الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء، نحتاج لمؤرخ مؤمن

Share

خلال هذه الظروف التى نريد فيها أ ن نعود الى أصالتنا . . نتيجة لوضعنا وسط زحام من التيارات الجارفة ، التى تقذف بشبابنا - على الاخص - الى ما لا يستقر بعد ؛ وأمام بعض المظاهر المتناقضة من تفسخ سخيف وتقليد أعمى ، الى عزلة وانزواء عن الماضى والمستقبل . . ثم اللامبالاة المتناهية عن المصير المجهول .

فى هذا الوضع الحساس ، نحتاج ضمن ما نحتاج الى مؤلفات ناجحة تدون تاريخنا بطريقة صحيحة ولائقة . . ومثل هذه المؤلفات تفتقدها مكتباتنا بصفة شنيعة ، من جملة ما تفتقد من أشياء أخرى كثيرة هامة وضرورية

إن كتب تاريخ تونس من حيث الكم ، عديدة ، وخاصة منها تلك التى ظهرت بعد الاستقلال . . وعلى سبيل المثال لا الحصر ، نذكر كتاب : " تونس عبر التاريخ " وكتاب : " معركة الشرق والغرب ، أو مراحل الحركة القومية التونسية " وغيرهما . . ولكن . . ليس مثل تلك هو المطلوب

إن مثل هذه الكتب والمؤلفات الكثيرة صنفت بطريقة جافة ، وإن كانت تحتوى على حقائق تاريخية ، وهذا أقل ما تقدمه كتب التاريخ من بين ما تقدم ، ولكنها حقائق ميتة كالأرقام والاحصائيات ، تبدو مبتورة من بدايتها الى نهايتها فى اكثر الاحيان . . لذلك كانت هذه الكتب بلا روح خالية من الحياة ، الى الدرجة التى تحس فيها أنك تقرأ عن تاريخ شعب بعيد عنك بعد تاريخ الاغريق أو تاريخ الرومان . . وهذا هو منتهى اللاصدق والتكلف وعدم الاخلاص للقلم والوطن ، والحقائق الجامدة هي التى تبدو للقارئ حقائق ناقصة . . والحقائق الكاملة لا تتسنى ولا تصدر إلا من كاتب يؤمن بما يكتب الى حد

الهوس ، عندئذ يستطيع مثل هذا الكاتب أن يؤرخ ويكتب الحقائق الكبرى بصغائرها ، وهي التى تحس فيها وانت تقرأ قصة تاريخ أى فرد وكأنها قصة تاريخ الشعب بكامله ، وتقرأ فيها قصة الشعب وكأنها قصة كل الشعوب

هذا هو النقص الشنيع الذى تتصف به كتب تاريخنا

أما أحداث التاريخ في حد ذاتها صحيحة كانت أو مزيفة ، فهذا أتركه لغيرى من المؤرخين المختصين

والذى أرجوه هو أن أرى جبرتى تونسيا حديثا ، يضرب فى صفحات الحاضر بحثا عن الماضي ويجوب آفاق الماضى ليضع يده على جوهر واقعنا الحاضر بمره وجماله

كم أود أن أرى " ابن أبى ضياف " حديثا . . وعندما أقول حديثا ، أعني: يكتب بأسلوب القرن العشرين ، غير ذلك الذى يبتدى فقرته بـ : " . . وسمعت مولانا ، أدام الله سعادته . . " أعني تاريخا يسجل للشعب وعليه وكذلك للملك وعليه ، أعلم أن ذلك صعب ، فى القرن العشرين ايضا . . لذلك مثل هذه المؤلفات قليلة ، أو قل مفقودة ..

وكم أود أن أجد بين يدى فى يوم قريب كتابا يسجل قصة بلادى الحقيقية ، لأحس بما أقرأه فيها أنه جزء من لحمي ، جزء منى أنا . .

وكم أود ذلك ، رحمة بالشباب الذى يريد أن يقرأ . . وتيسيرا له حينما بريد أن يكون أصيلا ، صامدا أمام التيارات يتطلع عليها دون أن تعصف به الى حيث هى تشاء ، بل يتطور ويتحول الى أين يشاء الوطن.

فى 15 افريل 1971

اشترك في نشرتنا البريدية