لقد كثر الحديث هذه الأيام ونشطت الأقلام بشكل شريف حول مشاكل التعريب ببلادنا وهو أمر يدعو حقاً للتأمل والتمحص والدراسة ويقدر ما كنا نبارك هذا العمل الذى أصبح من مشاغل الرأى العام القومى بقدر ما كنا نعجب لهذه الضجة التى خلفها ملف التربية القومية بصفة خاصة .
فلقد أصبحنا نؤمن إيماناً راسخاً أن الأمر قد لفت الانتباه وأن المستقبل الغامض حالياً على الأقل صعب الملامح ولا يلوح منه ما يرضى ويغنى ... لذلك إندفعت الطائفة المثقفة خاصة إلى البحث والتفتيش وإحاطة القضية من كل جوانبها . . غير أنى أعجب وأكاد لا أتحمل ما يجرى أمامى من أن البعض يظن أن المسالة تهم بالدرجة الاولى المنهج المقبل فى حياتنا التربوية وما هو السبيل السوى الذى يمكن أن نتوخاه والذى يمكن بالتالي أن يفض المشكلة أو بعبارة أوضح ما هو الحل . . .
الحل فى نظرى واضح وضوح الشمس فليس الامر فى رأيي متعلقاً فى إنتهاج سياسة تربوية مبدئية ما معربة أو أجنبية فالكلمة الأخيرة ذاتها تدل بوضوح شكلاً ومضموناً إلى الهجرة التى يمكن أن نتردى فيها حتى فى مبادئنا الاسلامية العربية التى لا تتحمل دخيلا مع شمولها وقابليتها لثقافات وتيارات لمسايرة العصر والنهضة .
ولست أرى بداً من أن أشير إلى الدستور التونسي الذي يقر العربية لغة دون أخرى فكيف يفكر أهلها مجرد تفكير فى التعريب والكلمة ذاتها فى مفهومها العميق ترمز إلى إننا كنا فى عهد قريب أو بعيد " غير عرب " ولكننا ربما أردنا ذلك لشئ ما أعجبنا فيها وقد يذهب البعض من أعدائها الأذكياء إلى
الطعن فيها محاولة انتهاكها فادعوا أنها لا تستطيع فى شىء ان تحتضن أهم ما يوجد فى العصر من مشاغل تقدمية وأن التقنية بعيدة كل البعد عنها ومما يدعو للغرابة أن هذا الشطط فى العداء والادعاء قد قوبل من بعض أدبائنا الافذاذ بالمعقول إلى جانب من حاولوا التملص منها تماماً كأنهم يخشون أن تعلق بهم ادراتها ومن المغبات الوخيمة حقاً هذا الجيل الذى يكمن فيه مستقبل أمة كاملة وتنتظر منه المعجزات قد تذبذب فى سلوكه وانفصمت وحدته وإدراكه بين مناهضين مناوئين وبين مناصرين فاندك وضعه وتبددت معالم المستقبل حوله أمام من يدعو بالحاح مشط الى التمسك الاعمى بالحضارة الاجنبية، ومن بحث على التعريب ولكنى أظن أنه مبدئيا غير مقتننع تمام الاقتناع بما يتفلسف به حسب رأيه هؤلاء الدعاة العرب الاجانب عنه وربما يرى أنه يطفل ودخول فيما لا يعنى فتلفاه فى معاملاته وفى كتاباته وفيما يتصل به أجنبياً محضاً ولن يتفصى عن ذلك ما لم تحدث معجزة .
أما في المدرسة فإني أكاد أقر بصراحة بأن العربية هى اللغة الأجنبية عدا بعض المواد الأولية التى تستخدم فى حد ذاتها الى الوصول بالطفل إلى مرحلة ثانية فيفاجأ الطفل منذ السنة الرابعة تقريباً بتطور الاحداث ولا يجد مفرا من العناية المفرطة باللغة الاجنبية حتى يكسب التقدم فى شؤونه المدرسية وحتى الاولياء ذاتهم يصرفون كل عنايتهم ويصرون جهدهم ويحثون أبناءهم فى لاعتناء المطلق بالفرنسية لانها حسب رأيهم وربما كان لهم بعض الحق فى ذلك طلسم انفراج المرحلة المتوسطة أمامهم .
أظن أن هذه الاخطار والعوارض التى بدأت تلوح فى كل حين كفيلة بأن تدفع كل من لهم قلب ينبض عروبة وكل من يغارون على سمعتها أن يقتحموا هذه المجاهل بصمود وثبات وأن يفككوا هذا الحصار وهذا الاضطراب ويزرعوا لنبتة الأولى التى ستأتى أكلها لا محالة لأن فى التزامهم بهذا العمل إنقاض جيل بل أجيال كاملة من التعثر ومما قد ينتج عنه من نتائج غير قابلة لاى حل . ((وقل إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) .

