قدر لتونس - ما ورائيا أو جغرافيا - أن تكون معترك السائد من الحضارات الانسانية ولعل اخر حضارة تركت من الآثار فى بلدنا ما هو عميق جدا هى الحضارة العربية الاسلامية حتى أننا أصبحنا نعتبر أنفسنا عربا ضاربين عرض الحائط بالبربر وبما تبقى فى الخليط التونسى من الحضارات الاخرى ، وبناء على الاسلام واللغة اصبحنا نعتبر الحضارة الاسلامية العربية جزءا من كياننا و (( رحيقا لارواحنا )) . وعند هذه الظاهرة اريد اليوم أن أقف فأقول :
من الاتنوغرافيين من يتسلح بعلامتين أساسيتين عندما يشرع فى دراسة حضارة انسانية ما .
الاولى ، ولها قيمة القاعدة ، هى احساس تجمع بشرى ما بالوجود على طريقة معينة .
ثم وضعه لذلك الاحساس معنى يسمى فى غالب الاحيان (( كنه الحياة )) والثانية ، ولها قيمة الغاية . هى وضع ذلك التجمع هدفا يعتبر هدف الانسان من الوجود .
هنالك اذن احساس معين بالوجود ينتج عنه هدف معين للانسان من الوجود وبناء على ذلك تعود المفكرون الا يفضلوا بين حضارة وأخرى لما فى ذلك من انتهاك لحرمة الانسان وقيمته ، وانما ميزوا بين الحضارات باعتبار ارضائها لحاجات الانسان النفسية أو عدم ارضائها لتلك الحاجات .
والدارس للثقافة العربية الاسلامية كوسيلة تصل عادة بين القاعدة والهدف ، لاشك متفطن الى أن هذه الثقافة لم تعد تصلح لارضاء حاجات الناس النفسية , ومعنى ذلك أن القطيعة بيننا اليوم وبين الثقافة العربية الاسلامية وقعت :
(( فالأحاديث )) ما عدنا ندرسها لنستنبط منها قوانين ، والفلسفة الاسلامية ما عادت فلسفتنا ، والحضارة الاسلامية بطبها البدائى الذكى وبعلومها الكلاسيكية وبهندستها الشرقية ما عادت منا والينا ، وكذلك الادب : فأن يقف بعضهم على الاطلال وأن يسخر من ذلك آخرون ، وان تشبه المرأة بالبدر أو الضبى وأن يشبه السيد بالاسد والبحر ما عاد يثير فينا الاحساس او يبعث الفكر . وبناء على ذلك أصبحنا ننفر من الانتساب الى هذه الحضارة مهما كانت عراقتها فى المجد ، وياه من مجد نهينه بسحبه من ماضيه ونقيمه اله قداسة فى حضارة مكانه منها الغربة والاضحاك ، ونتج عن هذا الجرم أن وقف مثقفو العالم العربى الاسلامى موقفين :
الاول وقفة أناس اعتبروا الغرب عدوا ورفضوه مبدئيا ، وبقى فى اذهانهم أن الثقافة العربية الاسلامية هى وحدها الثقافة : فالاددب العربى الاسلامى هو الادب وأخلاق العروبة هى الاخلاق وماعدا ذلك أضاليل ملعونة . والثانى وقفه جماعة درسوا فى الغرب وتأثروا بالآداب الاجنبية فعادوا وفى انفسهم على كل ما هو عربى اسلامى أشياء ، يسمون بالانحطاط كل مامت اليه بصلة .
وفى كلا الموفين شطط ، وذلك لانهم ارادوا مجهدى النفس أن يكون البناء على الماضى وأن يكون فى الحاضر من تلك الثقافة شىء غير قليل ، فهل غاب عنهم أن الحضارة الاسلامية بثقافتها أصبحت أثرية وأن دراستنا لها يجب أن تلازم الفترة الزمنية التى سادت فيها عندما كانت قادرة على ارضاء حاجات نفوس أفراد أقبلوا عليها بالتوسيع والبناء ، فاذا قلنا بعد ذلك أن الغزالى أجاد فان اجادته رهينة عصره ، واذا قلنا ان ابن رشد كان فذا ، أحلنا ذلك الى عصره وثقافة عصره أو الى الذكاء الانسانى عامة ، واذا رأينا امرأة القيس يهيمن على الشعراء بعده رددنا ذلك الى أمة غير أمتنا والى نفسية غير نفسيتنا ، ولا أتصور اليوم رجلا واحدا يمزق بذلته أو يستلقى على ظهره ضحكا ( اللهم الا اذا كان مخبولا ) او يقول (( هذا أشعر بيت قالته العرب )) ، فنظرتنا الى الحياة تغيرت وتذوقنا للشعر والفن تغير ، ولم نعد أولئك البسطاء عندما كانت البساطة لقبا حسنا ، ولنا اليوم مشاكلنا الخاصة بنا كالغربة والضياع والقلق اذا راعينا النفوس . وكالفقر والجوع والتطلع الى المستقبل إذا راعينا الجماعات , وكالتحرر والموضوعية والعظمة اذا راعينا الفكر والصناعة .
واذا ذكرنا أن حظ تونس من هذه الثقافة العربية الاسلامية كان ضئيلا جدا أدهشنا الفراغ الذى فى ماضينا المغتصب وعاودتنا من الحرقة غصات : فأن يكون فى تونس سحنون وان يكون منها ابن رشيق ، وان ينبغ فيها ابن خلدون لقليل وقليل جدا ، ومأسوى مهول . وقد يرى من الناس فى ذلك أن
الثقافة العربية الاسلامية لم تخلق لنا وما صلحت فى يوم من الايام أن تكون باسم جراح وملاذ غربة لهذا الخليط العجيب الذى تتكون منه الامة التونسية اليوم ، ولكنى لا أحكم أبدا ، وانما أقف أمام هذا الفراغ يحمل لنا من الماضى على ظهر الزمن والذكرى أنه ما كانت لنا حضارة وبالتالى ما كانت لنا ثقافة قط وأن ذاتيتنا ما زالت مجهولة تتفاعل مع الاجنبى من الثقافات عن طريق الاحتكاك وتنام مشلولة الجوهر والأوصال فى بوتقة من القلق الممض . ولعل أكبر دليل على ذلك أن التفاتنا الى الشرق أيام ازدهار الثقافة الاسلامية كان عظيما ، وأن تطلعنا اليوم الى الغرب كبير لما فى الثقافة الغربية من عمق تشترك فى معاناته كل النفوس البشرية .
غير أننى أريد أن لاحظ أن الغرب بثقافته لن يصلح لنا ، فهو قد اجتاز من العقبات ما لم نواجه بعد ، وبلغ من التطور شأوا مازلنا عنه جد بعيدين وبالتالى فالبون شاسع بين مشاكله ومشاكلنا : فالشاب الغربى يأتى الى الوجود فيجد كل شئ جاهزا فى انتظاره : الثروة ، العيش الرفيع ، الملذات ، والثقافة والطبيعة مسخرة له كأجمل ما يكون التسخير وأروعه . أما الشاب التونسى , واستثنى الاقلية المحظوظة ، فان وجوده يدعوه الى مواجهة عديد المشاكل وانا لنطلب منه كل شئ ، وانا لنحاسبه على الخطا قد يصدر عن الغفلة منه .
واذا كانت مأساتنا أن ليس لنا فى التحضر تاريخ ، فان أملنا الوحيد فى انعدام هذا التاريخ أيضا ، فمسؤوليتنا اليوم كاملة لا يقيدها من الماضى شئ ولا تضطرها التقاليد أن تكون على صفة معينة ما وانما سنكون بسواعدنا اذا عمل الساعد وبأفكارنا اذا اشتغل الفكر . واما أن نيأس فى وضع كالحاضر فنذالة وجبن ، وأما أن ننتحل الاجنبى من الثقافات فضعف وحقارة ، وأما أن نعتصم بالتجاهل فرجوع الى الحيوانية نقدم عليه طوعا للكسل وعبودية للنوم .
ويقينى أنه لا بد أن يكون لهذا الخليط شأن ، ولا بد أيضا من ان تنتج عنه إذا جد أشياء ، فليكن العمل لنا سلاحا ، وليكن الصبر لنا رائدا ، وليكن النجاح لنا هدفا ، ولتكن الذاتية لنا قاعدة .

