حقا عندنا بعض الكتاب ، النقاد ، المربين والمؤرخين . .! وعندنا ايضا بعض دعاة التمذهب وبعض المولعين بالتنظير ..! فعلا ! عندنا من كل شئ . . بعض الشئ !
هذا حسن ! ولكن الافدح : اننا لا نريد ، (والأصح اننا لا نستطيع ) أن نكتب بما فيه الكفاية ، وبصفة جدية ! وهذا واضح ، مفهوم ومتداول بيننا . لان بعضنا لا يستطيع اليوم الا ان يصمت ، أو يتجاهل ، أو يعيش هنا أو هناك كالغائب ! وهؤلاء يعرفون بلا شك ، ان صمتهم ، او تجاهلهم . أو عيابهم لا يمكن أن يكون الا ذلك" الموقف " الذى استحق ادانة بعضنا الاخر ! فالصمت موقف . والتجاهر ، موقف . والغياب ، موقف ايضا . وهذا يعنى ، بشكل أو بآخر ، أن" بعضنا " لا بد أن يكون متهما ! وقد اصبح من الطبيعى جدا ، والضرورى جدا ، أن نطالب أنفسنا باثبات حضورنا الحقيقى المباشر .
وهذا الحضور معناه : موقف ، شهادة ، ادانة تجاوزية للصمت ، للتجاهل أو للغياب اللامطلوب حاليا .
وما اكثر " الكتب المنشورة " عندنا بلا اهتمام ، بلا نقد وبلا مراجعة ، لاننا لا نريد ، او لا نستطيع الا ان نتسكع بين بعض القراءات المجانية !
واذن ، فاذا كان " الكاتب " يكتب ، و القارئ " قد يقرأ او لا يقرأ ، فما معنى أن نكتب ونقرأ ؟
ان اغلب كتابنا يتوهمون انهم اكبر وأعقل من ان يهتموا بما يكتب بعضنا ، وهذا يعنى ، من وجهة نظر نقدية أيضا ، أن غرورهم المعتاد لا بد ان يكون المعادل الطبيعى لنرجسية ثقافتهم المهدورة حاليا بين الصمت والتجاهل والغياب . . لانهم ، بأكثر دقة ، لا يمكن ان يكونوا الا من ضحايا اللامسؤولية والاستلاب والتفوق الكاذب . .
ويستطيع هؤلاء أن يكونوا من الرومانسيين ، والواقعيين ، الرمزيين ، أو من الهامشيين ، او كاللامنتمين . . ولكنهم لا يستطيعون أن يتسللوا من هوياتهم المعروفة جدا ، ومن ارقامهم المكتسبة ، ومن عناوينهم المتداولة . .
وقد يصرخ ويغضب بعضهم ، وقد يصمت بعضهم الآخر او ينتظر . . لكنهم لا يستطيعون الانسحاب من دائرة ذلك الذى كان . . ذلك القائم ، الناطق والمتواصل بالتبنى ! وأمامهم ، خلفهم ، فوقهم أو تحتهم . . كتلة من رسائل وغايات . . لكنهم لا يريدون اليوم أن يفهموا حتمية ما سيأتيهم من تحت التحت !
وليكن بعضهم . . من الشعبيين ، من الوجوديين ، من المتهيكلين ومن المتمركسين أيضا . . لكنهم لا يستطيعون ولا يريدون تجاوز تقييمات المتبرجزين !
ولتكن كتاباتهم . . مهذبة ، رسمية ، ثابتة او متأرجحة . . لكنهم سيحلمون أكثر فأكثر بالمزيد من التعقل والتمعشق والتألق !
وطبعا ، سيرفض هؤلاء ما لا يستحق الرفض علنا !
وفوق ذلك كله ، سيقولون لنا ، ( وقد يصرخون خلف أعناقنا ) : انه الواقع ، وباستمرار ذلك الواقع ، ودائما هو ذلك الواقع ، ولا شئ غير ما هو . . واقع !
وهؤلاء ينتمون طبقيا الى طابور كبار او صغار الموظفين والكتبة والمستكتبين او البعض من العاطلين بالضرورة . .
وليس جديدا أن ينفر نموذج الكاتب - الموظف من ضحالة عملة الرسمى جدا ، فالتزحلق فوق الحيثيات الجاهزة دوما للحفظ او للتصدير لا تناسب
مزاجة الكئيب ، وضبط الحسابات القارة واللاقارة ستظل تضاعف فقره , وتبويب تعليمات المتعلقين جدا قد نسفت بقايا صبره .. وقد يختار ذلك النموذج المطلوب جماهيريا أن . . ينسحب !
لكن " الانسحاب " هنا معناه ، بالنسبة اليه على الاقل ، التشرد والسهر ومضاجعة التمنى . . وهذا يعنى أن يكتب ، وأن يضطر للكتابة الاخرى : للتمرد ،
وعندنا ايضا ، كما علمونا أن نعلم ، أزمة ورق ، وقلة امكانيات - او نيات - وحفنة من شروط مسبقة مشروطة . .
وقد قالوها مرة بعد مرة : - مهما حدث ، وما سيحدث فى دنيا الادب - القليلة الادب - فلا شئ يمكن أن . . يحدث ! وهل الكتابة هنا ، كاللاكتابة هناك ، برجزة ذاتية ؟
ان ما كتبه بعضنا بالامس القريب ، وما يكتبه اليوم بعضنا الاخر . . لا يمكن أن يكون سوى البديل الطبقى لفقرهم او لترفهم ! ولان القليل من هؤلاء قد اصبح من كتاب مستحيلنا الاتى ، فلا بد لنا ان نتصدع أكثر فأكثر فى سبيل أن نستعيد أفدح ما نملك : وعينا المنفى - طبقيا .
ولذلك ، فان اخطر ما يستهدف حضورنا - المرفوض حاليا لا ينبع ، رغم كل شئ ، الا من انفسنا ، من صمتنا ، من تخاذلنا ومن غيابنا اللاضرورى .
وانطلاقا من حتمية اعادة النظر فى كتاباتنا ، فقد صار من الطبيعى أن نتجاوز ما سبق لنا أن كتبناه . . كما صار من الاكيد أن نتجذر من الاسفل - الاعمق لينغرس أفقيا فى واقعنا المعاش ..
فالكتابة هنا موقف ، شهادة ، حضور حقيقى مباشر . ويجب ألا نصمت . ويجب أن نكتب دائما وباستمرار .. وسنكتب حتى الموت .
