بين الفترة والأخرى ، يتخلل سير تاريخنا الذهنى ، ظهور كاتب ، نطلق عليه - عادة صفة أديب ، أو شاعر ، أو فنان ، ويستشعر هو بأن حقه ، كل حقه ، يكون مغموطا إذا حرم احدى هذه الصفات . والملاحظ ، أننا لا ننعت الكاتب بالمفكر ، أبدا ، ولعل السبب فى ذلك ، أننا لا ندرك حاجتنا إلى المفكرين ، أو أننا لا نعرف قيمتهم ، أو أننا لم نتعود بهم ، أو أنهم لا يستحقون ذلك ، لأنهم يتأدبون ويشعرون ويفننون دون أن يفكروا .
والحق أننا إذا تتبعنا آثار الكاتب - أي كاتب - عندنا ، منذ نشأته إلى شوطه الأخير ، نجد أن عمله تقابله سلبية التأثير ، سواء فى سير تاريخنا الذهنى ، أو فى سير تطور مجتمعنا . ونجد أنه إما أن يفرغ ما في جعبته ويقذف بقلمه قانعا بالرصيد ، ولو القليل ، من السمعة التى أحرز عليها اسمه ، لدى فئة معينة ، وأما آن يلتحق بصفوف الآخرين الذين يكتبون ، ويكتبون ، ويشعرون ويشعرون، ويتفننون ويتفننون ، دون أن يخرجوا من قضبان سكة ( المعتاد ) الذي لا يهم الناس في كثير أو قليل ، حتى إذا ما ماتوا أضيفوا إلى قائمة ( فقيدي الأدب رحمهم الله ).
إن هذه الحقيقة لا نستطيع أن ننكرها - والأولى أن لا تتعنت فى انكارها لأن ذلك يضرنا أكثر مما يجدينا نفعا ، إلا إذا كنا مغرورين فتلك مسألة أخرى - لأن الواقع يبادرنا بها تلقائيا ، وتكفى نظرة ، بل لمحة ، إلى تاريخ الادب التونسي ، وخاصة " المعاصر " منه ، لإقناع من لا يريد المجازفة بالاقتناع بمثل هذه الحقيقة المرة من أول وهلة .......... ودون أن نعرض إلى ذكر الشخصيات الأدبية ، وآثارها (5) نستطيع المضى فى البحث ، بالإقتصار على طرح السؤال التالى
- ما هو تأثير الأدب في تطور حياتنا ، وما هى آثاره ؟ والمفروض إذا طرحنا هذا السؤال أو إذا أردنا الإجابة عنه ، أنه يوجد أدب في تاريخنا أو أن الأدب لم يعدم وجوده بيننا ، آبدا ، وسيظل كذلك إلى الغد وبعد الغد ، وإلى ما لا نهاية له .
إلا أنه من النزاهة أن يضيف المرء هذه النتيجة : لكن الأدب لا يوجد بيننا ، لا يوجد فى حياتنا ، لا تنعكس حياته منا ، إنما من مصطلحات قديمة فى مفهوم الآدب وفى مهمات الآديب والشاعر والفنان ، وكذلك من الأوراق والحبر والمكتبات فى بعض الاحيان .
ليس هذا هو جواب السؤال الذي طرحناه ، إنما هو كما ذكرنا نتيجة فرعية لتأكيد وجود الأدب عندنا ، أو قل هى تعريف لوجود الأدب فى تونس
فلنتدرج قليلا للوصول إلى الجواب عن سؤالنا الذي يجعلنا فى غنى عن تتبع كل النتاج الأدبى الذي ظهر بيننا
الحق والخير والجمال إن هذه الكلمات الثلاث ، هى غالبا شعار كل أدب وفن فى العالم تقريبا ، وهى تعنى حسب منطوقها : العدالة بمفهومها الواسع . والرفاهية والأفضلية فى كل شىء . وأخيرا كل ما يستطيع أن يعكس فى نفوسنا معانى جميلة حسنة ويستطيع أن يجعلنا - وهو الأهم - أكثر تفاؤلا وإعجاب بالحياة وانسجاما معها .
وأدباؤنا أيضا يتخذون الحق والخير والجمال شعارا لهم ، وقل أن يخلو أثر واحد منهم من ترديده ، ولكن مع الأسف نجد نسبة تسعة وتسعين في المائة منهم لا يعون ما تحتوي عليه هذه الكلمات من معان انسانية عميقة لا نجد لها تعريفا الا أنها : انفجارية .
ويقين أنهم لو فهموها أو وعوها لخجلوا من أنفسهم وأحجموا حتى عن ذكرها بله اتخاذها شعارا لرسالتهم . . لأنها - ديناميكيا - أدوات نضال ، لا تستعمل إلا فى النضال ، والنضال العنيف الشديد أيضا . . إذ لا يوجد حق دون أن يوجد باطل ، ولا يوجد خير دون أن يوجد شر ولا يوجد جمال دون أن يوجد قبح
فهل يستطيع من ينتصب للدفاع عن الحق أن يتملص من مسؤولية تقويض الباطل وكذلك القول فى الخير والجمال ؟ .. لا ، بكل تأكيد .
وبالإضافة إلى ذلك ، فإن الصراع بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر ، والجمال والقبح ، صراع عنيف جدا ، صراع مستميت جدا ، وبالتالي هو الصراع الذي تقوم عليه الحياة
والمناضل المجند فى سبيل الحق والخير والجمال لا تكون له مهمة إلا إذا كان هناك طرف ثان ، أي ، من يناضل من أجل الباطل والشر والقبح وبقدر ما يكون الصدق و لإخلاص والثبات من الجانب الأول يكون من الجانب الثاني التعنت والمكر والخداع ، لأنه أولا وبالذات يدافع عن وجوده الذي لا يكون بغير الباطل والشر والقبح
وهذا هو جوهر الحياة بدون ريب . فكم هو جميل وكم هو إنساني هذا الشعار الذي اتخذه الأدباء لانفسهم : جوهر الحياة . هل أن حياتنا نحن ، تخلو من الجوهر ؟ هل لا يوجد فيها لا حق ولا باطل ، و لا خير ولا شر ، ولا جمال ولا قبح ؟ أم هل أن النضال عندنا والصراع بين هذه المتناقضات سلمى ؟ من هنا ينفتح أمامنا الباب لنقول جوابا عن سؤالنا : تأثير الأدب فى حياتنا عكسى وآثار هذا التأثير هى سرطان عفن ينهك على مر الآزمان القريحة التونسية .
لأن حياتنا لا تخلو من الجوهر ، ولأننا لم نعدم فى وقت من الاوقات الحق والباطل والخير والشر والجمال والقبح ، بل ، هى لا تبد وفى ضخامة الاهرام إلا عندنا نحن ، نحن المتخلفين . ولأن النضال والصراع يفقدان معناهما إذا كانا سلميين .
أما كيف كان تأثير الأدب في حياتنا عكسيا ، وكيف كانت آثاره سرطانا ينهك على مر الأزمان القريحة التونسية ؟ فهذا ما سأبينه .
الادب مرآة
لقائل أن يقول : عرفنا شعار الادب دون أن نعرف ما هو الأدب ، أو العلاقة بين الأدب وشعاره . وهذا صحيح ، الا أننا لا ينبغي أن ننسى هذه الحقيقة المتناولة : الأدب مرآة تنعكس فيها حياتنا بواقعها المر والحلو ، وكما تعكس الحق تعكس الباطل الخ .
ودون ريب ست ستتبادر إلى أذهاننا صورة مرآتنا نحن ، وبمقارنتها مع مرايا الغير ، أو بمطابقتها مع واقعنا . نجد أنها مرآة ولكنها لا تعكس حياتنا .
لأنها أما أن توجه إلى الخلف فينعكس فيها ما كان انعكس فى المرآة القديمة التي وجهت إلى الخلف بدها ، وهكذا دوا اليك . وهذا غالبا ما يتم بتوجيه خفي أو علنى ، مباشر أو غير مباشر ، من فئة معينة تمثل طبقة معينة ، تخشى أن يتناقس الناس فى الحق او بكل صراحة تخشى أن تتخذ الحياة مجراها الطبيعى الذي لا يتلائم ووجود ها . . وهي تسيطر فى نفس الوقت على " صكوك السمعة " بأجهزتها ووسائلها المختلفة .
والفات المرآة إلى الخلف معناه غض الطرف عن الجهة الأمامية الجهة الحقيقية ، ومعناه خلو الميدان للباطل والشر والقبح بكل اشكال الباطل والشر والقبح وهذه نتيجة عكسية لتأثير الأدب فى تطور حياتنا
وأما أن توجه - مرآتنا إلى الأمام ، كما يقع فى بعض الأحيان ، لكن - مع الأسف - لا تعكس الواقع كله ، إذ أن القائمين عليها سواء لنقص في الصدق والإخلاص ، أو لجبن وطمع فى ( صك أو اثنين من السمعة ) أو لقصورهم التكويني وانحراف أساسه ، لا يوجهونها الا حسب ما يلائم مصالحهم نحو زوايا معلومة من زوايا الحياة وحتى لو كانت هذه الزوايا هي أحد أركان شعار الأدب ، فإنها تظل ناقصة وأكثر من ذلك مشوهة مزيفة .
وهنا بودي أن أؤكد على أنه كما توجد الوحدة الدياليكتيكية بين الحق والباطل وبين الخير والشر وبين الجمال والقبح ، توجد كذلك بين هذه الأطراف الثلاثة . بحيث لا يتسني لنا أن نناضل من أجل الحق ونغفل
الجمال والخير . وفوق هذا وذاك فاننا قد لا نستطيع تحديد الأشكال التى يتخذها أحد هذه الأركان الثلاثة او نقائضها إننا لا نستطيع أن نأتي بؤرة شر ونطفق نتغنى بالحق والعدل ، أو أن نأتى سجنا لنقرأ على لمساجين المساكين قصائد فى الربيع والزهور والحب ، والصدق والعدل لا ، بالتأكيد .
ولكن فئة من أدبائنا " التقدميين ، هذا ما يفعلون ، ونتيجة تأثيرهم العكسية في تطور حياتنا أشد خطرا من الأولى ، لأنه إذا كانت المرآة الموجهة إلى الخلف لا تلهي - غالبا - الا أصحابها فقط عن حياتنا ، فان هذه تلهي أصحابها وعددا كثيرا من جمهور القراء الذين يقرؤون لهؤلاء التقدميين على أنهم أقرب إلى الفهم من غيرهم وأفضل . كما أن هذه المراه تعبد طريقا منحرفا للنشء الصاعد .
السرطان العفن
أذكر أنني ألقيت سؤالا على خريج حديث عهد بالجامعة الزيتونية ، تحصل على الجزء الثالث من ( العالمية ) عما اذا كان يهضم الشعر العربى ويتذوقه ، فأجابنى بأنه لا يهضم منه إلا الغزلي . . (........) ودون أن أذكر له أنه لا يهضمه بقدر ما يتخدر به ، أضفت هذا السؤال :
- وماذا لو تجد قصيدا أو مقالة أدبية ، فى معنى طرد رب عائلة من عمله لأن ( ملائكته ) ثقلت على زوجة رب العمل فبقى المسكين الخ ؟ أو في دخول أحد زملائك الذى انقطع عن التعليم لانقطاع موارده المالية ، السجن نتيجة جريمة اضطرته لارتكابها حالة أمه وإخوته المالية ؟ أو فى يتيم انتصب عمه وصيا عليه وعلى آرزاقه التى ما آن كبر حتى وجد ان عمه فرغ منها ، وأنفقها في أعراس أبنائه وبناته . . ؟ أو في زوج يبكى تحت الجدار لأن زوجته أجبرته على طلاقها لأنه لم يف بما فى عقد الزواج من شراء ( الموبيلية ) نظرا للطوارى المالية التى أعجزته ؟ أو .......أو ..
فبادر بأنه لن يهضمها فقط انما سيعجب بها ويحفظها ، ثم طفق يحدثني في براءة غالب مثقفينا عما يعرف من هذا النوع من المشاكل الاجتماعية أو الحياتية . لقد أوردت هذه الحكاية البسيطة المظهر لالفت النظر إلى ما كنت
ذكرته من أن آثار تأثير الأدب في تطور حياتنا هى سرطان عفن ينهك ويشل على مر الأزمان القريحة التونسية .
إن المدح لا يعلمنا إلا تقديس الأسياد والاعتقاد بأنهم من طينة عليا ولو لم يكونوا أهلا حتى لنعتهم بالخنازير . والغزل ) الغزل السطحى الذي في تراثنا (1) يثير في نفوسنا كوامنها ومكبوتاتها ، وبالتالي يفتح الباب في وجه الفساد الاخلاقي العام الذي تعتبر الشعوب المتخلفة والإسلامية المكبوتة مادة خام ، أو قل تربة خصبة له . والخمريات مفعولها ادهى وامر . وفوق هذا وذلك فإننا في درجة من التخلف الفكري تتطلب منا لكى نجتازها جذم جذور السرطان العفن من الأساس
وليس معنى هذا إلا أن نلفت مرآتنا التى ظلت قرونا خاوية ، إلى الأمام ، وأن نلفتها صادقين مخلصين جريئين مترفعين عن الطمع والمغريات التى تقدم لنا فى أطباق ذهبية .
وهذا ليس بالأمر الهين بحيث لا يتطلب منا الا تحويل المرآة ، انه قبل كل شئ يفرض أن تكون لنا إيديولوجيات حتى لا نكتب وتشعر ونتفنن دون أن نفكر ، كما سبق أن ذكر ت والأديولوجيات اكثر وأسمى وأوكد مما يسمى بالإلتزام لأننا بفضلها نبتعد ونتجنب الفوضوية : فلا نكون ماديين يوما ، وميتافيزيقيين أياما ، ندافع عن المضطهدين يوما ثم ما يكاد يشتد ساعدهم حتى نتحامل عليهم ونخذلهم نسب ونلعن الوجودية يوما - بعنوان أو بآخر - في حصة إذاعية أو فى مجلة ثم ننكب منذ الغدع على كتابة مسرحيات من نوع ( الحاج كلوف ) التى لا تحمل الا بذورها .
والإديولوجيات تفرض علينا بدورها متطلبات ، . منها أنه لا ... ينبغي لنا أن نعرف ضد من نكون دون أن نعرف من نكون نحن . حتى لا نقع فيما يقع فيه الكثيرون من هؤلاء التقدميين الذين لا ندري بالنسبة لمن هم تقدميون . هؤلاء الذين يحصرون دعوتهم فى تحريك السواكن ، دون ان يقدموا لنا نوع الحركة التى تقتضيها التطورات المطردة . أو يريدون تحريكها فيما هو أضر من سكونها
أقول هذا مع أني غير يائس من أن يجد البعض منهم فى يوم قد لا البعد من يكونون ، ويعرفون ضد من يكونون ، وكيف يكونون فى نضالهم... مثلما فعل الطاهر الحداد حين أدرك حقيقة نفسه وموقعه ، فاستبسل فى النضال
من آجل العمال ومن أجل المرأة . أي ضد الرأسمالية والإقطاعية اللتين ما انفكتا تستنزفان قوى المجتمع الإسلامي منذ نشأته كمجتمع ، ومنذ عجز المفكرون الإسلاميون أن يجدوا له حلا ينسجم معه ، أو بالأحرى أن يخرجوا من الحلول الضيقة الموضوعة له ، . . وضد الرجعية التى باسم الدين تبنت ما فرضته الأوضاع الملكية على نصف المجتمع من الشلل ومن الحرمان من ممارسة جميع القوانين الطبيعية باستثناء الاستهلاك
وهل هناك مشكل فى الحياة ينبغى أن توضع له الحلول وأن يكون النضال من أجله شديد عنيفا أكثر من هذين المشكلين اللذين أدرك الحداد أنه يضيع وقته وطاقته سبهللا إن لم يتجند لهما الإقطاعية والرجعية أو المشكل المزدوج . ؟
والإديولوجيات تفرض علينا أكثر من ذلك ، الثبات في النضال ، والصدق فى النضال ، وهذا لا يتسنى لأديب بمفرده إذا لم يكن هناك من يتضامن معه لأنه يشاركه فى آديولوجيته . . وكلنا يتذكر كارثة يونس الرويسي فى العام الفارط ، حين عبر عن آراء مادية في مقاله ( الكيان المهدد ) فتألبت ضده البورجوازية والمصطادون في الماء العكر ، أولائك الذين يناصرون الغالب أياما كان .
لقد كانت واقعة السنة الماضية التى أثارها مقال الكيان المهدد كارثة بالنسبة للفكر ولحرية الفكر فى تونس ، وعربونا للرجعية ، على استمرار بقائها إلى أمد قد يطول وقد يقصر . لأنه ، سواء أكانت آراء الرويسي صحيحة أم خاطئة ، فإنه من الفظاعة والعار حرمانه من ابدائها ، ومن العار أن نناقشه فيها ، إنما وبكل بساطة ، نصدر عليه الحكم القاسي : استباحة دمه(؟)و.و. كأن ليس فى البلاد قانون
وأفظع منه وأكثر عارا سكوت أصحاب الفكر وسدنة الحق والخير والجمال . إن الرجعية بأجهزتها الضخمة : ( منابر المساجد ، وصحافة ، وزاد كبير من اللغة والأدب التقليدي ، وأذناب عديدون من خريجى جامع الزيتونة الذي ظل قرونا تحت سيطرتها المطلقة قد تتوهم أنها اكتسبت نصرا فى السنة الماضية أو على الأقل ، استطاعت أن تسيطر على الميدان ، والحق أنها ان انتصرت فانما في معركة لا يوجد فيها طرف ثان . وإن سيطرت على الميدان فلأنها لم تجد مزاحما ، . فيونس الروسى لم تتح له الفرصة للرد على الأذناب وكذلك الذين يشاركونه فى أفكاره . وبقاء سدنة الحق
والخير والجمال على " الحياة " لأنهم مع الأسف لم يفهموا الطابع الحقيقي للمهزلة ولماذا نذهب بعيدا ، فنستعيد وقائع السنة الماضية ، وربما وقائع السنوات الماضية ، ولدينا الآن معركة أخرى تكاد تتحول إلى شبه مهزلة فبمناسبة اكتساح الإشتراكية لجميع البلدان المتخلفة ومنها تونس أدركت الطبقات الرجعية ، - ولها الحق - أن الخطر يتهددها هى اول ما يتهدد فبدأت تكذب على التاريخ . وتحاول ارجاع العجلة إلى الوراء وهاي تتألب ضد الدكتور فريد غازى الذي خاض المعركة وجابه الحماقات منفردا (3).
لقد ظل مجتمعنا بالنسبة للأدباء والمفكرين بصفة عامة - كما يقول المثل المغربي في شأن ( حمار أكل من حاله حتى مشى فى حاله ) . يصارع وحده مخاضات النمو والتطور والأشكال الإقتصادية التى يوجد فيها دون مشاركة الأدباء والمفكرين الذين يحق على انتاجهم السرطانى لا أن يحجر إلا عن القليل النادر فقط ، إنما أن يحرق
وها هو مجتمعنا اليوم سواء هنا فى تونس أو فى مصر على ابواب تجربة جديدة ، هي التجربة الإشتراكية ، ولو كانت نوعية لم يحدد لها ما يليها من مراحل ... إنما على كل حال تعتبر خطوة جريئة من الذين يؤسسونها لأنهم أولا وقبل كل شئ ليسوا من الطبقة الكادحة ، الطبقة الجائعة ، الطبقة التى تدوس وحدها على الجمر فتحسه أكثر من سواها . فماذا ينوي أدباؤنا أن يقدموه فى سبل هذه الخطوات ؟ اننا نستطيع أن نجيب منذ الآن بأنهم لن نفعلوا شيئا إذا ظلوا فوضويين ، يعيشون على هامش الحياة يأكلون من حالهم حتى يمشوا في حالهم . يخوضون معارك ضد الرجعية فرادى دون أن يدركوا طابع تلك المعارك ، وذلك كله لانهم متجردون من الإديولوجيات مهما كانت .
إن الحياة ، والأديولوجيات وحدة لا تتجزأ . وإننا فى عصر أضحت فيه الأديولوجيات لا فقط تداعب خواطرنا ، انما تصرخ فينا صراخا .... وتكتسح فيه كل يوم العالم أكثر فأكثر ، ولا خشية إن نحن اعتنقناها ، من ميراثنا الثقيل لأن مفاهيمنا وقوالبنا الفكرية التقليدية وحتى مدلولات ألفاظنا نفسها ، كلها ستتخذ أشكالا جديدة أقل ما يقال فيها أنها أشكال ملائمة

