الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، في مفهوم النهضة الجديدة

Share

فى افتتاحية العدد السابق من مجلة الفكر ( 1 ) للاستاذ البشير بن سلامة اكثر من معنى جليل واكثر من دلالة خطيرة على خصوصيات المرحلة الثقافية -التاريخية التى يمر بها العالم العربى الاسلامى منذ مطلع السبعينات الى يوم الناس هذا والى ما بعده بزمن غير قصير على ما يبدو . ومن أجل تلك المعانى واخطر هذه الدلالات عندى بروز هذا المفهوم الجديد المعبر عن ظاهرة حضارية ثقافية آخذة فى الاستبداد بالفكر فى شدة متزايدة ممعنه فى فرض نفسها على واقع الحياة اكثر فاكثر واعنى بذلك مفهوم " النهضة الجديدة" .

ولست أزعم اننى سأحيط بكل ما يثيره مقال الاستاذ بن سلامة من جوانب وقضايا متصلة بهذا المفهوم ، فلا جدال فى أن هناك " اضطرابا فى المفاهيم وتسطيحا للافكار وتذبذبا فى الاراء " فى بعض الحالات ، وما من شك فى ان المخاطر قائمة من كل جهة ، من جهة الاوضاع الثقافية ومن جهة غيرها من اوضاع وعوامل قد لا تكون لها بالثقافة صلة قوية ، ومن جهة المعطيات الداخلية فى العالم العربى الاسلامى والمعطيات الخارجية معا ، ونزعات "الدكتاتورية واللاتية والمانوية والارهابية " كلها فى انتعاش لا نكاد نجد له نظيرا من قبل مما يوشك ان يعرض مشروع النهضة الجديدة للانحراف عن سبيله القويم او اجهاضه جملة بافراغه من ابعاده الحضارية العميقة واختزاله فى طائفة من الشعارات وتسطيحه فى البعد السياسي العملي دون سواه . كل

هذا لا شك فيه فى نظرى ولا شك فى خطورته ولكننى لا اجد مع ذلك حاجة الى الخوض فيه الآن مخافة ان يكون قولى مساهمة فى " اضطراب المفاهيم " بدل توضيحها و " تسطيح الافكار " بدل تعميقها وترسيخها . انما المهم هو ابن سلامة فاجج من جذورها وزاد فى الحاحها فدل فى صدق ووضوح تام على الجديدة " لهى اذن فى توضيح هذا المفهوم والسعى الى تعميق الوعى به وترسيخ اسباب تطعيمه واثرائه . وهذا ما احاول ان اساهم فى تحقيقه بهذا القسط المتواضع من الافكار التى ما انفكت تشغلنى منذ عهد فجاء مقال الاستاذ ابن سلامة فاجج من جذوتها وزاد فى الحاحها فدل فى صدق ووضوح تام على اننا بحق ازاء ظاهرة ثقافية حضارية جديدة هى فى او كد الحاجة الى ان يمد فى انفاسها حتى تبقى وتثمر .

ولا يسعنى فى هذا المقام الا ان اشكر الاستاذ ابن سلامة على دعوته الكريمة الى القراء ان يساهموا بآرائهم فى " بحث هذه القضية وتدبرها " ولا املك الا ان ابارك فكرة تخصيص عدد من اعداد المجلة فى هذه السنة لطرح القضية على نطاق اوسع وفتح المجال لمساهمات اوفر ، فلن يكون من كل ذلك على اية حال الا الخير العميم ولن يكون فيه الا شاهد آخر على الدور النبيل الذى تضطلع مجلة " الفكر " به فى ريادة الثقافة بهذه الديار .

من علامات النهضة الجديدة

قد يطول بى القول لو اردت الالمام بجميع المظاهر الدالة على تيار النهضة الجديدة سواء فى دنيا الفكر والثقافة على الخصوص أو فى واقع المجتمعات العربية الاسلامية وجوانب حياتها المختلفة بعامة . فالحق انها اكثر من ان تحصى وأشد تنوعا من ان تحصر فى مثل هذا المقال .

لقد حدث فى مطلع السبعينات ضرب من المد الحضارى الشامل ظهرت اثاره فى جميع مجالات الانتاج الثقافى بغير استثناء بدءا من الموسيقى والفنون على اختلافها الى الادب والنقد الى العلم والفلسفة والدين وكل ما له بالابداع الفكرى صلة قوية او ضعيفة . انه انعطاف ثقافى خطير ليس اشبه به فى التاريخ العربى مما حدث فى فترة النهضة التى ازدهرت فى اواخر القرن الماضى ومطلع القرن الحالى . ومن هنا كان مفهوم " النهضة الجديدة " تعبيرا صادقا عن ظاهرة موضوعية قائمة فعلا .

ولعل من ابرز العلامات الدالة على روح النهضة فى هذا المد الذى نتحدث عنه ان جميع مظاهره وافرازاته على اختلاف مشاربها اختلافا كبيرا الى حد

التناقض احيانا - وما اشبهها بما تنازع النهضة فى القرن السابق ومطلع القرن الحالى من تيارات ( 2 ) - متجهة كلها الى البحث عن مقومات الخصوصية في الذات الحضارية للامة . وذلك هو جوهر النهضة . انها وقفة تأمل ان شئت ومراجعة ومحاسبة للنفس بعد عقود من المحاولات والتجارب التى لم تكن فى نهاية الامر وبغض الطرف عن التفاصيل ومدى الاخفاق أو التوفيق هنا أو هناك ، سوى نطبيق لرسالة رواد النهضة الاوائل وامتداد فى واقع الحياة لما بشروا به من قيم وما افنوا عمرهم فى الدعوة اليه من اصلاح .

ففى هذا النطاق طرحت قضية الاصالة والمعاصرة فى الحاح لا مثيل له الا فيما كان فى عهد الرواد ، بل ان هذا الالحاح قد تعاظم حتى افضى الى صور مختلفة من الحدة والعنف فى مجالى الفكر والحياة معا . وفى هذا النطاق ايضا برزت الموجة التراثية وترددت الدعوة فى جميع المجالات الى اعادة " قراءة التراث " وتعددت محاولات " تقييمه " وتنوعت التجارب فى محاولة لتوظيفة فى ضروب شتى من الانتاج الانشائى والابداع الفنى .

وكان من هذا كله ايضا ان ارتفعت الاصوات تنادى " بالثقافة الوطنية " وتسعى الى اظهار خصائصها الذاتية ودعم مقوماتها المخصوصة وتنقية " ايجابيتها " لتعزيزها وتطويرها من " سلبياتها " لنقدها وتجاوزها .

وربما عدت هذه الظواهر والشعارات مألوفة عند بعضهم لم تنقطع الدعوة اليها منذ عهد النهضة السابقة و انه اذن لا جديد فى السبعينات بالنظر الى ما قبلها . وهذا صحيح من بعض الوجوه لا غير . فاما الجديد حقا فهو مدى الاتساع والشمول الذى صاحب هذه الظواهر فى السبعينات وتكاثر انصارها فى مختلف الاوساط وتطور محتوى المفاهيم والشعارات فهذا لا شك فيه ايضا .

ان هذا كله يدل دلالة كافية على ان هناك ظاهرة ثقافية جديدة حقا لا أظن ان عاقلا يتردد فى الاقرار بانها اصبحت واقعا حيا مائلا وان اختلفت المذاهب فى تقويمها وتقدير اهميتها . اما انا فلست اجد لوصفها اصدق من عبارة " النهضة الجديدة " لا لما بينها وبين فترة النهضة العربية الاسلامية السابقة من اوجه شبه فحسب بل لاننا نجد فيها تمثيلا حقيقيا لمعنى النهضة بصفة عامة من حيث هى مشروع تاريخى حضارى كبير يستهدف تغيير واقع الحياة من جميع النواحى وعلى جميع المستويات .

اسباب النهضة الجديدة

فاذا كان ذلك كذلك فما هى الاسباب التى اوجدت هذه الظاهرة ؟ وما هى العوامل التى اثرت فيها فطبعتها بطابعها الخاص ووجهتها الوجهة او الوجهات التى تتجاذبها ؟ وما عساها تكون النتائج التى ستتمخض عنها والمآل الذي ستؤول اليه ؟ .

هذا على ما يبدو لى هو بيت القصيد . وهذه هى المحاور الاساسية التى ينبغى ان يستقطب حولها الحديث فى هذه القضية .

وكأنه من فضول القول ان نذكر بأن الجواب عن هذه التساؤلات ليس من هينات الامور ، ربما لان هذه النهضة الجديدة لا تزال فى خطواتها الاولى اجل فان عقدا واحدا من الزمن لا يكفى لفصل المقال فى مثل هذه الظواهر الثقافية الا اذا استحالت النهضة الى مجرد طفرة او نزوة اشبه ما تكون باعلانات الموضه تظهر الحاجة استهلاكية ثم لا تلبث ان تندثر . ولا احسب اننى اعدو الحقيقة فى شىء ان ذهبت الى ان جزءا غير قليل من الانتاج الثقافى الذى ظهر فى السبعينات احق بان يدرج في باب الطفرات والنزوات منه باى شئ آخر ، ولعل هذا ما يفسر التراجع الذى بدأ يلاحظ

فى بعض الحالات والفتور الذى اصاب البعض مما يزيد بلا شك فى ثقل المسؤولية المناطة بعهدة القيمين الصادقين على مصير هذه النهضة

والى ذلك فمن ذا الذى يزعم القدرة على ان يأتى بمفرده بالجواب الشافى عن هذه التساؤلات الكبرى ؟ ! الا دعى مكابر ممن ينتحل " الجدانوفية الجديدة " أو " المانوية الجديدة " أو ما شابه ذلك من مذاهب متجمدة متحجرة أدل فى حقيقة أمرها على الخواء والعقم منها على أى شئ اخر مهما زين لاصحابها لأنهم بمبادئ العلم ملتزمون ولمسار التاريخ مواكبون أو انهم الى الصراط المستقيم هم مهديون فلا تأتيهم ريبة فيما يعتقدون .

كلا فالذى يبدو لى ان الادراك العميق لخصوصيات هذه المرحلة والوعى المرهف الصادق بقيمة هذه النهضة الجديدة ليستوجبان الاقرار فى غير حرج ولا مداراة بأن الجواب عن تلك التساؤلات لن يكون بأية حال الا جوابا جماعيا أو قل صياغة تأليفية لأجوبة فردية جزئية أو كلية . ومن هنا كانت الحاجة الاكيدة إلى تعدد الآراء وتنوع المساهمات وكانت دعوة الاستاذ ابن سلامة فى محلها وكانت فكرة تخصيص عدد من " الفكر " لقضية النهضه الجديدة تستجيب بحق لمتطلبات وضع ثقافى لئن تميز بما يدل على تلك النهضة كما بينا الا ان اسباب الانتكاس لا تزال تتربص بها ودواعى الانحراف - وما اكثرها!! - لا تزال تغرى وتستفز . وليسمح لى الساهرون على شؤون " الفكر " بأن اتدخل فيما لعله أن يكون من اختصاصهم دون سواهم فأعلن ان تلك المحاور التى ذكرت صالحة لان تكون مشروع تخطيط لمحتوى العدد الخاص المنتظر اخراجه .

ومن هده الحالة وما شابها من حالات عديدة فى حياتنا الثقافية وغير الثقافية يتبين لكل ذى بصيرة ان الديمقراطية ليست على ما يظن بعضهم مجرد شعار ظرفى وان كان بعضهم ينوى ايقافها عند هذا الحد ولا هى مناورة سياسية وان ارادها بعضهم على ان تكون كذلك وانما هى مطلب ثقافى حضارى تاريخى بكل ما فى هذه العبارات من ابعاد تعلو على السياسية العملية اليومية وتتجاوز ملابستها الظرفية وتقلباتها ومعاركها الانتخابية وغير الانتخابية . انها بعبارة اخرى جزء من روح هذه النهضة الجديدة ومقوم اساسى من مقومات بقائها واستمرارها .

وجهة نظر فى الجواب عن التساؤلات السالفة

لكاننى قد اخذت بعد فى الجواب عما طرحت من تساؤلات وما كان هذا فى الحقيقة قصدى ولا كنت اقصد الى الشروع فى الجواب من حيث فعلت اما الحديث فى الديمقراطية فهو حديث فى مبدأ من المبادىء الاساسية للظفر بالجواب المنشود ، ولا ادعى اننى من الظافرين به ولكن انطلاقا من هذا المبدا اعرض تصورا لبعض الاسباب التى ادت الى انبثاق النهضة الجديدة وبعض الحقائق التى كشفت عنها .

ليس من شك فى ان ظهور هذه النهضة فى عقد السبعينات بالذات ليس من الصدفة ولا من باب الاحداث العرضية والا لما صحت تسميتها بهذا الاسم ، فكأن ذلك من بديهات الامور الثابتة . وعلى هذا الاساس يبدو لى ان هناك ثلاثة اسباب كبرى قد اثرت باقدار متفاوتة وصور مختلفة فى بروز هذه الظاهرة التى نتحدث عنها .

1 - نكسة جوان 1967

هذا أهم الاسباب وابلغها اثرا . وزنه أكبر من وزن غيره ودوره مباشرة ولا نقول ذلك من باب التكلف بسبب التطابق الزمنى بين ظهور النهضة وتاريخ الهزيمة ولا هو من قبيل تهويل الامور وتضخيم الوقائع تمهيدا لاذاعة فكرة مسبقة نبيتها ، كلا فمن الثابت ان نكسة جوان لم تكن هزيمة عسكرية او سياسية فحسب بل كانت هزيمة ثقافية حضارية بأتم معنى الكلمة ، أو قل انها هزيمة وجودية أصابت الامة كما تصب الهزائم الوجود الافراد على ما بين الافراد والامم من تباين لا شك فيه .

ان اثر النكسة فى الانتاج الادبى والفكرى والفنى اوضح من ان يحتاج الى دليل واظهر بصورة مباشرة ببنة من ان يستوجب التأويل . وربما كان ذلك اظهر فى انتاج صنف من الكتاب دون سواهم او فى انتاج اهل المشرق منه فى انتاج اهل المغرب ، نعم قد يكون ذلك ولكنه تفاوت بمقدار لا غير لان النهضة التى نتحدث عنها لم تقتصر على قطر دون آخر ولا على جزء دون غيره من اجزاء العالم العربى الاسلامى من ادناه الى اقصاه ان بوادر النهضة قد عمت جميع الاقطار وانها لمن الاهمية بحيث اثارت اصداء متنوعة وردود فعل متباينة فى العالم كله وبخاصة فى العالم الغربى .

والمهم ان ذلك قد حدث فى جميع الحالات فى تزامن ، وفي فترة واحدة هى السبعينات . فدل هذا كله على ان هزيمة 67 هى العلة الاصليه الكبرى ظهر اثرها هنا بصفة مباشرة مكشوفة وهناك بصفة اخرى لكنه موجود لا محالة .

واذا انت علمت من جهة اخرى ان حاجة الامة الى النهضة انما تلح بصفة خاصة حين يكون وجودها فى خطر وكيانها الثقافى الذاتى مهددا بالتشويه وربما التلاشى والانقراض ( 3 ) تبين لك مدى الارتباط السببـى بين النهضة الجديدة ونكسة 67 كما تبين لك من قبل الارتباط السببـى بين نهضة القرن 19 من جهة وحملات الغزو الاستعمارى من جهه اخرى . فى كلتا الفترتين هناك خطر يهدد كيان الامة وفى كلتا الحالتين يكون الرد بنفس الصورة : انكباب على الذات لتعهدها العلاج والاصلاح ، ولهذا كان جل الانتاج الثقافى فى السبعينات مركزا على ما أشرنا اليه من قبل وهو البحث عن مقومات الخصوصية فى الذات الحضارية للامة . وهذا على ما يبدو لى كالقانون فى حركة النهضة العربية الاسلامية منذ انطلاقها ، فكلما تزايد الضغط الخارجى واصبح الآخرون على الذات مصدر خطر وعامل تهديد بتشوبه مقوماتها زادت عملية الانكباب على النفس فى محاولة دفاعية يمكن اعتبارها من قبيل الدفاع السلبى ، الا انها لا تلبث ان تفرز صورا مختلفة من الدفاع الايجابى اى الهجوم فى محاولة لاسترجاع المنزلة المفقود بين الاخرين .

ولقد كانت هزيمة 67 كذلك . فبالرغم مما انطوت عليه من معانى الفاجعة والمأساة والضياع مما لا اتصور ان احدا من اهل الفكر كان فى منجاة من معاناة اثره قليلا او كثيرا ، بالرغم عن ذلك فقد افرزت صورا مختلفه من الدفاع الايجابى فى مختلف واجهات الحياة لعل من اهمها بروز الوعى الوطنى الفلسطينى مجسما في كيان تنظيمى متعدد الوجوه ، فهو عسكرى ، وهو شاعر أو فنان أو مفكر لم تتناحر فى آثاره أصداء متباينة من روح الثورة الفلسطينية وروح الهزيمة الكبرى ؟! ولا أقول ان مثل هذا أو ذاك لم يوجد

اطلاقا ولكنك تعرف ان الكتاب طبقات فى الصدق والاصالة ، وتلك على كل حال قضية أخرى .

ومن آيات الدفاع الايجابى ايضا ان برزت فى هذا الوقت بالذات مختلف المظاهر التى ذكرنا سابقا والتى تشكل مجتمعة هذه الظاهرة التى تسمى بالنهضة الجديدة انها الرد الثقافى والحضارى الطبيعى على نكسة ثقافية حضارية فى المقام الاول . ان هزيمة 67 تعد فى هذا التصور النكسة الثانية فى تاريخ النهضة العربية الحديثة . لقد انبثقت النهضة فى الاصل من الشعور بالخطر الآتى من الغرب ثم كانت النكسة الاولى بدخول الاستعمار الا ان روح النهضة ما لبثت ان انتعشت من جديد منذ مطلع القرن العشرين خاصة ، وتحت ضغط المعطيات التاريخية تسيست النهضة ان صح التعبير أكثر فأكثر فاقترنت النهضة الثقافية والحضارية الشاملة بالمعركة السياسية من اجل التحرر الوطنى . ولقد نجحت حركة التحرر الوطنى ان قليلا وان كثيرا فى قطع خطوة كبرى تتمثل فى تحقيق السيادة السياسية على الارض الوطنية وبدأت من ثم عملية التكريس الفعلى لاهم المطالب التى نادى بها رواد النهضة . ذاك هو طور العمل من اجل التنمية الشاملة الذى تم بصور مختلفة بحسب اختلاف الاقطار ولكن بدايته واحدة فى جميع الحالات وهى نيل الاستقلال السياسى .

في هذا الطور بالذات جاءت نكسة 67 . انها تعبير عن فشل النهضة فى استكمال احد مهامها الاساسية : التحرر الوطنى الكامل للانصراف من ثم الى بناء الكيان الوطنى بكل مقوماته وتحقيق التنمية الشاملة فى مختلف ميادين الحياة .

ان المجال يضيق بنا عن تفصيل القول فى الطرق التى انتهجت هنا أو هناك أو كان يدعى الى انتهاجها ( 4 ) لكن من الثابت ان المسار واحد

فى جميع الحالات والاقطار وهذا بالذات احد الاسباب التى جعلت النكسة تؤثر فى جميع الاقطار بغير استثناء مهما اختلفت المقادير .

وعلى هذا النحو تتبين جدلية الاستمرار بين حركة النهضة والسقوط فى التاريخ العربى الحديث مما ينزل ظاهرة النهضة الجديدة منزلتها الموضوعية فى سياق التاريخ . انها ظاهرة موضوعية حقا ولكنها رغم كل شئ لا تزال فى انتظار قرينها ان صح التعبير - واعنى بذلك المبادرة الذاتية لمواكبة الظاهرة والتفاعل مع المرحلة التاريخية وفى كل ذلك تكمن رسالة المثقين فى هذا الدور .

2 - التحولات السياسية فى عموم العالم العربى الاسلامى

قد يلتبس القول فى هذا العنصر بما ورد فى العنصر السابق ، ولا غرابة فى ذلك فنحن فى نطاق العالم العربى الاسلامى دائما . غير ان الحديث فى العنصر السابق ربما كان اصلح للتطبيق ، كما اشرنا ، على واقع المشرق العربى خاصة وربما على بلدان المواجهه بصفة أخص فلا شك فى ان المسار الذى تحدثنا عنه ملموس فيها لمس اليد ، ماثل فى واقع الحياة اليومية بصورة دائمة ، مباشر اثره فى الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية ، بينما قد لا يظهر كل ذلك فى بلاد المغرب العربى مثلا الا بصورة غير مباشرة . نعم قد يكون ذلك ولكن من الثابت ان اثر النكسة لم يقتصر على جهة دون اخرى . وانما يرجع ذلك حسب رأيى الى سببين اساسيين .

أولهما التواصل الثقافى الطبيعى بين جميع ارجاء العالم العربى الاسلامى . انطلاقا من هذا الاعتبار يمكنك ان تفرق بين الاحداث السياسية اليومية التى تجد هنا او هناك فلا يتعدى صداها مستوى الاعلام وبين الاحداث السياسية ذات الابعاد الثقافية الخطيرة التى تهز العقول وتحير الافئدة وتحمل على مراجعة النفس والتفكير فى الواقع والمصير ، ومن هذا القبيل هزيمة 67 . فالاحداث اليومية لا تتجاوز انعكاساتها حدود القطر الذى جدت فيه اما الاحداث من النوع الثانى فتتجاوز تلك الحدود لذاك السبب بالذات وهو انطواؤها على ابعاد ثقافية لا تخص قطرا دون آخر .

أما السبب الثانى الذي جعل هزيمة 67 تصيب بشظاياها جميع ارجاء العالم العربى الاسلامى فهو الذى نقصد اليه بحديثنا عن التحولات

السياسية فى عموم العالم العربى الاسلامى ونعني بصفة خاصة الاقطار   " البعيدة عن ميدان المعركة " .

ما الذى جعل هذه الاقطار تتعرض لريح النكسة وتساهم فى الرد عليها فتدلى بدلوها فى تيار النهضة الجديدة ؟ .

هناك دور التواصل الثقافى كما قلنا ولكن هناك ايضا دور المعطيات الداخلية الخاصة بكل قطر التى ساهمت فى تعريضها لذاك التأثير وجعلت عامل التواصل الثقافى يظهر على ما عداه من عوامل سياسية خاصة . لقد حدث ضرب من السبق أو التفوق لفائدة عامل التواصل الثقافى على حساب السياسة التى كانت فى اغلب الاحوال من مشمولات القطر الواحد وربما كانت احيانا فى منطلقاتها ومقاصدها مضادة لعامل التواصل الثقافى . ان الحقيقة من وراء ذلك لا تخلو من احد امرين .

فاما انه علامة من علامات الخصوصية فى كيان المجموعة العربية الاسلامية . خصوصية تتمثل فى أولوية العامل الثقافى على ما عداه ، ولن نعدم أدلة وبراهين لاثبات هذه الفكرة ، من حاضر هذه المجموعة ومن ماضيها على الخصوص .

واما انه يعود الى ان المعطيات السياسية فى تلك الاقطار لم تكن من الثبات والاستقرار بحيث تحد من تأثير العامل الثقافى . ان الضعف السياسى فى مختلف الاقطار كان التربة الخصبة المهياة لان ينتشر فيها وقع النكسة . هكذا تفاعلت العوامل فجعلت الرد متشابـها .

والحق ان التجارب السياسية فى هذه الاقطار كانت لا تزال فى خطواتها الاولى تبحث عن الصيغ الملائمة للانتقال من الظفر بالسيادة السياسية اى الاستقلال الى تحقيق التنمية الشاملة . ان التجربة التونسية مثال حى فى هذا الصدد . وان كان المسار نفسه تكرر فى اكثر من قطر . انه لمما يلفت الانتباه حقا ان جل الاقطار العربية قد مرت بتحولات سياسية خطيرة فى ظرف وجيز جدا بدأ على وجه التحديد سنة 68 واستمر الى بداية السبعينات : انقلابات عسكرية فى العراق وليبيا والسودان وسوريا والصومال واليمن ، تحول سياسى واقتصادى فى تونس بوضع حد لتجربة التعاضد ثم كانت وقفة التامل والانطلاق فى تجربة جديدة فى السبعينات موت عبد الناصر فى مصر ، ارتقاء اليمن الجنوبى الى الاستقلال (1967)

ثم توالى استقلال امارات الخليج التى سيكون لها دور كبير فى " حرب البترول " اثر معركة رمضان 73 . ولحرب البترول رغم كل شئ دور اى دور فى دفع تيار النهضة الجديدة فى السبعينات .

لكل تلك الاسباب اصبحت الحاجة الى النهضة الجديدة قاسما مشتركا بين جميع ارجاء العالم العربى الاسلامى تستوى فى ذلك الاقطار التى كانت تتبني شعارات القومية والوحدة العربية فى المقام الاول او كانت تعير اهمية اكبر للرابطة الاسلامية ومن الواضح ان هذا الاتجاه كان ابرز من غيره فى هذه الفترة لعدة اسباب يطول شرحها لكن من الثابت ان اهمها على الاطلاق هو هزيمة 67 . ان هزيمة 67 هى من بعض الوجوه علامة على هزيممة القومية العربية وانبعاث الدعوة الى الرابطة الاسلامية ، والصراع بين النزعتين حقيقة تاريخية لا شك فيها تضرب بجذورها فى ابعد اطوار التاريخ العربى الاسلامى .

3 - دور المثقفين :

لست اعنى بالمثقفين هنا اولئك الذين ساهموا بطريقة او باخرى فى انبثاق النهضة الحديدة وانما اعنى على عكس ذلك اولئك الذين ساهموا عن قصد او غير قصد فى اخماد جذوة النهضة قبل السبعينات وعلى وجه التحديد منذ تاريخ الاستقلال مما اوجد حالة من الجمود الثقافى ان لم تكن سببا من اسباب النكسة فهى بكل تأكيد من العوامل التى ضاعفت من خطورة النكسة وساهمت فى تضخيم دلالتها على التدهور الثقافى .

يمكن ان نقول فى هذا الصدد ان نهضة السبعينات تمثل الى مدى بعيد يقظة بعد هجعة دامت من الخمسينات الى اواخر الستينات اى من فترة الاستقلال السياسى الى تاريخ النكسة . انها رد فعل ثقافى اصيل على حالة من الجمود الثقافى ياباها منطق الثقافة بالطبع والضرورة .

وانما يعود هذا الجمود فى الاساس الى الاختيارات التى انصرف اليها المثقفون والتى لا تكاد تخرج فى الغالب عن احدى حالتين .

فاما انهم انخرطوا فى دواليب العمل الرسمى الثقافى منه وغير الثقافى ولهؤلاء اعتبارات مبدئية واخرى عملية لتشريع مواقفهم وتبرير اختيارها

فمن الاولى مناوأتهم لما اصطلح على تسميته بالنزعة البرعاجية وحرصهم على ترسخ اسباب ديمقراطية الثقافة وشعبيتها . وهذا مبدأ لا شك فى نبله ولا جدال فى انه كان تعبيرا صادقا على مطلب تاريخى شرعى اكيد ، الا انه لا جدال ايضا فى ان هذا المبدأ يمكن ان يستخدم بكل سهولة لغير مقصده الشريف وما أكثر ما يكون كالقناع تعشش من ورائه وتتفشي ظواهر وممارسات لا تمت الى الثقافة باى سبب .

أما الاعتبارات العملية التى يستند اليها هذا الاختيار فتكمن فى طبيعة المرحلة التاريخية التى حددناها وهى مرحلة بناء الدولة بمختلف مقوماتها ومنها الهياكل الثقافية . يمكن القول باختصار ان السياسة قد امتصت الثقافة من حيث استوعبت هياكل الدولة المثقفين .

ولا شك فى ان هذا الاعتبار قد يبدو مشروعا من بعض الوجوه ولعله لا يعدو ان يكون تكريسا عمليا للمبدا السابق وكلاهما يؤدى فى نهاية الامر الى توظيف الثقافة لمقتضيات التنمية الشاملة وهو مطلب عزيز لا جدال فى اهميته . ولكن الذى يبدو لى ان عملية التوظيف ما لبثت ان افضت الى عملية استلاب اخضعت الثقافة والمثقفين لاحكام السياسة فأملت عليهم ان يقفوا مواقف ما كانوا ليقفوها وان يتبنوا ممارسات ما كانوا ليتبنوها وان يدافعوا عن اوضاع ما كانوا ليدافعوا عنها لو كانوا فى غير مواقعهم الرسمية . تلك هى الوضعية المشكلية التى يوجد عليها المثقف فى مثل هذه الحالات مما يجعله معرضا لعملية استحالة شكلية فيخلع رداء المثقف ويرتدى لبوس التكنوقراطى .

اما الاختيار الثانى الذى انصرف اليه المثقفون فهو اختيار من اختيار لهم فى الحقيقة . تلتقى هنا حشود ضخمة من الذين يضمرون اطمئنانا مريحا الى ان الواقع بخير على كل حال والذين لا يرون فى الثقافة الا اداة للعيش والكسب انهم محترفو الثقافة وممتهنوها على معنى المهنة والامتهان معا . والى هؤلاء واولئك يضاف الهامشيون ممن ذهب الى الهامشية طوعا او فرضت عليه فرضا لسبب او لآخر فهو مكره على احتمال هامشيته يشقى بوضعه ولكنه قاصر عن تغييره رافض للاختيارات المتوفرة عاجز عن اصطناع اختيار جديد فهو كاللامنتمي مشكلى المنزلة بالطبع يريد ما لا يستطيع .

وفى ظل هذين الاختيارين اللذين سادا بين جمهور المثقفين نشأ بصورة موضوعية ما يعتبره جاك بيرك ، وما اصدق اعتباره ! ، ضربا من المحاباة الذاتية (5) أو التواطؤ مع النفس كانت نتيجته - وهذا المهم - ان فقدت الثقافة دورها الطلائعى من حيث هى رقيب على الواقع ان صح التعبير ، تراقب فى غير تسلط ولا وصاية الواقع السياسى وغير السياسى تتصل به دون ان تذوب فيه فيستلبها وتنفصل عنه دون ان تعلو عليه فتستلبه وتشوهه فتغرق فى البرعاجية المقيته . تتصل به لتنفصل عنه وتنفصل عنه لتعود اليه فى جدلية متصلة لا تنقطع تتحقق من خلالها المعادلة المنشودة بين الحرية والالتزام وهى لعمرى من الثقافة جوهرها ومعدنها الصافى الاصيل وللمثقف عصب الحياة وعلة الوجود .

تلك طائفة من الاسباب والملابسات التى حفت بانباق ظاهرة النهضة الحديدة اسوقها لا جازما فى امرها برأى قاطع ولا زاعما انها جامعة لتفسير هذه الظاهرة مانعة لوجود غيرها من الاسباب مما قد يهتدى اليه غيرى . وانما هو تصور مبسوط للنقاش معروض للنقد اردته على ان يكون استجابة للدعوة الصادقة التى وجهتها " الفكر " الى اهلها ، فان لم يكن له من فضل فحسبى ان يكون محاولة فى ترسيخ الاحساس بوجود هذه الظاهرة ونشر الدعوة الى التفكير فى امرها والاعتبار بما تنطوى عليه من الحقائق والعبر ( 6) .

اشترك في نشرتنا البريدية