الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

ندوة القراء, حول ترقية الكتابة العربية

Share

من أحمد الاخضر غزال مدير معهد الدراسات والابحاث للتعريب إلى حضرة الأخ الكريم البشير بن سلامة رئيس تحرير مجلة الفكر

تحية أخوية خالصة أما بعد ، لقد وصلنى العدد الرابع من مجلة الفكر الغراء لهذه السنة 1980 مصحوبا بكلمتكم الطيبة التى هنأتموني فيها بالعام الجديد وأخبرتمونى لتحريركم مقالة فى هذا العدد عالجتم فيها موضوع الكتابة العربية وأبديتم استعدادكم لتلقى نقدى لما كتبتموه وعبرتم عن رغبتكم فى التزود بالجديد في هذا المجال .

: أهنئكم بدورى بالعام الجديد متمنيا لكم ولأسرة مجلة الفكر المزيد من التوفيق والنجاح أرجوكم أن تكونوا على يقين أن ما كتبتموه فى قضية الكتاب العربية لفي صلب موضوع النهضة اللغوية فى العالم العربي والمحاولات الجبارة التى تقوم بها جميعا لجعل لغتنا لغة تقنيائية ) تكنولوجية ( استمهادا لتعريب العلوم والتقنيات تعريبا أصيلا لا مهينا مهلهلا . واذا كان الاصلاح الخطاطى ( أى تقنية ضبط الحروف الطباعية ) بشكل السكة الاولى فان الاصطلاحياء ( أى علم المصطلحات ( لتشكل السكة الثانية لقطارنا الثقافي المعاصر الذي يتعثر فى سيره بسبب رداءة سكتيه هاتين والاعطاب الكثيرة التى تصيبهما فنرى قاطرته تلهث مدبرة عجلاتها في مكانها لا تستطيع الجر . كذلك هي عزائمنا وتحمساتنا ، فانها تلهث ولا تجر شيئا . وقد حلتم تحليلا دقيقا حالة القارىء العربى أمام الكتابة الموسومة Scriptio defectiva والتي

سميتموها بالكتابة المنقوصة فى مقابل Scriptio plena أى الكتابة المشكولة ونبهتم بشجاعة الى أنها لن تكون - إذا بقيت على حالتها الراهنة - " أداة ثقافة حقيقية أى أداة تفكير دقيق مميز ووسيلة تكوين عصرى نابه ذكي لا يكون عرضة للتعصب والانغلاق والتحجر والنظر القصير السطحي وهذا ما دفعنى الى الانكباب على دراسة اصلاح الطباعة العربية منذ سنة 1940 تلك السنة التى ألقيت أثناءها دروسي الاولى فى تعليم اللغتين الفرنسية والعربية فلاحظت ان تلامذتي بعد انهاء البرامج المقررة ينقسمون الى قسمين قسم يستطيع قراءة الكتب والجرائد الفرنسية وفهمها ، وقسم لا يستطيع قراءة الكتب والجرائد العربية ويعجزون عن فهمها ، فتبين لى بوضوح أن " شيئا هناك يمنع تعليم القراءة العربية من أن تكون مثل تعليم القراءة الفرنسية وأن هذا " الشئ " لا علاقة له بالكتابة اليدوية التى تستطيع أن ترسم جميع الحروف وجميع الحركات وجميع العلامات الاملائية ، موفرة بذلك قراءة واضحة تامة لا مثيل لها فى معظم اللغات الاجنبية ، كما تبين لى من جهة اخرى أن هذه الكتابة اليدوية تختلف من شخص الى آخر وتعدد أشكال الحروف وتراكبها وتطمس بعضها وتطيل وتقصر ، وفي غالب الاحيان لا توضح الصورة الاصلية لكل حرف ، خاضعة فى كل هذا الى قوانين حركات اليد التى بدورها تخضع لنوعية الادوات الكتابية من قلم وكاغذ ومداد كما تخضع لمزاج الكاتب ونفسيائه ) بسيكولوجيته ( مما أدى إلى إنشاء الخطياء ) كرافولوجيا ( أى الى علم كشف نفسية الاشخاص من خلال كيفية خطهم للحروف

فتأملت مليا حروف طباعتنا فى المطبوعات المختلفة فوجدت أنها حروف استخلصت وقيت انطلاقا من كتابات فنية ) أرتيستيك ( جميلة ، ضبطها وأحكم تخطيها الفرس والاتراك خاصة ، الا أنها كتابة يدوية أيضا تخضع بالاضافة إلى ما تخضع له الكتابة اليدوية الشخصية السابقة الذكر ، الى قوانين الفن والتفنن ومراعاة الجمالية متوخية بذلك اثارة الشعور ، فأدى تطويرها فى هذا المجال الى الزخرفة والتوريق ) آرابيسك ( فاستخلصت من هذه الملاحظات أن الكتابة ثلاثة أنواع نوعان يدويان : الاول شخصى والثاني فنى ، ونوع طباعي علمت فيما بعد انه يسمى " الكتابة الطباعية " تخضع في عملية كتب الحروف لا لليد والقلم ولكن لما أسميه بالمحارف ) كاراكتير ( أى قطع فلزية تثبت عليها صور الحروف مسبوكة جامدة لا تتغير وتلك المحارف هى التى تحل محل اليد والقلم أى هى التى " تكتب " ومعنى هذا أن هناك عددا من المحارف يجب أن يحدد بالنسبة الى الاماكن المخصصة للمحارف في مختلف الآلات الطابعة وكذلك بالنسبة الى العلامات الضرورية لتوفير قراءة

تامة من حروف وحركات وعلامات الشكل والوقف والارقام أى بالنسبة الى ما يسمى " البوليسة " والتي افضل تسميتها بكلمة " النسقة ومعنى هذا أنه وجب تحديد الحدين الادنى والاقصى للمحارف الطباعية العربية على أساس الاصوات الضرورية والاشكال اللازمة وذلك مع مراعاة الحفاظ على كتابتنا المعهودة وسد حاجات تقنياء الآلات المستحدثة الصارمة المضايقات والمقاييس فأدى بنا هذا الى ضبط الطريقة المعيارية ذات الشفرة العربية الموحدة ) عمم - شع ) التى تفضلتم مشكورين بالتحدث عنها فى مقالتكم النفيسة للتعريف بها فى موضوع ما جد فى اصلاح الطباعة العربية وختمتم قائلين : " إننى آمل أن تكون هذه الخطى أكثر سرعة فى ميدان اعتبره مصيريا " .

وإذ أعبر لكم هنا عن تقديرى واعجابي لاهتمامكم بهذا الموضوع الذى نعتتموه بموضوع مصيرى ، إلا أننى أصار حكم أن هذه الخطى لن تكون أكثر سرعة لأسباب خمسة : أولها عدم اليقظة والتفطن والتوعى لأهمية الموضوع بالنسبة الى دوره المصيرى كما قلتم ، وثانيها الروتين الراسخ والتمسك الملح بجمالية الكتابة اليدوية ، وثالثها عدم وجود هيئة مسؤولة فى بلداننا عن السهر على اصلاح الطباعة العربية وفرض الحروف الجديدة ومنع دخول الحروف القديمة كما نفعله الآن فى المغرب ، ورابعها عدم توفرنا على وسائل التعريف بأهمية الموضوع على نطاق واسع شامل ، وخامسها رفض الصانعين الاجانب لنقل هذه التقنيات الى بلداننا العربية ما دام الاقبال عليها قليلا . واذا كان الاقبال عليها قليلا فذلك للاسباب السابقة الذكر وهكذا دواليك أى هناك دائرة مفرغة لا أدرى كيف يكون الخروج منها . فان سمحتم فتفضلتم مشكورين أن نبحث معا فى هذه المواضيع " المصيرية " عن الحلول الناجعة بفتح باب خاص من أبواب مجلة ليسخر الفكر العربى طاقاته الواسعة لدراستها فستكونون بذلك أسديتم للمثقفين العرب أنفس خدمة فى نظري ألا وهى نوعيتهم بخطورة وضع لغتنا بالنسبة الى اللغات التكنولوجيا الاخرى لما تفتقر اليه من أدوات أساسية لم نوفرها لها بعد منذ أن اصطدم العالم العربي بالحضارة المعاصرة

وتفضلوا أخي بقبول فائق الاحترام والتقدير والمحبة الخالصة .

اشترك في نشرتنا البريدية