لقد تفضلت مجلتنا " الفكر " فى عددها الصادر يوم 10-7-1968 بنشر قصيد لى موجه الى شاعر غزلي . . وكنت قدمت القصيد برسالة جاء فيها: " . . يالتعاسة الحرف !! لقد وقع حبسه فى الابراج العاجية حيث العطور والخمور والحرير والمرايا ، حيث النفاق والجبن والميوعة والانـحلال . . قد البسوه الفساتين وسقوه الرضاب وقطفوا له الحلمات ليمضغها و " يقتل بها الوقت "حتى اذا ما شعر بالارهاق فرشوا له الحرير وغطوه بالضفائر الطويلة وجعلوا له من قوارير العطور وسادة . . " وعلقت " الفكر على هذا الاثر فى نفس العدد وقالت بالخصوص : " ان فى موقفك تنكرا غريبا للتراث العالمى ولما يزخر ويفخر به تاريخ الادب من آيات وروائع . . " ثم فتحت لقرائها الكرام باب المناقشة . .
وطالعتنا مجلتنا الغراء فى عددها الماضى بمقال تصدى فيه صاحبه ينقد هذاالاتجاه الذى أدعو اليه فألف شكر له على هذه البادرة الطيبة التى تخدم الادب بحق وان كانت تخالف اتجاهى . . وسأحاول فى هذه الاسطر بيان وجهة نظرى بوضوح فى خصوص هذا الخلاف " الطيب ":
لماذا كانت دعوتى شاملة
يعاتبنى الاخ الناقد وهو الطالب على الطرابلسى على هذه الدعوة الملحة بقوله : ".. كان عليك أن ترفعها لنفسك لانها دون شك ترسم خطة وتعبد طريقا لن يدرج عليها سواك . . " اسمح لى بأن أقول لك أن هذه الدعوة لم تخطر ببالى فجأة فأعجبتنى وبادرت بنشرها بين الناس ليحكموا لها أو عليها وانما أختمرت طويلا فى فكرى ثم أستحالت الى مبدأ أصبح عسيراعلى التخلى عنه مهما كانت الانتقادات.. هذا المبدأ الذى دفعنى ويدفعنى اليوم الى أن أشعر غيرى بضرورة التخلى عن الشعر الغزلى وأقنعه بجدوى معارضته له ولـهذا السبب كانت دعوتى شاملة . .
هدف الدعوة ومفهومها
اعلم اخى الناقد أن هدفى من هذه الدعوة هو اجبار الشاعر الغزلى على التخلى عن نشر شعوه أولا وعن كتابته ان أمكن لانه عديم الفائدة.. قد تقول ولكنه شعر ! والشعر من فعل شعر أى أن ذلك الشاعر لا يحرك قلمه ، ويكتب قصيدة فى المرأة الا بعد أن مر بتجربة صادقة فى هذا المجال . . ولكنى أقول لك : لما كان الشعر الغزلى وليد التجربة كبقية الاغراض الشعرية الاخرى فلا بأس أن يسجل الشاعر عواطفه حتى يرضى مشاعره ويرضى الفن بالدرجة الاولى ثم يحتفظ بذلك الشعر فى مذكراته وأن لا يـحاول نشره أو اذاعته فيما بعد . . هذا هو مفهوم هذه الدعوة وهدفها فى آن واحد .
الثورة الادبية والواقع
ليس هناك فرق فى نظرى بين الثورى والثائر . . وليس هناك موقف سلبى يميز الثورى ولا موقف ايجابى يتصف به الثائر لان كليهما له دور هام فى تغيير الواقع . . فالاديب الثورى بكتاباته الجريئة الهادفة يخلق جيلا ثائرا قادرا على الوقوف في وجه العراقيل دون رهبة . . وبذلك يكون الاديب الثورى قد خدم الواقع بصورة غير مباشرة ..
وليس الادب كما تقول " سجلا للبطولات والهزائم " بل " هو وسيلة لكسب المعارك الدولية فى أغلب الاحيان " وبهذه المناسبة لا أريد أن أرجع بك - أخى الناقد - الى الكتب الصفراء التى تحدثك فى ارتعاش عن الحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم ودور كل منهما فى حرب البسوس ولكن لتقف معى قليلا نقلب تاريخ الشعوب فى العصر الحديث محاولين الكشف عن الاسباب التى جعلت الشعوب تثور لنفسها وتحاول تغيير واقعها . . سنجد حتما أن الادب كان احد تلك الاسباب التى مهدت للثورات الانسانية الكبرى . . ولنأخذ مثالا على ذلك الثورة الفرنسية التى ما كانت لتكون لولا العقد الاجتماعى لروسو الذى اعتبره المؤرخون " انجيل الثورة الفرنسية " ومؤلفات غيره من الكتاب والمفكرين ..
مأساة القارئ العربى
مازال القارىء العربى يمشى فى خيلاء على نقش " الجنس اللطيف " . . ومازال يستهويه الركوع للضفائر الطويلة والابحار فى العيون الزرق وتأديب النهود الثائرة . . هذا القارىء الذى سيصبح فى يوم ما - اذا لم يتطور - حيوان سرك . . وسيطلب الطفل الغربى من أبيه ثمن تذكرة الدخول الى السرك ليتفرج عليه ويضحك ملء شدقيه . . نعم هذا هو المصير المؤلم
الذى ينتظر القارئ العربى فى صورة ما اذا لم يـحاول الخروج من الـهوة التى تردى فيها منذ قرون وتوفير الوسائل التى تـمكنه من ذلك وتـحطيم النقش الذى كان يـمشى عليه فـى خيلاء . .
وبعد . . ليس في مستطاعى أن أقنع الاخ على الطرابلسى وغيره بـجدوى اتـجاهى الذى أدعو اليه ، وليس فى مستطاعى أن أقنعه بأن شعرى " شعر" وليس تشاعرا كما يعتبره . . لذلك فخير ما أفعله هو أن أواصل السير فى هذه السبيل الشريفة التى رسـمتها لنفسى وأن أصلى " صلوات وصلوات للحرف المناضل " كما فعل و يفعل أخى الشاعر أحمد القديدى ..
- تونس -

