الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، رد على نقد كتاب تبسيط العروض

Share

هذه هى المرة الأولى التى يكتب فيها الاستاذ محمد اليعلاوى على صفحات ( الفكر ) ( * ) منذ تأسيسها ، وهذه هى المرة الثانية التى أقرأ فيها له شيئا منشورا . فقد قرأت له منذ حوالى سنتين بحثا عن ( الدوائر العروضية ) فى ( حوليات الجامعة التونسية ) . وقرأت له فى مستهل أفريل الماضى فى ( الفكر ) نقدا لكتابى ( تبسيط العروض ) ، وابتهجت لذلك إذ أنى أعرف أن هذا الناقد استاذ فى الجامعة . زكاه يوم دخوله إليها بحثه عن ( الدوائر العروضية ) . وقلت فى نفسى إن الرجل من المقلين الذين لا يتكلمون إلا عندما يجب الكلام وتوقعت أنى سأتلقى توجيهات ثمينة فى هذا الميدان من استاذ جامعى مختص فى العروض ، متعود بالدراسات ( الحولية المحككة ) . وقرأت النقد فاذا بى أجده . . .

وأنا لا أحب أن انعت هذا النقد بأى شئ ، بل سأكتفى بالتعرض له جزءا جزءا ، وأترك بعد ذلك الحكم للقارئ ليصفه بما يشاء . يقول السيد الناقد محمد اليعلاوى :

" أول ما يلفت الانتباه فى هذا الكتاب ، جملة من الاخطاء " البيداغوجية " التى تخل بمبدإ التوضيح والتدقيق " :

1 ) " من ذلك خلو الأبيات الواردة فى التمارين والنماذج من الشكل . . . " وهذا غير صحيح لانى شكلت أكثر ما يمكن من الكلمات والحروف وليس الكتاب مؤلفا للاطفال لشكل جميع حروفه . فليتصفح الكتاب إن شاء ليتأكد من صحة هذا القول .

2 ) ثم يقول : " ان الأوزان تخلو غالبا من الحركات الصوتية ، ويحار لذلك - ولعدم وجود الشكل - فى كيفية قراءة ( متفاعل ) ( ص 56 ) ويعرض

لها أشكالا مثل : ( متفاعل ) بتسكين الثوانى ، أى ( مفعولن ) ؟ أم ( متفاعل ) مثل ( متقاعس ) أم ( متفاعل ) بسكون السادس أى ( فعلاتن ) ؟

وننظر الى الصفحة المذكورة فاذا بنا نجد ( جدولا لأعاريض وأضرب الكامل ) وفيه وردت ( متفاعل ) مرة مشكولة وأخرى غير مشكولة ، فلا فائدة فى الشكل مرتين ، ثم إن تلك الأشكال التى قرأها بها لا يتوقعها انسان فهم درس بحر ( الكامل ) فضلا عمن له إمام بعلم العروض . اذ أن " التاء " من ( متفاعلن ) قد قلنا عنها يجوز تحريكها وتسكينها لأنه داخل فى نطاق الزحاف . ثم إن حذف النون فى علم العروض يشير الى حذف التنوين واذا حذفت النون الساكنة سكنت اللام عوضا عنها اذ لا ينتهى الصدر ولا العجز بمتحرك ، بل ينتهى البيت فى القوافى المطلقة بمد أى ساكن ميت يسمى عند أصحابها العروض ( وصلا ) .

3 ) ويؤاخذنى الناقد على مطالبة القارىء ( ص 17 ) من كتابى بتقطيع أبيات من خمسة أبحر لم يسبق ذكرها ، ثم تنبهت إلى سهوى - حسب قوله - فأضفت قائلا : " استعن بجدول البحور الآتى ذكره لمعرفتها " وهذا الجدول يأتى بعد أربع صفحات - حسب قوله - وهذا يتناقض مع ما قررته فى المقدمة وهو أنه : " لا يمكن أن نفهم اللاحق إلا بفهم السابق وحفظه " .

ولو قلب السيد الناقد الصفحة لوجد أنى طالبت القارئ أيضا بتقطيع أبيات أخرى على بحرين آخرين لم يسبق ذكرهما ، ولولا تسرع السيد الناقد لتنبه إلى ذلك ، ولتنبه أيضا الى أن الجدول المشار اليه يأتى بعد 7 صفحات أى صفحة 24 ...وكان عليه ان يتنبه أيضا الى أنى قلت بالحرف الواحد فى المقدمة : " إن المعلومات التى فيه " أى الكتاب " تعتمد على بعضها اعتمادا كليا - فى أغلب الأحيان - بحيث لا يمكن أن يفهم اللاحق إلا بفهم وحفظ السابق " ( ص 5 ) . فلماذا وضع الكلام بين قوسين ما دام لم ينقله حرفيا ؟! وإذا فأنا قلت ان تلك النظرية صحيحة ( فى أغلب الأحيان ) . . . فأى ضير فى إحالة الدارس على جدول يأتى حتى فى آخر الكتاب . . . وماذا يقول . الناقد لو أنى أحلته على مرجع آخر قد لا يكون بين يديه ٢٠٠٠!٠ . . . لو تمعن الناقد فى هذه النقطة لفهم أنى أريد أن أفهم الدارس أن تلك التفعيلات التى وقعت فيها تلك الزحافات هى نفسها التى تتكون منها البحور الشعرية . وهذا أمر ليس فيه سهو لأنى وضعته فى أول السؤال لا بعده .

4) وكذالك يخطئ السيد الناقد حين يزعم أنى ذكرت مصطلحات عروضية مثل ( العروض والضرب والحشو ) قبل أن أعرف بها وأحددها قائلا : " الاستنتاجات ص 16 والتعريف ص  21 " .

والحقيقة أن ما جاء عن تلك المصطلحات فى ص 16 كان تحت عنوان " تنبيه هام " ويمكن لك أن تستغنى عن قراءة تلك المصطلحات فى ذلك التنبيه لأنى شرحت المسألة بمناسبة الحديث عن العلل وقلت : " سنعرفها أثناء دراسة كل بحر على حدة " ص 16 .

ثم عدت فصورت أجزاء البيت ( ص 19 ) تصويرا وعرفتها ( ص 21 ) . 5 ) أما أسماء أصحاب ( الشواهد ) فقد حال دون ذكرها - أو ذكر كثير منها - الخوف من تضخم حجم الكتاب لأن كل اسم يحتل سطرا - أثناء الطبع - ... ومعظم الشواهد تتكون من بيت أو بيتين فلو ذكرنا اسما تحت كل سطر لكان ذلك على حساب ( الشواهد ) أى أننا سنضطر الى حذف كثير من الشواهد لأن ( الأسماء ) ستحتل مكانها . . .

لهذا ذكرت أسماء أصحاب الشواهد الطويلة ، أما ( الثلاث عشرة قصيدة من الشعر الحر ) التى انهيت بها كتابى ولم أذكر أسماء أصحابها ( ص 198 الى 212 ) فهى أولا ( 12 ) مقطوعة أو قصيدة من الشعر الحر لا ( 13 ) قصيدة ولعله سها فعد نص ( المطالعة ) الموجود ( ص 212 ) من قصائد الشعر الحر .

وقد كانت أسماء أصحاب تلك القصائد موجودة فى النص الأصلى لكن المشرف على المطبعة اقترح على كتابتها بحروف أصغر من حروف النص الأصلى ... ووافقت على ذلك . . . وسافرت الى الخارج ، ولما عدت وجدت الكتاب قد طبع بدون أسماء وبدون مراجع : للموشحات ، وللشعر الحر وللعروض بصفة عامة . ولم تبق إلا ( الكراسة ) الأولى من الكتاب التى لم يترك لى فيها إلا صفحتان للمقدمة ، فاختصرت المقدمة وأجلت الباقى إلى طبعة أخرى .

على أنى قد أفكر فى مسألة ذكر اكثر ما يمكن من أصحاب الشواهد فى طبعة قادمة لأن بعضها لا يعلم قائله ووضعه العروضيون .

6) ثم يزعم السيد اليعلاوى انى سهوت إذ ( عدلت ) عن باب ( أقحمته ) فى الدروس بعنوان ( أسئلة ) بين الدرس السادس والدرس الرابع والعشرين دون أن يكون هناك مرجح لاثباته او لحذفه " .

ومن باب التدقيق أريد أن أقول إن الدرس السادس والدرس الرابع والعشرين فيهما ( أسئلة ) وكان على الناقد أن يضيف ... : " بخروج البداية وخروج الغاية " اما الدروس الباقية التى درست فيها جميع البحور

والدوائر العروضية من ص 29 إلى 111 فليس فيها ( أسئلة ) بالنسبة للمتصفح المستعجل أما الدارس المتأنى فانه لا يفوته أن يقرأ صفحة تحمل هذا العنوان " هام جدا " ص 28 أمام أول بحر وقع شرحه وهو ( المتقارب ) ص 29 . فارجع الى تلك الصفحة لتجد تلك الأسئلة السبعة مع تقديم وملاحظة وهى موضوعة لجميع البحور : " هذه أسئلة يجاب عنها قبل دراسة كل بحر . . . " الخ ص 228 .

فاذا كان السيد الناقد لم يقرأ ( الهام جدا ) فماذا عساه أن يكون قد قرأ من هذا الكتاب ؟ ! أما درس الدوائر فقد كانت الاسئلة مع الكليشى " الرسم " وسهوا عنها فى غيابى . وعلى الناقد أن يلاحظ أيضا انعدام الأسئلة من الدروس 26-27 - 28 - 30 .

7) ويرى السيد الناقد أن كثيرا من التمارين التطبيقية " فى غير متناول التلميذ الريض ولا حتى الاستاذ المتوسط الدراية بعلم العروض " ويسوق كمثل على ما يقول التمرين ( ج ) من صفحة 57 وقد أشعرت فيه القارىء بأن تلك الأبيات الأربعة فيها أخطاء عروضية ، ولكن بعد بحث الاستاذ الواسع الدراية بعلم العروض تبين له أن البيت الاول اعتراه جواز معروف مباح ، وهو انتقال همزة قطع الى همزة وصل وهو يقصد البيت الذى ينسب إلى عنترة :

فاعص مقالته ولا تحفل بها واقدم إذا حق اللقا فى الأول

لقد سبق أن نبهت الى الجوازات الشعرية ص 21-22 . . . ثم قلت : " وهناك جوازات أخرى وردت عند قليل من الشعراء ولكنها غير مستحسنة ولا يرتكبها إلا عاجز عن قرض الشعر ، منها . . . قطع همزة الوصل مثل : يا إبن = يا ابن . . . " فكيف يريد منى بعد هذا ان لا أعتبرها غلطة عروضية ؟ ! ثم لعله من باب السهو أن يهمل الناقد غلطة عروضية أخرى - هى المقصودة هنا - فى أول البيت إذ ان البيت لا يستقيم وزنه الا اذا ارتكبنا فيه غلطة نحوية وهى عدم جزم الأمر بحذف حرف العلة ( فاعص = فاعصى ) هكذا :

فاعصى مقالته ولا تحفل بها واقدم اذا حق اللقا فى الأول

أم هذا جواز معروف مباح ؟ ! 8) ويعلق السيد الناقد على البيت الثانى من الأبيات الأربعة التى رأيت فيها

خطأ عروضيا قائلا بالحرف الواحد : " وان الثانى - إن لم يصبه التحريف - وأين التحقيق - وقائله منسى ومرجعه مسكوت عنه ؟ فهو باق على وزن الكامل المجزوء " ؟ ! " باعتبار ضمير المتكلم ( أنا ) ، لا مقطعين طويلا فقصيرا - آن - أو قصيرا فطويلا - أنا مثل - لها ؟ ! وكلاهما جائز ، بل مقطعين قصيرين بدليل بيت ابن زمرك الذى استشهد به المرحوم الشيخ ابن أبى الشنب فى ص 50 من ميزان الذهب : " كذا كذا ...  "

أنا منشد ، ما فى وقو فك ساعة من باس "

والبيت الذى علق عليه السيد الناقد بالكلام السابق هو :

يا صاحبى اطلقنى من سجن الرؤى      أنا تائه أنا جائع ، أنا ظامى

وما دام البيت موزونا - فى رأيه - على الكامل المجزوء فأين توقع أن يكون التحريف ؟ !

وليطمئن السيد الناقد أحيله إلى المرجع ليعود إليه إذ تساءل عن ( التحقيق ) فلعله إن عاد الى المرجع وعرف صاحبه يكتشف فيه ما لم نكن نتوقع . البيت لايليا أبى ماضى من ديوانه " الخمائل " من قصيدة ( بين مد وجزر ) البيت 15 وكرره ( البيت 32 ) بابدال ( الرؤى ) بكلمة ( النهى ) فهل فى هذا التحقيق كفاية ؟ !

ونعود إلى الرد على ما جاء فى الكلمة السابقة : أ : البيت على الكامل التام لا المجزؤء كما زعم .

ب : الحديث الطويل الغامض عن ( أنا ) التى يجوز حذف ألفها لا لزوم له لو قرأ الناقد ما جاء فى صفحة 22 حيث ذكرت هذا الجواز " وانظر أيضا صفحة إصلاح الأخطاء " .

ج : لا لزوم للرجوع الى قول ابن زمرك فى المرجع المذكور لأن البيت هناك لم يذكر بمناسبة ذكر ذلك الجواز ، وكان من الممكن أن يحاجنى بما قلته فى ص 22 عن ذلك الجواز .

د : ولو فعل ذلك لما أخطأ فى اسم المرجع وصاحبه ، فالكتات المذكور ( ميزان الذهب ) فى صناعة أشعار العرب للمرحوم السيد أحمد الهاشمى .

ه : وأما الكتاب الذى يقصده فهو : " تحفة الأدب فى ميزان أشعار العرب " للشيخ محمد بن أبى شنب .

و : اسم صاحب ( تحفة الأدب فى ميزان أشعار العرب ) ابن أبى شنب بدون أل .

ز : وإذا كنت أعرف أن ( أنا ) تقرأ فى هذا البيت ثلاث مرات بدون ( ألف ) فلماذا طلبت من الدارس أن يبحث عن الخطا العروضى الموجود فيه ؟ !

ح : إن هذا الذى اتعب السيد الناقد فيه نفسه لم أقصده وكان عليه أن ينزهنى عن الوقوع فى هذا الخطا الذى لا يقع فيه إلا من عدم الحس الموسيقى .

فليعلم الناقد أن الخطأ الذى عنيته هو أن الوزن لا يستقيم إلا إذا حذفنا - فى النطق - ياء المتكلم من كلمة ( أطلقنى ) ولا موجب لحذف هذه الياء ، كما أنه لا موجب لابقاء حرف العلة فى قول عنترة ( فاعصى ) السابق لأنه أمر مجزوم والوزن يقتضى إبقاءه .

9) ويواصل السيد اليعلاوى نقده فيقول عن البيتين الباقيين " أما الثالث والرابع فقد بدئا بجزء " مفتعلن " ( ! ؟ ) عوض ( متفاعلن ) وهذا زحاف مستقبح ولكنه غير محظور ويسمى خزلا " .

وهو يقصد هذين البيتين :

- وآله بورد الروض عن أشواكه وآنس العقارب إن رأيت الأنجما

- فامش بنا فى كل لحن فاتن كالماء يجرى فى الغصون طهوره

فالبيتان لا يستقيمان إلا بغلطة نحوية مثل بيت عنترة وذلك بقراءة : " والهو بورد الروض . . . " و " فامشى بنا . . . " من : لها يلهو لهوا ... ومشى يمشى مشيا . . . بدون حذف حرف العلة .

لكن السيد اليعلاوى يرى أن هذا الزحاف المستقبح غير محظور وفى كلامه من التناقض الشئ الكثير ، فما دام هذا الزحاف مستقبحا فلماذا يجيزه ؟! ولو قرأ التعليق الذى جاء فى صفحة 16 على الزحافات التى لا تجوز وإنما وضعت لها النماذج وضعا أو أخذت عن شعراء ضعاف لا قيمة لهم . . . أو كانت كبوة من بعض المشاهير . لو قرأ هذا التعليق لما ناقشنى فى هذا الموضوع .

وكان على الناقد أن يناقش المسألة من أساسها بأن يعود إلى ( جدول الزحافات ) ص 15 وأن يحاول إضافة زحافات أخرى يرى بذوقه المرهف أنها لا تخل بالوزن ويقترح إضافة زحافات إلى هذا الجدول ، وأحب أن أضيف هنا

الى ذلك الجدول جوازا سهت عنه المطبعة لعدم وجود فراغ كاف فى السطر وهو ان ( مستفعلن )  يجوز فيها أيضا ( متعلن ) بحذف السين والفاء وتنقل الى ( فعلتن ) وهو اخف عندى من حذف الفاء فقط . . . فما رأى الناقد ؟ . . وهل يضيف زحافات أخرى ؟ على شرط أن تكون ( غير مستقبحة ) يقرها الذوق لا كتب العروض .

ثم إن ( الخزل ) ليس زحافا واحدا بل هو زحافان اثنان اذ هو مركب من الاضمار والطى . . .

10) والسيد الناقد يتناقض مع نفسه حين يقول بعد ذلك مباشرة : " وعليه ، فليس فى الأبيات الأربعة من خطا سوى خطا التقدير من المؤلف الذى افترض للقارئ معرفة مدققة بهذه الزحافات الركيكة ، وقد قرر فى البداية إهمالها " .

والحق أنى لم افترض للقارئ معرفة مدققة بهذه الزحافات ، لأنى لم أعترف بها بل اعتبرتها أخطاء ، وما دام الدارس سيجد فى تلك الأبيات الأربعة خروجا عما قررته من زحافات فى الجدول المذكور فانه سيعد ذلك غلطا عروضيا لا زحافا ركيكا لأنى لم أطالبه بالبحث عن الزحافات الركيكة " وقد قررت فى البداية إهمالها " كما قال الناقد .

11) ويرى الناقد أن الكتاب فيه " أحكام نظرية أقل ما يقال فيها أنها قابلة للنقاش مثل الأحكام التقييمية ( ؟ ! ) الصادرة عن رأى خاص من المؤلف دون استدلال ولا تحليل للنظرية مثلا قوله ( ص 79 ) " والبيت الذى يقع فيه زحاف " مستفعلن " - متفعلن - مفاعلن " أخف من الذى لا يقع فيه " .

واذا كان السيد الناقد يرى أن هذا الحكم قابل للنقاش فليناقشه ، أما أنا فقد رأيت هذا الرأى " فى بحر الخفيف خاصة ، لا فى جميع البحور " وكتبت عنه فى جريدة العمل منذ حوالى سنة ... وكتبت شعرا كثيرا على هذا البحر وحفظت شعرا كثيرا عليه فوصلت الى هذا الرأى . واذا كان رأيى كشاعر ودارس ، لا يكفى نظرا ( لحجاب المعاصرة ) فاليه رأى ابن رشيق ... " ومن الزحاف ما هو أخف من التمام ... ويخف على المطبوع أبدا أن يجعل مكان مستفعلن فى الخفيف مفاعلن يظهر له أحسن " . ج 1 ص 117 .

فهذا ( الحكم التقييمى ) ليس صادرا عن رأى خاص من المؤلف كما ترى فقد سبقه اليه القدماء . وانبه الى ان هناك بعض الأبيات التى لم تحذف منها هذه السين وليس فيها ثقل .

12) ويواصل نقد آرائى ( التقييمية الصادرة عن رأى خاص ) . . .

وكذلك ( ص 96 ) ( حيث أقول ) وبينها " أى بن الرمل والمديد والخفيف - فرق بسيط فى الحركات والسكنات ، ولكن هناك بون شاسع بينها من حيث النغم الشعرى " .

لا أحب أن أدلى برأيى هنا بل اكتفى بنقل جمل من بعض كتب العروض : أ - من ( المرشد الى فهم أشعار العرب للدكتور عبد الله الطب المحذوب ) ج 1 ص 205 عند الحديث عن الخفيف : " . . . . وأنه مشابه للمديد ، والمديد مشابه له ... "

" فاذا نظرنا الى الناحية الايجابية : وجدنا الخفيف مزيجا من الرمل والمتقارب : فافعولن فافعولن فافعولن × 2 " .

ثم تأمل الوزن ، وقد تعمدت اختيار أبيات المعرى لك وهى من الخفيف لقرب ما بين هذا البحر والرمل من نسب " ص 135 .

يتحدث صاحب ( المرشد ) عن صنفين من أصناف المديد فيقول : " ... وفيهما رنة شجو وأسى ، ولا عجب فقد رأيت قرابتها القريبة بالرمل " ص 150 .

ب - جاء فى كتاب ( العروض والقافية ) للدكتور عبد الرحمان السيد الاستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة :

والرمل والمديد أعتقد أنه يمكن - مع شئ من التجوز فيما قاله العروضيون القدامى - أن نجعلهما بحرا واحدا ، فتفاعيل البحرين واحدة غير أن التفعيلة الثانية من المديد دخلها الحذف ، وهو حذف سبب خفيف من آخر التفعيلة  " .

ثم يقول : " ولعل مما يدل على وجود صلة بين البحرين أن التغييرات التى تحدث فى أحدهما تحدث فى الآخر ، بوصفها الذى كانت عليه ، فقد قالوا عند الكلام على ما يدخل الرمل من تغييرات انه يجوز فى حشوه ما جاز فى حشو المديد " . ثم قال : " والرمل التام شبيه بالمديد ، فان أضرب به تأتى على فاعلاتن وفاعلات وفاعلا ، وهذه بعينها هى أضرب المديد " ص 150-151 .

وصاحب الكتاب المذكور يقول ذلك الكلام مقترحا إلغاء بحر المديد وإدماجه فى الرمل لأنه شديد الشبه به . " وهذا موضوع يحتاج الى تحليل . . . " ( ثم أنظر ص 97 تمرين 1 من تبسيط العروض ) .

فهل هذا رأى شخصى ؟ ( وإن كنت قد اطلعت على هذا الكتاب بعد صدور كتابى ) .

13) ثم يؤاخذنى على التناقض فى الاستنتاجات ( شأنى فى ص 15 ) الجواب الرابع ( كذا ) حين أقول : " ولا يكون الزحاف فى الأوتاد " بعدما أثبت جوازه فى السطر الرابع من الجدول فى أعلى الصفحة نفسها حيث أقول : " فاعلن - فعلن بحذف الثانى الساكن ، ويجوز تسكين ما يليه " . وبتساءل الناقد : " أما رأى أن الذى يليه هو الوتد . ؟ "

ولست أدرى لماذا لم يثر انتباهه ما جاء فى صفحة 79 وهو : " أنه يجوز فى التفعيلة الأخيرة من الخفيف ( فاعلاتن ) حذف متحرك فتنقل الى ( مفعولن ) وهذا يقع بكثرة فى بحر الخفيف " . أما رأى ان ذلك يقع فى الوتد ؟ ! . فهذا الذى وقع فى الخبب وأثار انتباه الناقد هو نفسه الذى وقع فى الخفيف ، وهو يسمى ( بالتشعيث ) " وهو حذف أحد متحركى الوتد المجموع فى ( فاعلاتن ) و ( فاعلن ) فقيل : حذف العين ، وقيل : حذف اللام ، وقيل : هو القطع ، وقيل : هو خبن بحذف الألف الثانية الساكنة ، ثم إضمار باسكان الثانى المتحرك وقد مر بك فى الخفيف والمتدارك " انظر ( العروض والقافية ) للدكتور عبد الرحمن السيد - ص 92 .

وإذا كان هذا الأمر قد أثار انتباهه فعليه أن يوجه نقده الى العروضيين الذين قرروا ذلك ، أما أنا فقد قلت . ص 37 : " ونستطيع ان نسمى النموذج الاول ( فاعلن ) ( 8 مرات فى البيت ) باسم ( المتدارك ) لأن الأخفش تداركه وأخذه من مقلوب دائرة ( المتفق ) اما النموذج الثانى ( فعلن ) ( بتحريك العين ) او بتسكينها ) فنستطيع تسميته باسم ( الخبب ) لأن نغمته تشبه سير الخيل خببا " .

وقد نبهت الى أن القصائد التى تكتب على ( فاعلن ) لا يقع فيها الا زحاف واحد وهو حذف الألف ، أما ( فعلن ) فكأنى اعتبرتها تفعيلة مستقلة يجوز فيها تسكين العين وتحريكها مثل تفعيلة الكامل . فهذا شعر على وزن ( فعلن ) بتحريك العين فى جميع البيت :

كرة طرحت بصوالجة     فتلقفها رجل رجل

وهذا على وزن ( فعلن ) بتسكين العين فى جميع البيت :

مالى مال إلا درهم  أو برذونى ذاك الأدهم

وهذا شعر وقع فيه المزج بين المتحركة والساكنة :

مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحم عوده

وهذا على وزن ( فاعلن ) ويجوز فيه حذف الألف فقط :

لم يدع من مضى للذى قد عبر  فضل علم سوى أخذه بالأثر

ولا يجوز فيه تسكين العين .

14) ويؤاخذنى مرة أخرى قائلا عنى : " ويحدد الضرب والعروض " ( تنبيه ص 21 ) . فيقول ما معناه " لا يكون الجزء ضربا ولا عروضا الا اذا بدئ بوتد ، فاذا صدر بسبب ، خفيف أو ثقيل ، خرج عن أن يكون ضربا او عروضا " . ويقول عن هذا التعريف المحرف : " ولو صح هذا الحكم ، لامتنعت الأجزاء - فاعلن - مستفعلن - فاعلاتن - متفاعلن - من أن تكون عروضا أو ضربا ، وامتنع بالتالى أن يكون للبسيط والمديد والمتدارك والرمل والكامل والرجز أعاريض وأضرب " .

ولست أدرى لم لم يضف الناقد بحور : السريع ، والمنسرح ، والخفيف ، والمجتث ، والمقتضب فأعاريضها وأضربها هى أيضا مصدرة بسبب ؟ !

هذا فهم غير صحيح لما قلته فى التعليق الموجود فى صفحة 21 ولهذا كان كل ما بناه عليه غير صحيح ، ولو كان المجال يسمح لى لنقلت ذلك التعليق ولشرحته ، فليعد اليه من يهمه الأمر ، لأنها ملاحظة غريبة من الناقد يطول الحديث لو علقت عليها باطناب ، لأنى قد اضطر الى التعرض الى بحثه فى حوليات الجامعة عن الدوائر العروضية فقد وقع فى نفس هذا الخطا هناك .

15) ثم يقول السيد الناقد - وكأنما قد طفح الكيل - : " فلا غرابة ، بعد هذا ، أن يتهم عبيد بن الأبرص بالاختلال فى أوزان معلقته ( وهى من مخلع البسيط ، فلها أن تتأرجح فى ضربها وعروضها بين مفعولن فعولن ، رغم ما ادعاه العروضيون من أن العلة فى الضرب والعروض واجبة التكرر ) وهو يشير الى قولى فى صفحة 76 : " وأكثر أبياتها مختل الوزن " .

يا سيدى الناقد إنى لم أتهم عبيد ابن الأبرص بتهمة هو براء منها بل قلت حقا يكشف عنه ( التقطيع ) والحس الموسيقى المرهف . واذا كان لا يثق بقولى فاليه قول ابن رشيق صاحب العمدة ( ج 1 ص 118 ) : " ومنه " أى الزحاف "

فبيح مردود لا تقبل النفس عليه . كقبح الخلق واختلاف الاعضاء فى الناس وسوء التركيب ، مثاله قصيدة عبيد المشهورة :

اقفر من أهله ملحوب

فانها كادت تكون كلاما غير موزون بعلة ولا غيرها حتى قال بعض الناس : " إنها خطبة ارتجلها فاتزن له أكثرها " انتهى قول ابن رشيق .

وقد ذاعت شهرة اختلال وزن هذه المعلقة حتى قال أبو العلاء المعرى مشيرا الى ذلك فى لزومياته :

و " بائية " من ضعف عقل نفوسنا ( كبائية ) من شاردات عبيد

وقال فى مكان آخر من اللزوميات :

وقد يخطئ الرأى أمرؤ وهو حازم     كما اختل فى نظم القريض عبيد

و ( عبيد ) الذى يشير اليه المعرى هو عبيد ابن الأبرص .

و ( البائية ) هى :

أقفر من أهله ملحوب

فالقطبيات فالذنوب

" فلا غرابة بعد هذا أن أتهم عبيد ابن الأبرص بالاختلال فى أوزان معلقته " فقد اتهمه قبلى الراسخون فى العلم بذلك .

أما " ما ادعاه العروضيون من أن العلة فى الضرب والعروض واجبة التكرر " فأمر لا نقاش فيه ، واذا شاء ان يناقشه السيد الناقد فليتفضل ، وليأت لنا بأدلة على صحة رأيه ، ثم إن اختلال الوزن فى معلقة عبيد ليس فى الضرب والعروض فقط ( مفعولن - فعولن ) ! ؟ بل يتجاوز الضرب والعروض الى الحشو أيضا .

وأخيرا يختم السيد محمد اليعلاوى نقده ( بنصائح ) شبيهة بتلك التى يختم بها " المرشد البيداغوجى " تقريره إثر حضور درس لأحد ( الاساتذة المتربصين ) : " وبعد فهذا الغموض والابهام ، بله الغلط ، لا يسهل مهمة الاستاذ فى فصله ، فضلا عن تلميذ السنة الرابعة ، وإن يعمد السيد

نور الدين صمود الى مراجعة كتابه فيعيد تبويبه من الدرس الرابع و ... و . . الخ . الخ . . إن يقدم على هذا يصر كتابه صالحا للقراء والدارسين والله لا يضيع أجر المحسنين " .

أما إشارته الى الضاد والظاء فهى غامضة وبالمناسبة أذكر أن لى بحثا طويلا عن الضاد والظاء سينشر قريبا .

كذلك أسأله : " لماذا اقترح أن أعلق على النصوص التى اخترتها من الفصول والغايات دون غيرها ؟ وبماذا أعلق عليها ؟ ! "

وأختم هذا النقد بتنبيه السيد الناقد الى أنى لا أدعى خلو هذا الكتاب من المآخذ ، أو أدعى عصمتى من الوقوع فى الخطأ ، فالعصمة لله ، وأنا أعرف أن فى الكتاب مآخذ أخرى ، أو مسائل أخرى جديرة بأن تثير التساؤل وأن يدور حولها النقاش - قد كنت أنوى الاشارة اليها فى المقدمة ( المطولة ) - إن يدرس السيد الناقد الكتاب دراسة جادة ، يهتد اليها ويكن بحثه فى مستوى الحولى المحكك " .

- وبعد فهل بقى فى هذا النقد رأى واحد صحيح يمكن موافقة السيد الناقد عليه ؟ الحكم للقراء ! .

اشترك في نشرتنا البريدية