى نفسك على أقل تقدير ، ألست معي عندما يصدر القاضى حكما فى قضية فانه حق فى نظر القانون وفى نظر الحيثيات بقطع النظر عن الواقع ومع ذلك فهو شىء قبيح فى نظر المحكوم عليه . ان الشعر هو التجربة الانسانية . . هو نظرة الشاعر الى الناس والى الكون والى الاشياء . ان الشعر هو وقوع الاشياء على حس الشاعر على شكل معين . . انه هضم ما يقع على الحس والشعور والفكر ، ثم تمثيله واخراجه اخراجا حديثا وخلقه خلقا فيه روعة وجلال . . الشعر هو رؤية أبعاد النفس وكيفية تمثيلها للأشياء وتنظيمها وتنسيقها وايجاد العلاقات بين الجزئيات المتباعدة ولمها في سلك واحد ودفعها الى الآخرين.
اننا نحب الشعر ونعشقة ما دام معبرا عن تجربة انسانية ممتازة، ولو عبر الشاعر عن القبيح . واقرأ معى هذه الابيات لعبد الرحمن شكرى.
مررت على قرون لست أحفظها عدا كان مربى الآباد والقدم
حتى بعثت على نفخ الملائكة فى ابواقهم وتنادت تلكمو الرمم
وقام حولى من الاموات زعنفة هوجاء كالسيل حم لجه عرم
فذاك يبحث عن عين له فقدت وتلك تعوزها الاصداغ واللمم
وذاك يمشى على رجل بلا قدم وذاك غضبان لا ساق ولا قدم
ورب غاصب رأس ليس صاحبه وصاحب الرأس يبكيه ويختصم
جاءت ملككة باللحم تعرضه ليلبس اللحم من اضلاعنا الوضم
يقول الدكتور محمد مندور :" على الرغم من ان هذه الصورة المريعة تكاد في قوتها بين الادب العربي كله بل انها لتذكرنا بتلك العبقرية العانية التيار الشعراء العالميين مثل ( ملتن ) ودانتى ، وأبى العلاء فى ومن مشاهد العالم الآخر على الرغم من ذلك فهى صورة تصور العالم الآخر على ما نحن عليه فى حياتنا الراهنة ، من وانحطاط ، فهذا يسرق رأس ذاك ، وهذا يخطف رجلا أو ساقا لا تلائمه ؛ ويعني ذلك فنحن لا يهمنا الشىء المعبر عنه بقدر ما يهمنا كيف الشاعر هذا القبح . . كما أننا نحب الشعر اذا عبر عن الشئ الجميل - لا لذاته - وانما لاننا نريد ان نستمتع بهذا الجمال وهو خليط بمشاعر الشاعر واحاسيسه ويذهب الزميل الى أن الشعر يجب ان يعبر عن أمانى الشعوب والامها فى
مسراتها وأتراحها ، فى اندفاعها وصعودها ، فى كفاحها وانتصارها وانهزامها أيضا ، ويضرب المثل بالشعب الصينى ويرى بأن الشعر يجب ان يحصى هذا كله ، ويسجله تسجيلا . . وهو بعد ذلك ينقد الشابى ويتحامل عليه لانه قال فى ديوانه عن الشعب " أنه طفل صغير يلعب بالتراب "
ونحن نذهب الى أن فى هذا القول مآخذ . . لقد فرغنا منذ زمن بعيد من أن الشعر أو الادب بعامة يجب أن يعبر عن الشعب ، بل لقد نادى العقاد بهذا ونزل بالشعر الى الشارع ، وله ديوان فى ذلك معروف . . بيد أن المشكلة فى كيفية هذا التعبير . . ان اردنا من الشعر أن يعبر عن هذا المليون من البشر وهو ينحنى فى لحظة واذا بمليون من الاشجار تداعبها النسمات فى لحظة أيضا ، وكأن يدا سحرية مسنها . . أو أن يعبر الشعر عن الشعب الضعيف وهو يقهر الاساطيل ويقف أمام القلاع الفولاذية وتحت البراكين المتساقطة من مدافع النفاثات . . ان اردنا ذلك فاننا نذهب الى أن هذا أصلح بالوصف الاستعراضي للجرائد وهو قطعا مادة قيمة وتمينة للاذاعة والتيليفزيون .
وكما أسلفنا ، نحن نريد من الشاعر شعورا واحساسا وتأملات ، وسياحات فنية . نريد منه ان يرينا كيف نزل على احساسه هذا المنظر ، وكيف تقبلته نفيسة وماذا حذفت منه ، وماذا تركت ، وكيف تمثلته ، وكيف هضمته ، وكيف نسقته ، وعلى أية كيفية أخرجته . . نريد الاحساس بهذا المشهد الشاخص ومداه وعمقه ولا نريد الوصف الاستعراضى الذى يبدو من قول الزميل . حقا ان النثر والاذاعة ينقلان هذه المشاهد نقلا مثيرا يدفع الى الخشوع حقا .
ويتحامل الزميل بعد ذلك على الشابى لانه قال : ان الشعب ( طفلا صغيرا لاعبا بالتراب ) والحقيقة أن هذا النقد يعود بنا الى نقد جماعة ( سوق عكاظ ) يوم كانوا يفضلون هذا الشاعر لانه قال هذا البيت بعينه ويؤخرون آخر لأنه قال هذا البيت بالذات . ولو كان فى ديوان الشابى - أغاني الحياة سوى هذين البيتين لرفعاه الى مصاف العظماء
وفي صيحة الشعب المسخر زعزع تخر لها شم العروش ، وتهدم
ألا ان أحلام البلاد دفينة تجمجم فى أعماقها ما تجمجم ( 2 )
بالاضافة الى أن شعر الشابى دعوة للشعب ان يحطم القيود ، ودعوة للفرد أن يتحرر ، ودعوة للنفس أن تخرج من سجنها ، ولا نغالي اذا قلنا ان أغاني الحياة صيحة عاتية وثورة عارمة ضد الاستعمار والفقر والجهل والمرض .. واذا كان الشابي لم يرضخ للمرض العضال الذى مزق جسمه وهو ينشد :
سأعيش رغم الداء والاعداء كالنسر فوق القمة الشماء
فكيف يرى أن الشعب طفل صغير لاعب بالتراب . . انه بيت أو شطر من بيت ، وافترض أنها أبيات ، ورأينا أنها فلتات لا عاصم منها لها أسبابها وميرراتها وظروفها ، ومؤثراتها ، ولو عشنا نحن عصر الشابى وأحسسناه كما أحسه لران على قلوبنا اليأس واستسلمنا للقنوط . . وتأمل حوالي فلن ترى أيام الشابى من قال من الشعراء :
اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
ولا بد للظلم ان ينجلي ولا بد للقيد ان ينكسر
ان الشابي لحن لم يتم ، ونغم عصف به الزمن الغدور . . واذا كان شعراء المهجر جميعا كونوا مدرسة أمريكا اللاتينية ، فان الشابى يكون وحده مدرسة في افريقيا الشمالية العربية ، كما يقول الكبار من الادباء.
نحن لسنا في حاجة الى النقد بقدر ما نحن فى حاجة الى المنهج فى هذا النقد وكيفيته ، ونحن فى حاجة الى الدرس الفاحص المتامل أكثر مما نحن في حاجة الى اصدار أحكام عامة شاملة وقاطعة وبجرة قلم فى خضم الافكار التى يزخر بها العالم .
ويرى الزميل بعد ذلك ان الشعر مهما كان جميلا فان كثرة استعمال صوره يفل من حده حتى تسكن اصوات السحر فيه . . ونحن لا تذهب هذا المذهب إذ معنى رأى الزميل أن كل صورة دبجتها يراعة شاعر او شاعرين فلا تصلح أن تكون شيئا . أو على الاقل يقل سحرها . . نحن نرى الصور لا تقدم ولا تؤخر فى هذا المجال لأن الشعراء لا يأتون بالصور فى أشعارهم وهي طبق الاصل ، وانما المجددون يجددون فى الفكرة والصورة . . والصورة حينئذ ستكون مقدودة على المولود الجديد . . والصورة القديمة عندما نستعملها في العصر الحاضر يجب أن نربطها ( ونفصلها ) على الفكرة الجديدة والمعنى الجديد والخلجات الجديدة ان صح هذا التعبير. هذا بالاضافة إلى أن الادباء الكبار فى الدنيا كادوا يجمعون على أن الكلمة
والجملة والصورة كلما كثر استعمالها ازدادت صقلا وبريقا ولمعانا لما تكتسبه من مدلولات جديدة ثرة على مر العصور ، غاية ما فى الامر ان السؤال فى رأيي يكون كالتالى : هل يمكن أن تعبر الصور القديمة على نظرتنا الجديدة للحياة والاحياء ؟ . . تأمل معى هذا البيت
سألت نجوم الليل هل ينقضى الدجى فخط جوابا بالثريا كخط ( لا )
كثيرهم الشعراء الذين وصفوا الثريا بيد ان هذا البيت نظرة أخرى ومن زاوية أخرى وبمقدار آخر من الربط والوصف على شكل مخصوص مع أن الثريا هي هى هى فى كل الشعر العربي . . وهذه الدعاوى ليست بنت اليوم لقد عرفها الشعر العربي منذ كان فى المهد ، لقد قال عنتر :
هل غادر الشعراء من متردم ؟ أما هل عرفت الدار بعد توهم ؟
ولكن هل وقف العرب عند ذلك اليوم الذى أعلن فيه عن عنترة افلاس الشعر والشاعر ؟ بالتأكيد ، لا ، سواء أكانت الدعوة الى أن فاعلية الشعر ضائعة شكلا أو موضوعا .
وبعد : لقد سئل أبو العلاء المعرى يوما عن شعره وأنه ليس فيه جديد ومعاد مكرور ، فقال : دعوه يقرأ أربعمائة سنة ، وسوف يخلد رغم الدهر والناس . ولنا لقاء آخر مع صاحب مقال ( الشعر بين الكبت والانطلاق ) لنريه كيف أن الشعر الطليق خصب سائغ ، ولكنه خال من الموسيقى ، وسوف يرى أن الوزن ليس كبتا وسجنا ، وانما هو موسيقى ونغم وفن.

