الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء, حول الكتابة الاسطوانية

Share

بعد " غير العمودى والحر " و " القصيدة المضادة " و " القصة التجريبية " و " الكتابة " ، وغيرها من الأنماط الأدبية الطلائعية ، طالعتنا مجلة " الفكر" أخيرا - ومجلة الفكر " كعارضة أزياء " ، فقلما تمر سنة دون نمط من الكتابة جديد - قلنا بعد سيل من " الارتيكلات الادبية " ، طالعتنا مجلة الفكر ب " الكتابة الاسطوانية " ( 1 )

فما هى الكتابة الاسطوانية ؟ ولماذا ظهرت ؟ وهل لها جذور ؟ وهل يمكن أن يكتب لها البقاء ؟

اسئلة نحاول أن نجيب عنها فى هذه الدراسة وعلى ضوء " نقطة استفهام " ( 2 )

ما هى الكتابة الاسطوانية

يقول مبارك السنوسى وهو صاحب التسمية ( 3 ) : " هذه كتابة جديدة يعتمد شكلها على التسجيل أو الاسطوانة . طريقة قراءتها أن يقرأ الكاتب اجزاء ثم يتوقف فيفتح آلة التسجيل أو الاسطوانة ليستمع الحاضرون الى ما  احتوت عليه احدى الآلتين من كتابة على لسان الكاتب وتكون هذه الاخيرة تمثيلية . أما طريقة نشرها فهى أن تكتب وتنشر الكتابة بكل أجزائها بما فيها من تسجيل " .

وبناء على هذا التعريف فالكتابة الاسطوانية هي مزيج من القصة والتمثيل وبعبارة أخرى هى " قصة ممثلة ونعود الآن لنقطة استفهام لمبارك السنوسى

يضعنا الكاتب فى البداية أمام " كتابة " . وهي ما يمكن أن يسمى بالمقدمة . والمقدمة هنا ليست من النوع التقليدى الذى نعرفه ، فهى لا تركز اهتمامها على المساحة المكانية ، والزمان ، والابطال وانما يقدم لك " كلاما مشوشا "

: " أبوك ، وأمك ، وأختك ، والمطار ، والطائرة ، والتلويح بمنديل أبيض ، والبحر المتوسط ، وباريس وشوارعها ، وأحياؤها الخ . " ومن خلال هذه الجمل الاسمية المتلاصقة نفهم أن البطل يعاني تأزما ، فهو سيغادر حياته الشقية . ويكون من نتائج هذه الهجرة أن يطلق العنان لرغباته المكبوتة . إن عوامل شتى من الغبطة والحبور تتنازع هذا البطل

ثم تأتى الاسطوانة ، وفى الاسطوانة يركز الكاتب اهتمامه على المساحة المكانية " مقهى " ، والزمان " زمن كلب " أو " زمن لفت " كما يقول البطل

ثم تأتى الكتابة مرة ثانية فينقلنا الكاتب من المقهى ليضعنا وجها لوجه مع بطله وكان اهمله فى غمرة " الارشم " ، و " الشكبة " ، وفي الكتابة يعرى الكاتب بطله ، فاذا هو رجل مكبوت ، وهو لا يفكر الا فى اشباع رغائبه الجنسية بمجرد أن تطأ قدماه أرض باريس هو لا يفكر فى فيلا ، ولا فى سيارة ، ولا فى زوجة أحلام كغيره من المهاجرين التونسيين ، هو يفكر فى الجنس ، والتفكير فى الجنس قد ملك كل مشاعره ، وفي هذه الكتابة أبدع الكاتب فى رسم شخصية البطل وفضح كبته الجنسى

بعد الكتابة الاولى تأتى الاسطوانة الثانية فيهمل الكاتب بطله - عمدا - ليسلط كاميراه على الشارع فيقدم لنا لوحات اجتماعية فى رسوم كاريكاتورية ، " العظمة ما تقول طق . . . شو شو . . شوكلاته . . قهوة بوندان " . . . ويتعرض لغلاء الاسعار ، ثم يعود أخيرا الى البطل : " يا طياره خف وطير " .

ثم تأتى الكتابة الثالثة ، وهى تمثل العقدة ، فالبطل قد نسى اشتراء المنديل الابيض . فدخل " المونبرى " ونفح البائعة خمسين مليما "بوربوار " ، ثم عاد الى مكانه فى المقهى وعوامل شتى تتنازعه

بعد الكتابة الثالثة تأتى الاسطوانة رقم ثلاثة وتدور حوادثها فى المقهى . وهي أيضا لوحة اجتماعية رائعة ، فيها متعة ، ونقد :" مسكين عمار بزور . . العام اثناش فى الحفر " ، " خطيبتى هربت بواحد ليبى عن كرهبه سبور "

وفى الكتابة الاخيرة وهى الخاتمة يضع الكاتب اصبعه على مشكلة خطيرة تهدد كل من يهاجر . فماذا بعد العمل فى مصانع ألمانيا ، أو فرنسا ؟ ماذا بعد الرجوع والزواج ؟ هى نقطة استفهام كما يقول الكاتب ، وفى الكتاب الاخيرة نرى أن البطل هو من تلك الشخصيات النامية ، أى التى تتطور بتدرج سير أحداث القصة . فالبطل كان لا يفكر إلا فى الجنس . لكنه وفى اللوحة الاخيرة أصبح يفكر في مشاكل أخطر من ذلك ، إنها مشاكل مستقبلية ومصيرية ، وفى نقطة استفهام كانت الاسطوانات أنضج فنيا من الكتابات والاسطوانات وحدها تكفى لأن تكون مجموعة من المقالات أو التمثيليات الاجتماعية القصيرة مثل " أمك فونة " لعلى الدوعاجى

هذه هي " نقطة استفهام " ، بقى الآن هل تأثرت هذه القصة فنيا بما سبقها من انتاج مثل " الانسان الصفر " و " بعض قصائد محمد مصمولى " ، وهل يمكن أن تؤدى دورها الى جانب ما سبقها من انتاج ؟ وهل هى جديدة ؟ وما هو مستقبلها ؟

اشترك في نشرتنا البريدية