الدرفيل عنوان قصة لمحمود بلعيد نشرت بالفكر عدد نوفمبر 1966 وهى قصة فيها من الغرابة الشئ الكثير ، وقد تساءل لا محالة كل من قرأها عن سر " مسخ " الدرفيل فى آخر القصة ، عن هذه النهاية العجيبة ، البعيدة عن الواقع خصوصا وأن حوادث القسم الاول من القصة واقعية تصور حيا تونسية اصيلة . . . . فيها من مظاهر حياة التونسيين لوحات عديدة عن بعض العادات القديمة التى اخذت تتلاشى رويدا رويدا هذه الاعوام الاخيرة .
ولقد شعرت بحيرة حقيقية إثر قراءتى لها أول مرة لان " كلما زاد يوم بدأ وكأنه ينقص من سن الدرفيل يوما ، فهو يميل الى طفولة جلية واضحة لا شك فيها ، فكأن الزمان اراد ان يعود به القهقرى الى حيث لا يدرى هو ولا أحد غيره " فالدرفيل بعد ان كان كهلا يصبح " وكأنه طفل لم يبلغ الثامنة من سنه " ثم "حتي أصبح كأنه طفل لم يبلغ الخامسة من عمره " ثم يموت ويجده بعضهم " جثة هامدة جثة طفل لم يبلغ من العمر إلا عامين " . . .
لقد تساءلت كثيرا عن هذا الحل الذى اختاره القصاص وذهبت فى التاويل مذاهب شتى ولكنى لم أعثر على شئ يشفى الغليل . . . الى أن قرأت قصة بعنوان Dermuche ل Marcel Aymé الكاتب الفرنسى المشهور بطرافته وميله للدعاية والنكتة فى قصصه . قرأت هذه القصة بمجلة شهرية تطلق على نفسها صفة " مجلة فنية أدبية " وهي مجلة " Stop " فى عددها 59 السنة الخامسة 1966 ( 1 )
وعند هذه القراءة اصبت بذهول . . . للتقارب الشديد بين البطلين : درميش والدرفيل .
فعلاوة على التقارب اللفظى فى الاسمين : درفيل - درميش ، هناك نفس النهاية للبطلين .
وقبل أن أصل الى بعض الاستنتاجات أو التساؤلات أريد هنا أن الخص بايجاز للقارئ محتوى قصة Aymé
درميش كهل يقدم للمحاكمة بتهمة قتل 3 أشخاص . ولكنه ما أظهر ولو لحظة شعورا بالندم وكانه ما قتل احدا ؛ ذلك لانه كان " أبله " قتل الاشخاص الثلاثة ليستولى على اسطوانة موسيقية كان يهوى سماعها . . . وحكم عليه بالاعدام بدون شفقة ولا رحمة . . . وحاول راهب السجن أن يجره الى الاقرار بالندم لعل الله يرحمه . . . ولكن درميش ما فهمه . . . بل تعلق فقط بقصة المسيح الصغير فاحبه وكان يلح كل يوم فى السؤال عنه . ولقد حاول الراهب أن يعلمه أن المسيح كبر ومات ولكن درميش ما أراد التسليم بذلك بل استمر فى اعتقاده . وكلف ذات يوم الراهب أن يسلم المسيح رسالة كتبها درميش اليه يطلب منه فيها أن يأتيه باسطوانته الموسيقية الى الجنة بعد تنفيذ حكم الاعدام فيه . ويعرف الراهب أن درميش " هذا القاتل لا يملك من التفهم أكثر مما يملكه طفل " . . . " وهو برئ لا يملك من ملكة التفريق بين الاشياء الا ما يملك مولود جديد " ويأتى يوم تنفيذ الاعدام واذا بالمعجزة تتم ، اذ لا يجد مدير السجن بفراش درميش الا " طفلا قد ولد منذ حين او ليس له الا بضعة شهور "
وتنتهي القصة فى جو كله معجزات ؛ وهذا من طريقة Aymé . فهذه الجريمة التى تبدو فظيعة فى اول القصة تنقص حدة فظاعتها شيئا فشيئا كلما توغلنا فى القراءة وعرفنا شيئا فشيئا أن درميش كالدرفيل لا يقفه شيئا " يبتسم كالأبله ، قل هو الأبله منذ أن خلق وأخذ فى الكلام "
إذا فنحن نرى أن كلا الكاتبين قد قدما لنا بطلا يكاد يكون واحدا باختلاف فى اطار الاحداث طبعا . . فبلعيد اختار حيا من احياء العاصمة التونسية و Aymé اختار بلدة Nogent sur Marne . ورغم أن أشخاص القصتين يخضعون كل فى إطاره الى نفسية محددة معقولة . . . فان البطلين يكادان يمتزجان نفسانيا على أقل تقدير . . . .
والشئ الذي لا يقبل الدحض هو أن كلا من درفيل و Dermuche قد انقلبا طفلين آخر الامر . . .
قد تدرج الدرفيل نحو الطفولة طوال سنوات وبعد أن " صار يطيل فى حك صدره وبطنه وذراعيه " اثر حادث الحريق ، ثم بعد ان " تقيحت جلدته واضطر من كثرة الحك الى نزعها شيئا فشيئا " وبعد ان غابت تجاعيد وجهه وبعد أن " سقطت أسنانه ثم رجعت صغيرة شديدة البياض " . أما درميش فقد عرف حقا تغيرا جذريا وانقلابا حقيقيا بين لحظة وأخرى . قال رئيس
حراس السجن : (( ما مرت بعد ثلاثة أرباع ساعة على قيامى بدورتى التفقدية الاخيرة . وأنا متحقق أنى رأيت (( درميش)) فوق سريره "
إن فكرة (( المسخ )) فكرة أدبية عرفت حظا كبيرا فى قرننا هذا إثر قصة Kafka وإن كان Ayme قد حاول أن يعلل هذا الانقلاب بتدخل أصابع (( المسيح الصغير )) السحرية لمنع الانتقام من غرير باسم العدالة فان محمود بلعيد ما قدم أى تعليل مقنع أولا يقبل النقاش وان كان قد حاول أن يعطى تدرج المسخ صبغة منطقية .
وقد لا نطلب المنطق فى " المسخ " ولكن محمود بلعيد حاول استعمال بعض المنطق .
وانا بعد عرضى البسيط اضع هذا التساؤل الذى الح على والذي جاهدت كثيرا فى ابعاده عني فما استطعت : هل تأثر بلعيد ب Ayme وهل أراد استغلال فكرة Ayme ؟ هل اخذها بحذافيرها وصب عليها قالبا نونسيا جميلا أم هل تراه عاش حقا بحسه وقلبه تلك المغامرة الادبية ؟
أو ترى أن القصة التونسية حسب بلعيد وغيره تكون فى التأثر بأفكار غريبة عنا وأعطائها الاطار التونسى ؟
أنا لا أنكر على أحد التأثر خصوصا في مرحلة محاولاته الاولى ولكننى اسأل صادقا الاخ محمود بلعيد أن يجيبنا عن هذا التقارب العجيب الذي اكتشفناه بين قصته وقصة Ayme وان يحدثنا عن تجربته فى تلك القصة أى عن عملية خلقها . . .
هذا وأتمنى أن تنشر مجلة الفكر رسالتى هذه حتى تفتح بابا للنقاش النزيه متوسلا للاخ بلعيد أن لا يرى فى ملاحظاتى هذه أى تهمة موجهة اليه والى ملكة الخلق عنده وأن لا يقارن بينى وبين من فتح خصومات على صفحات الجرائد التونسية يتهم بعض اخوانه - ممن لا نشك فى نشاطهم ونزاهتهم مطلقا - بالسرقة المفضوحة انما هدفى فى رسالتى هذه خدمة الحق والقصة التونسية .
