ورد بعدد جانفى من الفكر فى باب " ندوة القراء " سؤال طرحته السيدة حلمي الهاشمى حول قصيد لنور الدين صمود عنوانه " مأساة الشيخ مصطفى قالت إنه كبير الشبه بقصيدة الناس فى بلادى " لصلاح عبد الصبور . وكنا نتوقع من الاستاذ صمود جوابا ذا فاعلية أجدى ترفع الالتباس عن كل من القصيدين وعمن سبق زميله من الشاعرين الى الكتابة فى الموضوع . لكن الرد جاء كعرض لمجموعة أزياء يتحد بعضها مع بعض فى اللون والقالب لاجسام تخلف في البنية ، إذ انه حشر لنا قصائد على البحر الواحد مبينا أنها تختلف فى المعنى وإن اتحدت فى الشكل . وكذلك يختلف " مصطفاه عن " مصطفى صلاح وإن جاء كلاهما على بحر الرجز الحر . وليس هذا غرض السيدة من سؤالها على ما يبدو . من من الملمين بالعروض لا يعرف ان للشعر العربى ستة عشر بحرا كتب عليها العرب شعرهم قديما وحديثا مختلفين فى الاغراض والمعاني ؟ .
إذن ، فان القصائد الثلاث التى عرضها الاستاذ على مشطور المتدارك والتي مطلع كل واحدة منها :
سقف بيتى حديد ركن بيتي حجر ) لميخائيل نعيمة
و اسكتى يا جراح واسكتى يا شجون للشابي (
و الجوى والأمان غنوة وحنان ) لكمال نشأت (
تختلف اختلافا باتا فى الجوهر . وكذلك المعارضات التى أوردها لقصيدة الحصرى ففى رأيى أرى فائدة فى عرض هذه المجموعة من القصائد لانها لا تفي بالحجة لتبرئة مصطفاه " من وشيجته " بمصطفى " صلاح على انى لا أشك فى مقدرة السيد صمود وقيمته الشعرية . وإذا كان بحر الرجز كثير الاستعمال لدى شعرائنا حتى أنه سمى " حمار الشعراء " فلا أظنه يشتبه على القارىء النابه وإنه ليختلف اختلافا بينا فى نغمته حتى مع الكامل وإن كان بينهما تقارب ملموس . فالمشكلة هنا ليست فى البحر الذي اتفق عليه القصيدان وإنما فى المعنى الذى يمثل صورة من مجتمعنا العربي في دور من حياته الشاقة ولعلها باقية الى اليوم . واذا اختلف المعنيان كما زعم صمود
فان صدفة الاتفاق على الاسم والبحر علاوة على المعنى العام تجعلنا نتردد فى تبرئته من تاثيره بزميله مع ان قصيد الاخير سبق قصيد الاول وهذا يعنى ان السيد نور الدين قرأ " الناس فى بلادى " قبل أن يكتب " مأساة الشيخ مصطفى . وإذا سلمنا بأن نور الدين كان قد سمع اسطورة الشيخ مصطفى من قبل وسجلها لنا كما هى فان العقلية التى عليها الرجلان لدى الشاعرين واحدة فى بساطتها ورتابتها . والكلام الذي يتفوهان به يكاد يكون واحدا على اختلاف طريقة التعبير لديهما . ولسنا نحتاج إلى النثر أو الترجمة كما يرتئى صمود إذا استعرضنا المقطعين لنتبين ذلك : يقول صلاح عبد الصبور :
" وعند باب قريتى يجلس عمى مصطفى
وهو يحب المصطفى
وهو يقضى ساعة بين الاصيل والمساء
وحوله الرجال واجمون
يحكى لهم حكاية . . . تجربة الحياة
حكاية تثير فى النفوس لوعة العدم . . .
ويقول نور الدين صمود :
والشبخ مصطفى الضرير
يقيم عند باب المقبره
وكلما مرت به جنازه
يتلو عليها الفاتحه
والدعوات الصالحه
ثم يمد كفه إلى التراب
وينتقى من التراب حصوه
مرددا بعض الكلام
جميع من في الكون من انام
وكل من فوق الرغام
مآلهم إلى الرغام
اليس هنا تشابه كبير بين المقطعين ؟ ! . فعند باب القرية وباب المقبرة يجلس الشيخان يذكران النبى ويتلوان الدعوات ويعظان الناس ويبصرانهم بما ينتهون إليه من الحياة . غير أن قول صلاح على لسان حال أولئك الملتفين حول شيخه :
" ما غاية الإنسان من اتعابه . . ما غاية الحياة ؟
يا أيها الاله ؟
الشمس مجتلاك والهلال مفرق الجبين
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين
وانت نافذ القضاء ايها الاله !
قد لخصه نور الدين فى قوله على لسان شيخه هو :
ولا يدوم غير الواحد العلام
ذى المجد والجلال والإكرام
وبعد هذا نرى أن اسم " مصطفى " لم يكن امرا سطحيا كما قال الاستاذ صمود بل إن كبير الشبه بين القصيدين لا مراء فيه وأتمنى لا يستنكف من الاعتراف بتأثره بصلاح والشاعر الحق الذى يعاني تجربة الخلق هو من يتأثر ويؤثر

