نعى لنا النعي وفاة محمود بيرم التونسي بدار الهجرة بمصر : وبيرم التونسي أديب حق طالما رددت اسمه واثاره الإذاعات والمجلات ومحافل الفن بتونس ومصر وسائر العالم العربي الإسلامي .
إثبات أدب بيرم في الكتب والدواوين
ولبيرم انتاج أدبي عزيز غزير نحن أجهل الناس به واحقهم بالوقوف عليه نثبته في الكتب والدواوين ونكرس له الوقت ندرسه ونسبر اغواره واني اتوجه لمجلة الفكر بهذا الإقتراح وهو أن تخصص عددا برمته لادب بيرم مركزة الجهد على امدادنا بنفحات من ازجاله وشذرات من درره ضاربة الصفح عن المقالات السطحية التى لا ينفذ اصحابها الى اللب والدراسات الفارغة التي لا تنببي ءالا عن بلاهة من كتبها وجهله الكثيف البليد . (1)
ولقائل أن يقول : نحن لا نملك كل ما جادت به قريحة الراحل المأسوف عليه وأدبه مشتت بين تونس ومصر وسائر البلدان العربية و اني أرى أن الوعي بالمسؤولية يقضي على مجلة الفكر أن تتعاون مع الملحق الثقافي بسفارتنا بالقاهرة حتى يتوفر جمع شتات الادب البيرمي )) (( والرجاء وطيد في ان تلبى ’’ الفكر ‘‘ هذه الرغبة وخير البر عاجله .
حال الادب بتونس اليوم
ذلك أن أدب بيرم فيه عبرة لاولى الالباب : فهو ادب ملتزم بالمجتمع العربى الإسلامي شاهد عليه ناقذ له كان الباعث عليه في الظاهر الإرتزاق والتكسب وكان المهيج له في الحقيقة احساس مرهف متوقدو وعي نافذ متبصر والحديث عن انتاج بيرم يتسع ويطول ونحن نريد ان نحد من الموضوع وان نشير الى ما فى أدبه الشعبى المكتوب بالعامية من عبرة : فهو خير حجة على هؤلاء الذين في
( الفكر )
قلوبهم مرض وبلسانهم لكنة يدعون ان هناك مشكلاقائما ولا يزال قائما في شأن التعبير الادبي هل يكون بالفصحى ام بالعامية .
ان في تونس اليوم شرذمة من المتطفلين على الادب - والادب منهم براء سمحوا لانفسهم - ولم نسمح لهم - بالتعبير بعربية سوقية ضعيفة لا شرقية ولا غربية سموها ’’ العربية المهذبة ‘‘ وحشوها - خصوصا عند حوار اشخاص رواياتهم واقاصيصهم - بعامية تونسية مبتذلة وهم الى عائق الإقليمية الضيقة (اذ لن يتذوق الحوار بالعامية الا أهل البلد الذي قيل فيه) زادوا فساد الذوق فكان انتاجهم ابعد ما يكون عن الادب الاصيل المتأصل وهو في باب الحشو والهجنة أدخل والى الركاكة والإسفاف أقرب فانظر - منحك الله التجلد - الى انتاج هذه الشرذمة فانت واجد عربية مهذبة هي ترجمة مشوهة لتراكيب وجمل فرنسية غالبا وعامية اطوار قد حشي ذلك بحوار اساسه عامية سوقية فاسدة لاثر فيها للطبع ولا للصنعة والفن ...
نحن نريد ان نصرخ وان نرد على هؤلاء المتطفلين على الادب قائلين لهم : ليس هناك ولا يمكن ان تكون عربية ’’ مهذبة ‘‘ بين العامية والفصحى في مستوى الفن المحض والإبداع الاصيل : عربية هؤلاء القوم عربية فاترة مشوهة وهي مسخ وبدعة ان العبقرية العربية ابعد ما يكون عن الفاتر المتوسط فهي بالبارع المتأصل أولع واعلق واليه اميل واقرب (ان هم الا ’’ مذبذبين بين ذلك لاهؤلاء ولا هؤلاء (سورة النساء 142)
العامية الفنية
وهم يقررون ان استعمال العامية في الحوار والعربية ’’ المهذبة‘‘، في سائر الوصف ايسر على الجمهور وعليهم ولئن كان ذلك ايسر عليهم - فهو- ورب الكعبة - اثقل علينا من رضوى ومن كل جبال الدنيا انما ردي اليوم على ادعائهم للعامية فهم يظنون - خطأ - غفر الله لهم اودعهم سقر - ان التعبير بالعامية من عوامل التيسير وانه ابسط واقرب... وانا اريد ان اقرر لهم - صارخا جازما - ان التعبير الفني بالعامية الصميمة فن صعب المراس عزيز المنال هو اشد على اصحابه من قلع ضرس او اضراس...
ان الأدب الشعبي الأصيل المكتوب او المقول بعامية فنية محككة منخلة لا يقل صعوبة ولا قيمة عن اخيه بالفصحى : ونحن قوم نعد من وفق في الاداء بالعامية الفنية امثال بيرم التونسي - وهو العبرة في هذا الصدد - والدوعاجي ومن نهج نهجهما فنانين نجلهم ونضعهم في صعيد واحد مع من له القدح العلي في ميدان الفصحى كالمسعدي وابي القاسم الشابي :
اجل ان العامية الفنية لا تقل صعوبة عن اختها الفصحى الفنية فبيرم التونسي لم يقل ازجاله واغانيه بالعامية باعتبار ان العامية اسهل وايسر عليه وعلى السامعين بل لأنه رزق الى جانب الموهبة والطبع الصحيح والحاجة الى الإصداع بما في قلبه الحساس الشغف باتقان الصنعة والكلف بالقالب الفني البديع : وهو شغف وكلف يجعلان الفنان الصدوق كأنه الحامل في حال المخاض وليعلم هؤلاء المذبذبون الذين اختاروا لأنفسهم السهولة والتيسير قول المفضل الضبي لمن سأله
- لم لا تقول الشعر وانت اعلم الناس به . فقال - علمي به هو الذى يمنعني من قوله
والادب - ايها المذبذبون - اهون ما يكون عن الجاهل واهول ما على العالم كما قال ابن رشيق التونسي في عمدته .
واحسبك فطنت الى ما نذهب اليه في الادب وهو ما ذهب اليه الشاعر الفرنسي Paul Valery حيث قال : (( انما المدار على القالب والصنعة وما بقي فأفكار مبتذلة مزجاة ومذهب Valery عريق في الادب العربي وقديما كلف العرب بالصنعة والسبك وفضلوا اللفظ على العنى واستمع الى اديب تونسي هو ابن رشيق يقول في العمدة ’’ فالمعاني موجودة في طباع الناس يستوى الجاهل فيها والحاذق ولكن العمل على جودة الالفاظ وحسن السبك وصحة التأليف ‘‘
فتوخ اسلوب الدوعاجي وبيرم ان رزقت موهبة القول بالعامية الفنية واسلوب المسعدي ان كنت فتنت بسحر القرآن وبلاغة ابي حيان : مدرستان لا ثالث لهما الان .

