ما فتئ حب العظمة يساور أفئدة الشعراء من أقدم عصور الادب . ولطالما حملهم الالهام على اجنحته الوهمية ، فأقعدهم على آرائك سيادة حالة وديعة تفيؤوا ظلالها ، وظلوا يمرحون فى حللها القشيبة الفاخرة بمشهد الرعايا والاتباع الوهميين ، وان كانوا المؤمنين بنفاسة اثارهم وروعة اشعارهم .
ومن شأن الشاعر بطبيعته أن يطمح الى شبه سلطان قاهر يضطلع به فكريا ، والى صنف من امارة يحتلها فى عالم الخيال . والضمير ، اوليس هو المالك ازمة البيان ، والنافذ بفتنة الفاظه السحرية الى مغاور الوجدان . من اجل ذلك تبارى الشعراء من قديم الزمن وبعناوين مختلفة على نيل قصب السبق ، واحتياز كرسي الملك ، وان لم يسموا ذلك امارة ، ولا دعوه عرشا ، ولكن ما يهمنا هنا هو المسمى ، وهو ذلك الواقع النفساني لطائفة من الشعراء عرفوا بحب المجد وعظمة الطموح . ولطالما أقيمت الاسواق ، لا سيما عند العرب فى جاهليتهم ، لبعث القيم الرفيعة فى عالم القريض ، والتنويه بتفوق اربابها ، وان لم يمنحوا حرفيا لقب الامير .
ومعلوم ان الشعر كان يومئذ هو الترجمان الاوحد للفكر ، كما كان المظهر الفريد ، او يكاد ، للابداع ، فى مجال الفن . وكذلك بايع العرب ، على تلك الصورة غير المباشرة ، عدة امراء للقريض في تلكم الاسواق الادبية الحافلة . ولكن لم يدعوا امراء لفظيا ، فلقد كللت آثارهم ، وعلقت قصائدهم وصادف أن اجتمعت الامارتان ، الزمنية والشعرية ، لامرئ القيس بن حجر الكندي في فجر نهضة العرب الاولى قبيل الاسلام . فقالوا من يومئذ بدئ الشعر بأمير . " وظل الشاعر المبرز محفوفا من يومئذ بهالة تفخيم معنوى ، ربما
تبجح بمقتضاها باحتلاله منزلة الأمير . وما اقرب التباهي والتبجح الى طباع الشعراء ، فلقد يحملهم الادعاء والاعجاب بشقشقة ألفاظهم ، وزخرف اوزانهم ، الى انتحال أفخم الالقاب ، والى احتلال آرفع المناصب في عالم الاحلام ، سنة الله فى خلقه ، وشنشنة مألوفة من القدم لدى عبدة الاوزان ومنسقي الاعاريض .
وانه ، على الحقيقة ، لصنف من غرور ، وضرب من وهم باطل قد يجد فيه بعضهم راحته ، وينعم بحادع شعاعه ، ولامع سرابه ، فيتوهم امارة وصولة وعظمة ، ولا شئ مطلقا من ذلك فى الواقع الملموس ، اللهم الا زائف الرؤى وكاذب الامانى والاحلام . ولئن صح شئ من ذلك ففي نطاق قول بعضهم .
مني ان تكن حقا فيا غاية المنى والا فقد عشنا بها زمنا رغدا
ومهما كان من امر ، فكل شاعر يحترم نفسه ، او على الاصح ، يعجب بها ويعني يتملقها واطرائها ، نراه قد قلدها الامارة على الاقل ، هذا ان لم يتشح وشاح السلطنة ، او يحمل اكليل الامبراطورية .
هذا فضلا عمن زعموا تلقي الوحى وتباهوا فى سذاجة إلهامهم بوصف الرسل والانبياء ! وما عنينا ههنا ابا الطيب ، كما قد يتبادر للظن . فحسبنا أن نتلو هنا بيتا مأثورا لاحد هؤلاء الامراء ، وهو قول الشاذلى خزنه دار .
لو شاء ربك في الكتاب زيادة لاضاف آياتي الى تنزيله
على انه ما ثبت عندى قط ان المتنبئ قد ادعى النبوءة يوما . انما هو لقب الصق به إلصاقا ، وبه قد طار صيته وسار ذكره على مدى الاجيال .
لكن ابا الطيب لم يخل هو ايضا ، بل هو بالخصوص ، من تعاظم وكبرياء ، واعجاب مفرط بمواهبه ومقدرته ، وهو القائل فيما قال
وفؤادي من الملوك وان كان لسانى يرى من الشعراء
وما كان ذلك مجرد ادعاء وتخرص من الدجل ، ولا كان من قبيل الوهم والغرور المحض . فقد اثبتت لنا حياته وشيمه وآثاره أنه كان مظهرا لعظمة انسانية عزيزة النظير .
أقول مظهرا للعظمة ، ولا أقول للفضيلة او الكمال الانساني ، دفعا لما قد يثار هنا من خصومات ، لا محل لها من اعراب ، حول قيمة ابي الطيب من حيث الاخلاق .
ولا أدل على عظمة الرجل من هذه التهجمات الكثيرات التي ما ازفكت تتهاطل الى يوم الناس هذا من لدن فريق كلفوا من غابر الازمان بتحطيم المجد ، وتشويه العظمة والنبل ، وإنكار العبقرية والفضل .
على ان اعجابي بعظمة ابى الطبيب بل حيبي المتناهى لشخصيته الفذة ، وتقديرى لجلال شاعريته الخالدة - كل ذلك لا يمنعني من ابداء اسفي لا لكونه قد منح شعار الملك او الامير فى مجال الشعر وميدان الفكر الخيال ، فهذه الامارة قد أمسى واقعا أرسخه الزمان . انما اسف لكونه التمس امارة زمنية ، وانتجع ولاية ارضية فانية متلاشية ، مرتضيا لنفسه من اجل ذلك بخطة المهانة والاستجداء ، متذلللا مستخدميا بحضرة ممدوحه الخصى ، ومقصوده المملك الزنجي ، وهو من صلاه فيما بعد لاذع الهجاء ، وسماه العبد الآبق وغير ذلك من الاسماء . فما أغنى تلك العظمة الفكرية عن مثل هذه الهنات المستهجنة والرقصات المزرية . وانى ، وان اعجبت بإبداع الشاعر في فنه وتعبيره ، ليعروني الخجل حين اقرا له هذا البيت وأترابه ، متوجها به الى كافور
أبا المسك ، هل في الكأس فضل أنا له فإني أغنى منذ حين وتشرب
وهبت على مقدار كفي زماننا ونفسي على مقدار كفيك تطلب
اذا لم تنط بى ضيعة او ولاية فجوك يكسوني وشغلك يسلب
وانها على الحقيقة لآيات فذة في بابها ، فريدة فى منحاها ، فائقة الاحكام فى مبناها ، وان كانت البائية كلها من أولها الى آخرها على هذا النمط من الاحكام والجمال . ولكنني بودى لو ان الشاعر قد ضحى بالقصيد كله ، و باثنين آخرين من أمثاله ، تفادي لما لحقه من ذل الاستجداء ، وتحاشيا لما اصابه من المهانة ورق الاستخذاء .
لقد كان في نظري من حق شاعرى المفضل أن يكتفي بامارة الفكر الخالدة ومملكة الشعر الباقية ، اى بتلك التى منح اكليلها الوهاج من يوم ان اتصل بممدوحه الكبير سيف الدولة واطبقت سمعته الا فاق . فما فتىء معتليا عن جدارة ذاك العرش في عالم الضاد الى يوم الناس هذا ، باعتراف
كل ناقد نزيه مترفع عن تافه الاغراض هنالك اذن امارة شعرية يمنحها ذيوع الصيت ، ونبوة الذكر وعلو الكعب ورواج الشعر ، واطباق الخاص والعام ، واجماع القاصى والدانى على تقدير نتف القريض ، وترديد تحف البيان ، وتقييد طرف الحكم ، وجوامع الكلم . فذلك ما حظى به ابو الطيب وهو حي يرزق ، فنال ذروة العلياء وتربع سنام المجد ، وهو عين ما تكهن به ، اذ قال :
وتركك في الدنيا دويا كانما تناول سمع المرء انمله العشر
فما كادت ترسخ قدمه بحلب حتى اطبقت سمعته الا فاق ، وانتشرت ابياته المتينة المليئة الصداحة فى الخافقين ، وهتفت به الادانى والاباعد ، ان لم تكن بالقول فبالفعل ، ملكا للشعر واميرا للبيان ونبيا للقريض . وذلك هو الحدث الذى شاهده الشاعر وسجله على هذا المنحي اذ يقول
وما الدهر الا من رواة قلائد إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
فساربه من لا يسير مشعرا وغنى به من لا يغنى مغردا
ويتوجه الى ممدوحه سيف الدولة فيرسلها آيات محكمات وعرائس مجتليات
أجزنى اذا أنشدت شعرا فانما بشعري أتاك المادحون مردا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني أنا الصائح المحكى والآخر الصدى
وكذلك يسجل الشاعر المظفر في معركته الفكرية مراسم هذه البيعة الشاملة المستفيضة التى خولها من لدن معاصريه الذين اعترفوا له عفويا بالامارة وباهوا السلطان في مجال العبقرية والفن ، ولقد تجاوزت تلك السعة مدى معاصريه الضيق المحدود ، الى مدى الاجيال المتعاقبة على كر الملوين ، وتتابع العصرين فها هو الدهر في مجموعه قد اذعن للعبقرى الفذ ، واقامه أميرا لا ينقرض له سلطان ، او ينطمس أثر ، او ينقطع خبر .
ها هو الشاعر يطاول الفناء ، ويكافح الزمن ، بل ها هو الدهر ، وهو الماحي للآثار ، والمبيد للاحياء - ها هو الدهر يعمل على تخليد آثار الشاعر ، وعلى نقلها الى مسامع القرون ، وحفظها من العفاء والدثور
وما الدهر الا من رواة قصائدى اذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا
وهذا فى نظري من اروع التعابير عن سمات العظمة الخالدة التى منحها الفكر المبدع الخلاق . وانه لقوة من القوى التى لا يخمد لها ضرام .
العظمة الفكرية امارة وشوكة من صنف خاص ممتاز لانها تكون لها الانصار والاعوان والخول والاتباع فى كل عصر وعلى تعاقب الاحوال وتغير الاوضاع ، فى غير ما احتياج الى وفرة عتاد مادى او دعاية آلية منسقة من صنف ما نشهده في هذا العصر ، وكذلك تؤلب عليها الاعداء والمناهضين . ومن لم يدرك العظمة ناهضها وحاربها ونفاها . ولنا عودة الى موضوعنا ان شاء الله ولكل أجل كتاب .

