الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء, النسر المقعد ( * ), بين التجديد والتقليد

Share

خواطر حول موضوع القصة :

تدور أحداث هذه القصة في عالم غريب له قوانينه الخاصة ولا يشبه في شيء العالم البشرى لما يكتنفه من غموض شديد لا سيما وأن العلاقات التي تربط بين حيوان وحيوان آخر نكاد نجهل عنها كل شيء وحتى العالم نفسه يجد صعوبة في فهمها فهما صحيحا فكيف يجرأ الاديب إذن على خوض غمار هذا العالم الحيواني الغريب للبحث فيه عن مواد لقصصه ؟ افلا تكون هذه القصص مجرد حلقات من الاحداث الملفقة التي لا غرض للكاتب من وراء تلفيقها سوى اشباع فضول القارىء ؟ فالعلاقات البشرية نفسها لا تزال في بعض جوانبها غير مدروسة دراسة واضحة المعالم فما بالنا إذن بالعلاقات الحيوانية التي لم يهتم بها العلم إلا منذ وقت قريب ؟

والذي يجلب الانتباه فى قصة (( النسر المقعد )) هو ان الكاتب قد تفطن إلى أمر هام لولاه لكانت القصة خالية من كل عمق إذ أنه جعل من النسور التي يحدثنا عنها في قصته نسورا عادية شبيهة إلى حد بعيد بالنسور التي نجدها في الواقع لا كما هو السائد في (( كليلة ودمنة )) وعند لا فونتين وفلوريون حيث نجد كل حيوان

متقمصا لشخصية صنف معين من البشر بدعوى أن الادب غايته الانسان ينبع منه ليعود إليه وباعتبار أن العالم الحيواني عالم بسيط من المستبعد جدا أن يعثر الكاتب فيه على مواد لقصصه ولذلك اعتمد الادباء على ما يشاهد بالعين من هذا العالم الذي هو في حقيقة الامر أكثر غموضا وتشعبا مما تصوروا وكان من الاولى ان يبحثوا عن القوانين الداخلية التي تتحكم فيه . والجدير بالذكر أن نظرة الادباء إلى العالم الحيواني لم تتطور الا منذ وقت قريب أى منذ ان أثبت علم (( الزوولوجيا )) مدى غموض هذا العالم وتعقده فأصبحت الحيوانات لاول مرة في تاريخ الادب تدخل إلى القصة كحيوانات عادية لها شخصياتها وأبعادها ومشاكلها الخاصة المتجددة بتجدد العصور .

ولعل ما يؤكد للقارئ صحة ما نقول هو حرص الكاتب الشديد على المقابلة بين الحيوان والإنسان بين النسور من ناحية والبشر من ناحية اخرى فإذا به يصور لنا ذلك كله في لوحات رائعة نتبين من خلالها مدى حيرة هذه الطيور الكواسر إزاء ذلك المخلوق العجيب الذي : (( عمر الدنيا ولم يترك فيها شبرا الا احتله وبني فيه بيوته وخط فيه مسالكه )) وانك لتحس بهذه الحيرة اكثر فأكثر عندما تقف هذه النسور ذاهلة أمام (( الجلبة المتصاعدة إليها والإنفجارات المخيفة التى تنبعث آحيانا من العالم السفلى في ضباب يشبه السحاب تذعر منه الطيور فتلجأ إلى قلل الجبال) ) ثم انظر إلى هذه السذاجة العذبة التي تضفى على حديث النسر صبغة خاصة : (( . . . وحلق يوما فوقنا طائر ضخم ثقيل في حجم سبعة نسور يصيح صياحا منكرا تصم له الآذان فهزنا الدوي هزا وسالت أمي عنه فقالت : انه طائر يركب في جوفه ذلك النمل الذى يسمى البشر فاشتقت كثيرا إلى رؤيتهم . ))

وهذه السذاجة التي حرص الكاتب على تصويرها هي من أهم فنيات القصة ذلك أن كتاب هذا النوع من القصص قد اصطدموا بمشكلة عويصة لم يهتدوا إلى حل مرضى لها : هل يصورون الحيوان في قصصهم كما هو في الواقع أي بكل ما يصدر عنه من حركات وسكنات عادية وهذا يعنى بالطبع تجريد الحيوان من كل ما قد

يلصق به من صفات البشر ونفي وجود أي شكل من أشكال التفكير عنده وفي هذا ولا شك خطر على روح القصة إذ كيف يتسنى للحيوان الذي أصبح شخصية من شخصيات القصة ان يصارع الاحداث ويؤثر فيها ما دام لا يملك ولو ذرة واحدة من العقل أفلا تكون الشخصيات والحالة هذه مجرد دمى حقيرة تحركها الاحداث ويتحكم القدر فى مصيرها بدون ان تساهم هي في تقريره أضف إلى ذلك أن الحيوان لا يتكلم لغة الانسان وهذا من شأنه ان يدعو الكاتب إلى حذف عنصر أساسي من عناصر القصة وهو الحوار . أما إذا عمد الكاتب إلى جعل الحيوان يفكر ويتكلم داخل القصة فإنه يصبح شبيها بالانسان بل وينقلب إلى انسان في جلد حيوان إن صح القول فيكون من الاولى ان يقول الكاتب من أول قصته :(( إن هذا النسر الذي جعلت منه بطلا لقصتى هو في حقيقة الامر رجل كسائر الرجال ولا علاقة له بالحيوان على الاطلاق )) وإلا فما الداعي إلى القول بأنه نسر مادام لا يحمل من صفات النسور إلا الاسم لا غير .

وإزاء هذه المشكلة التي لا مناص لبى كاتب من كتاب هذا النوع من القصص من الاصطدام بها لجأ صاحب (( النسر المقعد )) إلى حل طريف يتمثل في جعل نسوره تفكر وتتكلم لكنها عندما تصطدم بالحياة البشرية يكون حكمها على هذه الحياة حكما ساذجا مرتبطا بطبيعة غرائزها الفطرية ومن ثم فلقد وفق الكاتب في التقريب بين الحيوان كما هو فى الواقع والحيوان كما يبغي ان يكون في القصة .

بين الطاهر قيقة وأرلات ليوتو :

ذكرت ان الحيوان قد أصبح يدخل إلى الادب الحديث على صورته الحقيقية بعد ان كان يتخذه الادباء مجرد رمز لخدمة أغراضهم السياسية والاجتماعية فإذا بنا نقف اليوم عند مشاكل هذا الكائن الحي غير المزيفة ونعيش معه حياته الخاصة وجوه الخاص وهذا ما مكننا منه الطاهر قيقه في (( نسره المقعد )) وكذلك الكاتبة

آرلات ليوتو في مجموعتها القصصية : (( ريش وشعر تحت الشمس ( 1 ) )) حيث تناول كل من هذين الكاتبين عددا من قضايا الطيور باسلوب واقعي مؤثر لا زيف فيه وعلى رأس هذه القضايا التى لا تقل خطورة عن قضايا الإنسان نوع العلاقات التى أصبحت تربط بين الطير والبشر في عصرنا الحديث ولقد رأينا كيف صور الطاهر قيقة تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين الطرفين إن جعل النسور تنظر إلى الإنسان بنوع من الحيرة الساذجة فلا تفهم شيئا مما يصنع في حياته ولا كيف يعيش لانها قد كتب عليها الفرار الدائم منه حتى تتقي شره لكن هذا لا يمنعها البتة من ان تتحسر على زوال ذلك العهد الاسطوري الامين حيث كانت (( النسور . . . وسائر الطيور تفهم لغة هؤلاء البشر وتتعاون معهم وكان سليمان . . . قد سخر جميع المخلوقات لاكتشاف أسرار الكون وبناء الهياكل والاساطيل والمنشات لم يشهد العالم عصرا مثل عصره اتحدت فيه الكائنات ونسقت جهودها فشيدت معالم بقيت حلما نعيد ذكراه . ومات سليمان فاختلطت اللهجات وكانت القطيعة )) .

نعم ! لقد كانت القطيعة . . . وأصبح الإنسان لا يحترم الطيور ويعبث بها ما طاب له ذلك بدون أى تورع أو احتشام ف (( على العصفور ان يبني وكره و . . . عندما يتم له ذلك تأتي المرحلة النهائية لذلك الدور الجهنمي الذي يريد من الحياة ان تزهق انفاسا أخرى حتى تضمن لنفسها البقاء )) ( ريش وشعر تحت الشمس : ص 42 ) فما أشرس الطبيعة التي تجعل من تقتيل الطيور لذة يستمرئها الانسان ! لكن مهما يكن من أمر فإن : (( سيرة البشر هي هكذا : يحبونك ويطعمونك وفجأة تسمعهم يصيحون : امسك ب ( الطائر ) واقطع له رأسه )) ( ص 36 ) تلك هي سنة الحياة !

وتقف الطيور المسكينة حائرة في أمرها تسأل القمر في لهجة يغلب عليها اليأس والحيرة :

(( لاي أمر ؟

(( لاى أمر جعل الموت هدفا للحياة ؟

(( لماذا يوجد مثل هذا الظلم على سطح الارض )) ( ص 38 ) . لكن الظلم لا يمكن له ان يستقر في هذه الدنيا بدون ان يخلق في نفوس المظلومين حب الثورة التي سرعان ما يكثر انصارها وتنطلق السنتهم بالخطب استثارة للعزائم : (( يا معشر ملوك الطير . . . لقد ضاقت بنا الارض على رحبها وانقطع القوت وعمرها البشر واستبدوا بجميع خيراتها . كنا نطير أسرابا تحجب عين الشمس فنجد قوتنا أينما حللنا واليوم أصبحنا هباء منثورا طييورا منفردة هائمة فقدت الشراسة وحب القنص فلا تقوى على افتكاك قوتها )) ( النسر المقعد ) .

وبدون اى خجل يتجاسر هذا الخطيب المتحمس لقضية الطيور على الدعوة إلى الوقوف في وجه الانسان : (( هلموا انزلوا اجمعوا شتاتنا وقودوا جموعنا حتى تصبح هذه الارض الغالية ملكا لنا ومستقرا إلى حين )) ( النسر المقعد ) .

لكن هيهات ان ينقرض الإنسان من على سطح الارض وهيهات ان تتحقق للطيور مثل هذه الاحلام البعيدة المنال . وهكذا . . . (( صفقت النسور بأجنحتها وانقضت على . . . ( الخطيب ) . . . ونتفت له ريشه وعادت إلى أماكنها وتدحرج . . . ( هو ) . . كرة حمراء تنز دما . ))

وبذلك فلقد كتب على الإنسان ان يعيش سيدا في هذا الكون . . . وكتب الذل والهوان والعبودية على الطائر المسكين . ومن ثم فإن (( للحيوانات بمختلف انواعها سواء كانت أهلية أو برية تجد نفسها مدفوعة نحو هذا الإلاه . . . وهو الإنسان بما يتبعه من خير وشر ))

( ريش وشعر تحت الشمس : ص 15 )

بمثل هذا الصدق وهذه البراعة اللذين عولجت بهما قضية الحيوان والإنسان تم لكل من الطاهر قيقة وأرلات ليوتو ابراز هذه المخلوقات التي نجهل عنها الكثير في صورها الحقيقية وهذا ما يجعل لقصة

(( النسر المقعد )) طابعا خاصا يميزها عن العديد من القصص العربية التى تناولت نفس الموضوع .

ملاحظات حول شكل (( النسر المقعد ))

ان شكل (( النسر المقعد )) هو شكل كلاسيكى بدون منازع إذ بدئت القصة بعرض للأشخاص اللذين تولى تقديمهم البطل نفسه إلى القراء ثم يلي ذلك سرد لمجموعة من الاحداث المتشابكة التي يرويها البطل أيضا والتي تتشكل منها حياته كلها إلى ان تنتهى هذه الاحداث إلى مستقر أخير لها الا وهو موت الشخصية الرئيسية في القصة ومن ثم فلم تخرج قصة النسر المقعد من حيث شكلها عن حدود القصة التقليدية التي تسير أحداثها في خط أفقي يكون عادة على ثلاث مراحل : العرض والعقدة والحل بالإ ضافة إلى أن الكاتب قد حرص على توفير الوحدتين : المكانية جعل النسر يروي الاحداث وهو قابع في وكره ) والزمانية ( حيث ان القصة كلها حديث يرويه البطل ) ونحن لم نفهم لماذا حرص الكاتب على استخدام مثل هذا الشكل لا سيما وان الموضوع الذي طرقه جديد ولا يتناسب البتة مع هذا القالب التقليدي زيادة على ان القصة تفتقر من ناحية صياغتها الفنية إلى بعض الادوات الحديثة كتيار الباطن مثلا الذي نرى ان كل الظروف سانحة لاستعماله في مثل هذه القصة ولو لجأ إليه الكاتب عوضا عن السرد البسيط لاضفى ذلك على القصة صبغة جديدة يقطع النظر عن الهفوة الكبيرة التي ارتكبت في آخر القصة والتي تسببت فيها رواية الاحداث في صيغة الماضي حيث ان الكاتب جعل البطل يروي لنا مماته وفي هذا خطأ فني كبير .

ومن هنا تبرز لنا مشكلة أساسية من مشاكل القصة التونسية الحديثة وهي مشكلة مفهوم التجديد في القصة : فالبعض لا يزالون يعتقدون ان التحديد الحقيقي هو تجديد في الموضوع فيبدعون ايما ابداع في هذه الناحية مثلما أبدع الطاهر قيقة الشيء الذي جعلنا نقارنه بكاتبة أجنبة ممتازة وهي أرلات ليوتو الا ان هذا الصنف من الكتاب يهملون القالب الذي يصوغون فيه قصصهم فيأتي هذا القالب تقليديا باردا وروتينيا

مملا ولا يتلاءم مع الموضوع الجديد الذي يطرقه الكاتب ولعل السبب الرئيسيى لذلك هو ايمان بعض كتابنا بأن الشكل الكلاسيكي شكل مطلق صالح لكل زمان ومكان فلا يقولون إذن بوجوب التجديد فيه وإدخال بعض التحويرات عليه ومن ثم فإنهم يقفون موقفا متحجرا حتى إزاء الادوات الحديثة مع ان استعمال هذه الاوات يفيد القصة التونسية ايما إفادة زيادة على أنها تمكن الكاتب من معالجة القضايا الإنسانية معالجة دقيقة لا تقدر عليها الادوات الكلاسيكية ومن الخطأ ان يعتبر البعض ان استخدام الادوات الجديدة في القصة التونسية قد يفقدها أصالتها فالاغنية الشرقية مثلا قد حققت تقدم ما باهرا خلال هذه السنوات الاخيرة بفضل استعمال الفنانين العرب لبعض الآلات العصرية ومع ذلك فالاغنية العربية لم تخرج قط عن الروح العربية الصميميمة ولا النفس العربي الاصيل بل لم يزدها ذلك الا تقدما على تقدم .

فعلى القاص التونسي إذن ان يكون ابن عصره وان يهتم بالتجديد في موضوعها حتى نخرج بالقصة التونسية عن التفاهة والجمود .

م . ص . ع .

اشترك في نشرتنا البريدية