أحيانا ينتاب الانسان وخاصة الاديب ، احساس غريب بأنه وقف على عتبة النهاية ، تخامره هواجس ويدور بخلده خضم من المشاعر والتوقعات وجملة من التصورات والتطلعات لتتعقد نفسيته الى درجة الاختناق . وسرعا ما تتبدل الظروف فيميل الى الانفتاح الى ما فى هذا الكون العجيب من اسرار يجابهها ويحسبها تتنوع أساليب التعبير عما يبحث فى نفسه فيخوض في كتابة المذكرات والمقالات المسلسلة المسهبة ، وركوب كل وسيلة من وسائل التعبير تعطى مدلولا متباينا ، حول الكيفية التى يتكيف بها الانسان الاديب مع الحياة ، ذلك أن مثله مثل شمعة تحترق لتنير الطريق أمام الآخرين ، واذ اصبح الادب المعاصر يعايش ظروفا متناقضة ، فهو يتأرجح بين الشك واليقين فيما تمليه عليه مواهبه وقرائحه وميوله الادبية ، ونتيجة لهذا يسرى فى أعماقه مركب الشعور بالانهزام ويعترى حركيته الانتاجية وطاقته الابداعية الفشل والشلل ، وهذا الشعور السلبى يؤدى به الى الركود والانطواء بل الى الانفصال عن مبدأ الالتزام ، وقبل الاستسلام الى التشاؤم بتدرج مرحليا عبر صعيد متشعب من التفكير الجاف
ولهذه الحالات من الصراع النفسي والجفاف الفكرى بواعثها واسبابها المباشرة وغير المباشرة ، وفي هذه المرحلة المتميزة بالانفعال ، يتحول الشعور الذاتى عن الاديب الى الشك فى قدرته الابداعية وعدم الثقة بنفسه ، ويهتز مستوى الاستنباط والادراك لديه وفي هذه الحالة من الصراع يصبح وكأنه فقد توازنه الفكرى وأصبح معتلا نتيجة الاجهاد الذى يقابله السلب
ولنا ان نتساءل لماذا نرى بعض الادباء سقطت الاقلام من بين اناملهم ؟ أمرد ذلك كما يعتقد البعض الى السذاجة وانعدام النضج ؟ كلا بل أمر ذلك يعزي الى روح الاحتكار التى سادت باستيلاء ذوى الاغراض والانتفاعية ، على أهم الاجهزة واصادر الكفيلة بتنشيط الادب والادباء ، وتحريك الاقلام نحو خلق نهضة فكرية وثقافية متكاملة
ان أى جمود يلاحظ على المشتغلين بصياغة الكلمة فى اعتقادى الشخصى بقع وزره على كاهل الظروف التى تفرش الطرق التى يسلكها الاديب الكاتب بالاشواك وترصفها بالمعوقات والصعاب ، ويتضح لنا ذلك بجلاء عند وضعنا الاصبع على تراجم بعض الادباء والكتاب ولو على سبيل الدلالة والتحرى حول جوهر القصد ، ولقد كانت الازمة قديما تشمل الشرق والغرب الا أننا بدأنا نلاحظ بان العنصر الغربى أخذ يتحرر من الازمة ، بفضل ما وصلت آلية وسائل الاعلام وتحريك الانتاج الادبى من تطور وتقدم ، حيث إن أمهات الصحف والمجلات وحركة الطباعة الناشطة ، أخذت تغدق على الاقلام انواعا من التشجيع ، نتيجة ما تتلقاه هذه الاجهزة من تشجيع محسوس واقبال مرموق يتمثلان فى جماهير القراء الذين يتضاعف احساسهم بأهمية الاطلاع ازدادت لهفتهم على ما تنتجه القرائح . وانطلاقا من هذا التجاوب يصبح من المستحيل أن يتسرب الركود الى الاجتهادات المتناقضة من اجل استمرارية الخلق والتجديد فى دنيا الفكر والنشاط الثقافي العام
لايعنى هذا الكلام تغاضيا عن الدور الحيوى الذي أصبح يلعبه الاعلام العربى ، بقدر ما يعنى محاولة اماطة اللئام عن الامكانيات المسخرة لهذا الجانب ، ودراسة الاطر المشرفة على تحريك دواليب هذا العمل الهام ومعرفة الفلسفة التى ستحكم فى توجيه النشاط الاعلامى ، واستنباط ما تتميز به من خصائص السلب والايجاب ، ولعل النظر للمسألة من هذه الزاوية يمكن من استيعاب ما يكتنف هذا المحيط من ملابسات . ولا مناص من الاشارة ولو على سبيل التلميح الى هذه الازمة التى تعكس معاناة الادب والادباء لأوضاع معروفة ينم عنها ما تتسم به ظروفهم الخاصة مادية واجتماعية ، وسوف لا اتخذ الضجة التى أقامتها الصحافة اللبنانية مؤخرا على الاديب والكاتب الكبير ميخائيل نعيمة ، مبررا كلامي في هذا الموضوع ، بقدر ما أقصد بذلك ان وضعية الادب والادباء وهذا على الصعيد العربي بالذات ، بحاجة ماسة إلى العناية المتواصلة والاهتمام المتكامل . واذا كانت بعض الاقطار العربية في المغرب العربى كتونس والمغرب ، أخذت تلتفت لهذه الناحية فلا نرى إلا
بصيصا من ذلك نسمعه او نقرأ عنه فى الصحافة الواردة من المشرق العربى ، وقد يدل هذا على ضعف التنسيق فى الجهود التى تبذلها الجمعيات والحركات الادبية فى الوطن العربي الكبير ، وعلى حد اعتقادى الشخصى ان ان الاوان للصحافة الادبية مثل مجلة " الفكر " فى تونس الشقيقة ان تتصدى لمعالجة مثل هذه الموضوعات وبكل يقين خصوصا وان هذه المجل معروفة بنشاطها وشجاعة مواقفها الادبية وبهذا ستسدى خدمة كبرى للادب العربى عموما . ولسنا بحاجة الى التأكيد هنا بأن الصحافة ، وخاصه تلك التى تنهج مثل ما تنهحة مجلة " الفكر " ، تلعب دورا حيويا فى تنشيط الفكر العربى ، بلورة معطياته بما فيها من القديم والجديد ، ربطا للسلسله المتواصلة الحلقات من تاريخ حضاراتنا وأمجادنا

