قرات في العدد 6 لشهر مارس 1968 من مجلة الفكر الغراء دراسة للاستاذ البشير بن سلامة رئيس تحريرها ترمى الى احداث تطوير فى احرف الطباعة العربية يكفل قراءة ما يطبع قراءة صحيحة من المطالعين فى كل المستويات دون اضطرار لتذكر القواعد الصرفية والنحوية
والموضوع يستهوى كل من يغار على اللغة العربية ويسعى لنشرها بين الناس من اقرب السبل فقد وقف تطور حروفها منذ قرون حتى اصبحت لا تساير حركة النشر المعتمدة بالخصوص على سرعة الطبع باختصار عدد الاحرف والاشكال الامر الذى يسمح بالقراءة الصحيحة دون حاجة للتضلع فى دقائق قواعد اللغة
والواقع انه طالما لم يوجد حل يوحد احرف الطباعة ويحقق الشكل فان الكثير ممن يحذقون لغتين احداهما عربية يفضلون قراءة الكتاب غير العربى وهو امر مؤسف ويحز فى النفس اضف الى ذلك ان الاجنبى الذى يحاول تعلم العربية يفشل فى اول الرحلة باستثناء من يستهويه الاستشراق فيتخصص فيه .
هذا هو الواقع مهما حاولنا طمسه ومهما غالطنا انفسنا . صحيح ان اللغة العربية تطورت لكن فى التحرير من وجهة الاسلوب والموضوع واحداث اصطلاحات مشتقة من نفس اللغة . اما استهلاك ما تنتجه الاقلام وما انتجته على الوجه الصحيح فيكاد ينحصر فى نخبة معينة فمن كان تعليمهم محدودا لا يستفيدون الا قليلا مما يكتب فى الصحف والنشريات ومن عديد التآليف والموسوعات بل لعل الكثير ياخذه الملل لما يجد من عناء فى فهم الموضوع بسهولة ولا يثبت فى الميدان الا الراسخون فى معرفة القواعد ونتيجة كل ذلك جهد ضائع فى قسم كبير ممن زاولوا الكتاب او اختلفوا الى المدرسة الابتدائية ولم يواصلوا تعليما أرقى
أليس على قارئ الكتابة العربية ان يعول على القرينة فى عديد من الالفاظ .
فما معنى " دم " هل هو الأمر من دام أو هو السائل الاحمر الذى ينزف عند الجرح وما معنى " تمت " هل هى لفظة تعنى انتهت او تعنى امرا له صلة بآخر وهكذا مع فناء بكسر الفاء وفتحها وكم وكم بفتح الفاء وضمها مع تشديد الميم ولما ولما الخ . . .
انك تكتب جملة : " ان فى الدار فتاة " لكنك لا تكون موقنا ان التاء المربوطة ستقرأ بالفتح أو الضم أو الكسر مع التنوين أو حتى بالسكون اذ يتطلب استذكار قاعدة أن إن تنصب الاسم وترفع الخبر وان الاسم قد يتأخر فى حالات خاصة الخ . . . كل ذلك على حساب السرعة والاهتمام بالموضوع بالاضافة الى كونه يشق على المثقف العادى فى حين انه فى جل اللغات الاخرى تقرأ الجملة سالمة من الاعوجاج من كل الناس على اختلاف فى المستوى
فبالفرنسية تقول : il y a une fille dans la maison وبالانكليزية There is a girl in the house وبالاسبانية hay una senorita en la casa
ويكفى ان يتعلم اى احد من الناس مخارج الحروف فى بضعة ايام ليقرأ النص صحيحا وهو امر يدل على حيوية تلك اللغات بفضل الاحرف الصوتية voyelles .
ومما زاد الطين بلة ان لغة الكلام عند العربى هى ليست بالضبط لغة الكتابة وصعوبة القراءة فى نظرى هي سبب بقاء لغة التخاطب بعيدة عن النمو فى الاتجاه المستقيم الذى نأمله لها والذى هو عامل وحدة ثقافية للعالم العربى كما نرى اللغة الاسبانية لاميركا اللاطينية واسبانيا والانكليزية للولايات المتحدة وكندا واستراليا الخ . . والفرنسية لبلجيكا وفرنسا وسويسرا الخ . . .
فنظرية الاستاذ بن سلامة طريقة وفيها تطور اذ لا ترمى الى التنقيص من عدد اشكال الطبع للأحرف الهجائية وغيرها فحسب بل تضمن القراءة الصحيحة بفضل اقحام الشكل بالرابط وهى شىء جديد بالنسبة لبعض النظريات السابقة
لكن يبقى دائما ان الحرف العربى المطبوع له اكثر من صورة فالحاء هى حسب نظرية الاستاذ بن سلامة حـ و ح والعين هى عـ ــع و ع الخ . .
فلو اننا فكرنا فى اختصار كل ذلك بجعل صورة واحدة لكل حرف مطبوع لا تتغير مهما كان الموقع لاصبح عدد الحروف 30 بدل 58 وبالتالى تكون جملة الاشكال 63 لا 92 بعد اعتبار الحركات والروابط وادوات الوقف والشدة والاستغناء عن التعريفة .
وليست هذه الفكرة من عندياتى ، فقد استنبط المهندس الاستاذ نصرى خطار اللبنانى الاصل المتخرج من جامعة بيروت الاميركية ومن جامعة " ييل بالولايات المتحدة صورا للاحرف العربية لا تتبدل ابدا الا حجما كما فى الاحرف اللاطينية مع الحفاظ على شكلها القديم تقريبا . لكن عيب الطريقة انها لم تراع الشكل الذى يكفل القراءة الصحيحة من أول وهلة فى حين ان طريقة الاستاذ بن سلامة تقضى على المشكلتين
- عسر قراءة غير المشكول - اختصار الاحرف جزئيا
وقد عثرت على طريقة الاستاذ نصرى خطار التى سماها بالابجدية العربية الموحدة بنشرية " صوت اميركا " بعدد سبتمبر - اكتوبر 1951 ولا اعلم ماذا كان مصير مشروعه الذى تحمس آنذاك لتحقيقه واشاعته
وتعميما للفائدة انقل عن النشرية المشار اليها قوالب ابجدية الاستاذ خطار التى هى قابلة لأن تكون - حسب - قوله - ذات احجام مختلفة اصغرها نمط 8 .
فالكلمات ألست الآتية تتكون من ثلاثة حروف هى العين والراء والغين وشكلها بالحروف الموحدة لا يتبدل ايا كان موقعها من الكلمة بينما تحتاج الى 11 شكلا بالحروف العادية عوض الستة :
طريقة نصرى خطار عـ ر ف عـ فـ ر ر فـ عـ ر عـ فـ فـ ر عـ فـ عـ ر
الطريقة العادية عرف عفر رفع رعف فرع فعر
وكان بودى أن أتصور تطبيقا لطريقة الاستاذ بن سلامة غير أنى لم أتوصل الى ذلك بمحاولتى الشخصية . رغم أن الطريقة على ما يظهر من الناحية النظرية والتطبيقية ممكنة جدا ( * ) .
واظن ان الفكر الخلاق غير عاجز عن تحقيق هذا المشروع بعد تبسيطه وتحقيق رونقه فقد كان اللسان العربى فى ذروة المجد نطقا وخطا عندما كانت اللغة الآرية فى فقر مدقع وساير التطور اذ تدرج الخط من احرف بلا نقط الى احرف بالنقط الى احرف مشكوولة ولكن الكتابة المطبوعة لم تواكب التطور والحال ان الطباعة ولدت منذ نحو قرون
وبارك الله فى الاستاذ بن سلامة لاثارة قضية كهذه يعد حلها فتحا لآفاق جديدة لعشرات الآلاف من العرب وعامل اشاعة للمعرفة لا حدود لجدواه ، بقى ان تتظافر الجهود بالمغرب العربى او على الاقل بالجمهورية التونسية الفتية لاخذ القضية بعين الاعتبار وتشجيع من يعنى بابراز هذا المشروع او ما هو احسن منه للوجود فنيا وما ذلك على همة الدولة التونسية بعزيز وهى قد اقتحمت ميادين اعتيد الحذر من ولوجها كالرزنامة الهجرية والارقام العربية التى نعجب لتمسك سوانا بغيرها فى حين انها بضاعتنا ردت الينا . اما الطريقة الحالية فهى اقرب للاختزال منها للكتابة الواضحة
( * ) تعليق : لا يسعنى إلا أن أشكر الأستاذ محمد مزغيش على عنايته بما كتبته فى عدد مارس حول تيسير الطباعة العربية وتحليله للموضوع تحليلا وافيا مستوفيا . وأشكره كذلك على ما نبهنى اليه من وجود محاولة أخرى ( الابجدية الموحدة ) للمهندس نصرى خطار . وقد سلمنى مشكورا المجلة التى ورد فيها بسط هذه الطريقة الجديدة ( صوت أمريكا - سبتمبر - أكتوبر 1951 ) . كما أن من الأصدقاء من دلنى الى مجلة عالم التجارة الصادرة فى لبنان ( فيفرى - مارس 1968 ) والتى تحتوى على وصف مدقق للأبجدية الموحدة .
وقد امعنت النظر فى هذه الطريقة ووجدت حروفها جميلة جدا متناسقة قريبة من الخطوط العربية سهلة القراءة بالتعود طبعا غير أننى لاحظت فيها مآخذ اهمها :
أولا : لقد مر على بروز هذه الطريقة ما يقرب من عشرين سنة قام فيها المهندس نصرى خطار بدعاية كبيرة لأجل مشروعه ولكنه لم يصل الى فرضه على المطابع ودور النشر . لا لشئ إلا لأن القراء العرب لا يريدون بديلا بخطوطهم إذ أن إدخال نوع آخر من الخط فى الطباعة العربية يقتضى حملة نفسية كبيرة وفرضا من الحكومات وهذا ما لم يقع .
ثانيا : إن تصميم حروف " الأبجدية الموحدة " وقع تركيزه على خلو الحروف من الحركات . وهذا نقص فادح . وفيما إذا وقع تدارك ذلك وزيدت الحركات فان المسافة بين الحرف والحرف ستكبر فينتج عن ذلك امران :
أ - استهلاك أكبر فى الورق وهو ما أراد تلافيه صاحب المشروع ب - اختلال فى جمال الخط فتظهر عند ذلك الحروف مبعثرة لا انسجام بينها .
لهذا فانى اعتقد أن الأبجدية الموحدة لا تفى بالحاجة فى ميدان تيسير الطباعة العربية وانتشار اللغة العربية بين جميع المستويات بثمن زهيد .
هذا فيما يخص طريقة الأبجدية الموحدة أما فيما يتعلق بالأمر الثانى الذى نبهنى اليه الاستاذ مزغيش وهو اننى لم أورد فى مقالى تطبيقا لطريقتى فهو حق . والسبب فى ذلك أن الكتابة التى ستنتج عن تطبيق هذه الطريقة هى كتابة عادية . فالحروف التى وضعتها فى الجدول هى من النسخى المحرف شيئا ما . ولهذا فان القارئ لن يجد تغييرا فى النصوص التى توضع بين يديه وهي مطبوعة حسب هذه الطريقة
والسبب فى ذلك هو اننى وجهت عنايتى أولا وبالذات الى الرابط الذي يربط بين الحروف وأخضعت أصل الحرف - وهو مبتور - الى ما يفرضه شكل هذا الرابط . فرأيت أنه من الممكن ايجاد رابط موحد لجميع الحروف مع تغيير طفيف فى أصل الحرف لا تكاد عين القارىء تفطن اليه . وبهذا توصلت الى اختصار الحروف مع الابقاء على جمال الخط العربى والاحتفاظ برونقه والتمسك بالحركات
بهذا فان أنواع الخطوط التى ستنجر عن تطبيق هذا المبدأ الذى أقررته كثيرة تتعلق خاصة بذوق الخطاط وقدرته على اخضاع الحروف لا الى الطريقة القديمة التى تعتمد خط اليد بل الى ما يقتضيه الحرف المطبعى
ولقد سررت عندما اهتم الاستاذ الحبيب بن عياد الخطاط المعروف بهذه الطريقة وحاول تطبيق المبدأ الذى أقررته بضبط حروف رسمها فى الجدول الآتى :
جدول الحروف حسب طريقة الكتابة النموذجية
2 1 - - ، ا 4 3 - . و كـ ْ 6 5 ثـ ط ـه ْ 8 7 ظ ـن نـ ه و - ي يـ بـ - - - د ذ هـ ـل ـلا ق ـقـ أ ؤ جـ ج فـ ـئـ ى حـ ح ز هـ ـم ة سـ س ، ر خـ خ شـ ش (( )) عـ عـ ـع ع صـ ص إ : غـ غـ ـغ غ ـة ه ـتـ ضـ ض ( )
وهذا مثال من الكتابة المنجرة عن هذه الحروف :
الكتابة النموذجية (*)
ولقد سميت هذه الطريقة " الكتابة النموذجية " وهو تعريب لكلمة Typographie المشتقة من Typo بمعنى نموذج و graphie كتابة وذلك اعتقادا من أن هذه الطريقة ستمكن الكثير من الخطاطين والتقنيين الى استنباط
( * ) حاولت أن أولف هاتين الكلمتين من الحروف الموجودة بالجدول فرصفتها بعد عزلها الواحدة بحذاء الاخرى كما لو أن آلة كاتبة رصفتها . وبطبيعة الحال فان عملا مثل هذا يحتاج الى دقة كبيرة ومهارة من العامل قريبة من العمل الفنى البحت . ولهذا فان الحركات عند تصويرها لم تظهر واضحة لضآلتها فاضطررت الى ابرازها باليد فأتت مشوهة نوعا ما . والمهم هو أن هذه الاحرف قابلة لان تكون مقحمة فى آلة .
انواع من الخطوط خاضعة حقيقة الى مقتضيات صناعة الطباعة ومنبثقة من هذه الطريقة وهذه دعوة الى الخطاطين فى تونس وغيرها من البلاد العربية الى التحمس لهذا المشروع واستنباط حروف اخرى غير التى استنبطها الاستاذ الحبيب بن عياد حتى يتمكن كل شعب من الشعوب العربية الى ان تكون له حروف طباعة متماشية مع ذوقه وأصالته كما كان الامر بالنسبة للخطوط من قبل وحتى تدخل الكتابة العربية الى عصر الطباعة شأنها شأن الكتابات الحية الاخرى .
وأخيرا أجدد شكرى للاستاذين محمد مزغيش والحبيب بن عياد على عنايتهما وتحمسهما للمشروع

