الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، مع النفحة الشافية

Share

.......القصة القصيرة كما هو معروف تحتاج الى اشياء ذاتية واخرى موضوعية ، فمن الاشياء الذاتية أن تكون الحوادث الجارية فى القصة مركزة تركيزا متينا حول الفكرة التى يروم قولها القصاص ، وان يكون عامل التشويق فيما قويا بحيث يشد انتباه القارىء ، ولا يجعله يفلت منه ، او يتشاغل عنه .

ومن الاشاء الموضوعية براعة الكاتب فى سرد الحوادث سردا فنيا ، يضفى عليها جمالا له في النفس وقع وفي المشاعر أحاسيس .

وقصة السيد مصطفى الفارسي ، تحلت بالصدق فى وصفه الحوادث ، التى كان أهالي القرية يأتون بها وخصوصا النسوة " حتى ينفع دواء السبيساري ولا حربوشة الطبيب ؟ أهو كيفما يقولوا الاولين آخر طب الكي - علي بالشيخ مبروك - قالوا لى لا بعدو ولا قبلو يدو تجمد الماء فهذه الاقوال التى ترددها النبوة في القصة ، هي حقيقة ما نسمعه من أفواه كل نساء القرى ، وهذا المدح والثناء على الشيخ مبروك - ولي القرية الصالح - هو ثناء يقال فى كل ولي فمعجزات الاولياء وخوارقهم ، شئ لا تحيط به الابصار ، ولا تعيه القلوب .

ولقد كان - ولي الله وشيخ القرية -مبروك - شخصية قادرة ، اضفى عليه الكاتب بأسلوبه الدقيق في الوصف مكرا ، وخبثا ودهاء فى السلوك والسيرة وتستطيع أن تدركه وتدرك حقيقته السوداء ، من خلال السجف التى أحاط بها نفسه .

"كان يدخل الى البيت جريا على عادته مطأطأ الرأس ، يسلم فى غير مبالاة ، وفي تقاوة فائقة ، ثم ينحدر على سرير سلمى وتنحدر معه ملابسه الفضفاضة على اليمين وعلى الشمال ثم يرفع رأسه الى السقف ويتمتم بآيات متقطعة غير مفهومة يجلس بعدها عند رأس المريضة ، ويأخذ يدها الناتئة ، بين يديه الفظتين ، بعد أن ينفث من ريقه ثلاث مرات على وجهها" الى أن يقول الكاتب فى وصفه : " وكان هو لايأبه بذلك السخط فيمضى فى شغله صامتا دائبا يمر حشائشه على وجهها ويلمس جسدها الفانى بيديه الغليظتين ، كما لو كان يريد ان يخلع عنها ثيابـها ، ثم ينحدر على وجهها المتلهب ، ويفتح فاه البخر العريض ، فيندفع منه على أهدابها ووجنتيها ريح محرقة وريق كثير .

لقد كان شيخنا قوي الشخصية ، استطاع بتدجيله وطرقه الملتوية ، أن يستغل كل القرية حتى أعيانها

بحيث لم تستطع آية شخصية من أشخاص القرية أن تتعرض له, أو تحاول سبر غور نفسه المكتوم تحت ستائر من التقوى والصلاح - وعدم تجاسر أهل القرية على الشيخ مبروك مرده الى انهم كانوا يشعرون : " نحوه بعاطفة غريبة يمتزج فيها الخوف بالتقديس ، والتطير بالتفاؤل ، كل ما في الشيخ مبروك يدعو في الحقيقة الى التفكير ."

ولقد أراد الكاتب أن يجعل القصة صراعا بين القديم والجديد ، وأن يجعل التطور يدخل الى القرية عن طريق هذا الطبيب الشاب الوافد على القرية مند عام أو يزيد . وقد كان بالفعل صراعا بين القديم والحديث بين القديم الذي توارثه أهل القرية سنين متتالية حتى أصبحوا لا يرومون له تبديلا ، وبين الجديد بما له من حيوية وتفكير .

ولا بد أن نلاحظ هنا أن هذا الصراع لم يكن موفقا ، وانه كان باهتا في بدايته ونـهايته ، ولم يكن من الشدة بحيث يثير انتباهك . على خلاف ما عهدنا بين هذين العدوين اللدودين .

فانت ترى أن وفود هذا الشاب لم تكن داعية لفضول أهل القرية ولا مثيرا لإنتباههم ، ولم نسمع من مدحه أو ذمه الا تلك الكلمة التى جاءت على لسان المرأة حين قالت : " والطباء . هم يعرفوا حاجة . ..ماخليت ما جربت . يا دوايات ، يادوايات ، .... لاشئ نفع ولا شفع ..."

وحتى هذه الكلمات يمكن أن تعنى صاحبنا الشاب ويمكن أن لا تعنيه .

والشئ الذي يدعو الى الغرابة حقيقة هو أن يختار الشاب وهو الممثل للتجديد أن يختار التصادم مع القديم عن طريق ليس من السلامة في شئ فاستيضاح الطبيب للولد - المتختخ - وأخذه بأقواله أمر يحط من قيمة القصة . ولا اظن أن طبيبا شابا يحمل أفكارا تحررية ويمقت الدروشة والدراويش يرضى بتصديق كلام فتى ناقص العقل ، متبلد البديهة ، وهذا الاتصال ذاته فيه استنقاص من قيمة التجديد الذى لايجابه الحقيقة من طريق أصح وأسلم                              ولو هي أنظار أهل القرية . فتسلسل الحوادث في هذه النقطة من القصة فيه ضعف فى الربط وخلل في منطق الحوادث وجريانها السليم . وبقدر ما كان للقصة من سلاسة فى التعبير ودقة فى التصوير ، ومحاكاة

دقيقة لواقع الحياة الاجتماعية ، بقدر ما نجد تفككا فى الربط المحكم الذى لا يوهن قوى الفكر ولا يشعره بالفجوات الفاصلة بين اجزاء الحوادث .

يقول الكاتب : " وذات يوم كان الطبيب فى غرفته ... منكبا على بعض مطالعاته ، اذ طرق الباب ، ودخلت فتاة كانت من زبائنه بخطى متعثرة خجولة , كأنما كانت قادمة على أمر عظيم ... وذكرت الفتاة لطبيبها ما فعل الشيخ المتزمت بشبابها . . بعرضها ... بمستقبلها "

فى رأيي أنه ليس من التوفيق فى شئ ، أن تفضى الفتاة بسرها ، الى ذلك الطبيب الشاب ، خصوصا إذا راعينا حوادث القصة ومسرحها التى جرت فوقه " القرية " فالواقع الحي يخالف مخالفة تامة ما جاء فى قصة السيد مصطفى الفارسي ، فأهل القرية كما هو معهود ، يشبهون البدو ، من عدة وجوه , وخاصة من ناحية الحياء ، والمحافظة على العرض - فمن الغريب أن تتجرأ فتاة على أن تأتي بهذا العمل - وناحية أخرى لها أهميتها وهو أن افضاء البنت الى الطبيب بسرها واذاعة هذا الخبر في القرية - من المرجح أن تتجه الانظار أولا وبالذات الى الطبيب ذاته . وان تنصرف عن ولى الله الصالح ، الذي أحاطت اسمه بهالة من الاكبار والتقديس حتى من كبار علية القوم ، وأن ينصرف النظر عن الشيخ كما انصرف عن واقعته مع سلمى .

لكن الاخ مصطفى أراد أن يضفي على القصة ويكسبها نوعا من الحياة الواقعية ، فجعل الجديد ينهزم أمام القديم ، ثم القديم ينهزم أمام الجديد ، وهو أمر لم يكن له من الطرافة والحرارة ما يجعل القارئ يحس بقوة هذا الصراع وبشدته .

واستمع الى الكاتب حين يقول : " وعمت القصة المؤلمة الارجاء وملات كل أذن وشغلت كل شفاه الى أن أصبح باب الرزق فى وجه الشيخ فى ضيق سم الخياط " .

ألا ترى أن باب الرزق قد ضاق أمام شيخ القرية

ووليها الصالح فى سرعة كهاته السرعة ، تجعل نهاية الشيخ . نهاية محتشمة تنقصها النشوة واللذة التى يشعر بها الجديد المنتصر ، على القديم المنتحر ، ومن أجل هذا لم تكن نهاية موفقة كما كنا نرجوها من السيد مصطفى .

ومهما يكن فإن الاخ الفارسي وفق الى حد بعيد فيما هدف اليه ، وكان دقيقا فى تصوير الحوادث ، وان لم يكن كذلك فى ربطها ، ولحمة اجزائها .

اشترك في نشرتنا البريدية